من بين الركام إلى البحر.. أطفال غزة يستعيدون ضحكاتهم و15 ناجيًا من أصل 45 في برنامج للسباحة

من بين الركام إلى البحر.. أطفال غزة يستعيدون ضحكاتهم و15 ناجيًا من أصل 45 في برنامج للسباحة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

على شاطئ غزة، حيث تختلط رائحة البحر بمشاهد الدمار، عاد أطفال فلسطينيون إلى ارتداء ملابس السباحة الصفراء والسوداء، والركض نحو الأمواج واللعب على الرمال، في محاولة لاستعادة شيء من طفولتهم التي سرقتها ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية.

لكن المشهد الذي بدا احتفالًا بالحياة حمل في تفاصيله وجعًا ثقيلًا؛ فمن بين 45 طفلًا شاركوا في برنامج لتعليم السباحة والإنقاذ البحري قبل الحرب، لم يتمكن المنظمون من العثور والتواصل إلا مع 15 طفلًا، فيما بقي الآخرون في عداد المفقودين أو تعذر الوصول إليهم، أو تأكدت استشهادهم خلال الحرب.

وعلى شاطئ قريب من مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، اجتمع الأطفال في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، في أول نشاط لبرنامج «غزة نيبيرز» منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعد أن أوقفته الحرب وحوّلت حياة المشاركين فيه إلى رحلة طويلة من النزوح والخوف والفقد.

وتكشف القصة، التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، كيف يحاول أطفال غزة استعادة مساحة صغيرة من حياتهم الطبيعية، في وقت لا يزال فيه الدمار حاضرًا في محيطهم، وتثقل آثار الحرب أجسادهم وذاكرتهم ومستقبلهم.

15 طفلًا يعودون.. وآخرون غيّبتهم الحرب

كان حسن الحبيّل، المشرف الفلسطيني على البرنامج، يراقب الأطفال وهم يتجهون نحو الشاطئ عبر أزقة ضيقة تصطف على جانبيها أكوام النفايات والركام، وتظهر على جدرانها آثار الرصاص. ومع اندفاع الصغار نحو البحر، وجد نفسه أمام مشهد افتقده طويلًا: أطفال يبتسمون ويلعبون، بدلًا من أن يعيشوا تحت وطأة الخوف والتهديد.

غير أن عودة البرنامج لم تكن فرحة مكتملة؛ فالأطفال الذين اجتمعوا على الشاطئ لم يكونوا سوى جزء صغير من المجموعة التي عرفها المنظمون قبل الحرب، بعدما فرّقتهم الغارات والنزوح وانقطاع الاتصالات، فيما فقد بعضهم حياتهم.

وكان البرنامج قد استهدف أطفالًا يعانون ظروفًا صعبة، بينهم من أصيبوا في مواجهات سابقة أو فقدوا أفرادًا من عائلاتهم. لكن الحرب الأخيرة جعلت اختيار المشاركين أكثر إيلامًا، إذ باتت المعاناة تشمل أعدادًا واسعة من أطفال القطاع، الذين فقدوا منازلهم وأقاربهم، وحُرموا من التعليم واللعب والحياة الآمنة.

ويقول شميخ بدرة، الشريك المؤسس للبرنامج والمقيم في أستراليا، إن الوصول إلى الأطفال استغرق وقتًا طويلًا، وإن المنظمين حرصوا على التأكد من مصير المشاركين قبل إعلان وفاة أي منهم، في ظل صعوبة الحصول على المعلومات خلال الحرب.

وبعد جهود مضنية واتصالات مع أشخاص داخل غزة، تمكن الفريق من الوصول إلى 15 طفلًا، ودعوتهم مجددًا إلى الشاطئ.

أب فقد ابنه.. وحلم لم يكتمل

خلف مشهد الأطفال وهم يركضون نحو الأمواج، كانت هناك حكاية فقد شخصية يعيشها حسن الحبيّل، الذي خسر ابنه علي، البالغ 15 عامًا، خلال الحرب.

كان الأب يتطلع إلى إعداد ابنه ليصبح منقذًا بحريًا عندما يكبر، ثم ينقل خبرته إلى أطفال آخرين على شواطئ غزة، لكن الحرب أنهت ذلك الحلم قبل أن يتحقق.

ويروي الحبيّل، وفق ما نقلته «الغارديان»، أن علي توفي بين ذراعيه بعدما حالت القيود ونقص الغذاء والدواء والقصف دون وصوله إلى أقرب مستشفى.

ويقول الأب، مستعيدًا حلمه لابنه: «أردت أن أُعدّ علي ليصبح منقذًا بحريًا، حتى يتمكن عندما يكبر من تعليم الأطفال السباحة على شواطئ غزة».

ثم يضيف بألم: «لكن الحرب أخذت عليّ منا، كما أخذت كثيرًا من الأطفال في غزة. والآن أرى الأطفال يلعبون من دون علي، وهذا أمر صعب عليّ، لكن ماذا عسانا أن نفعل؟».

وتختصر كلمات الأب مأساة آلاف العائلات الفلسطينية التي لم تفقد أبناءها فحسب، بل فقدت معهم أحلامًا صغيرة كانت ترسم ملامح المستقبل؛ طفل يتطلع إلى مهنة يحبها، وأب ينتظر أن يرى ابنه يكبر، وعائلة كانت تأمل أن يعيش أطفالها حياة لا يطاردهم فيها الخوف.

مبادرة أسترالية تعود إلى شاطئ غزة

تعود جذور برنامج «غزة نيبيرز» إلى عام 2017، حين بدأت فكرة نقل تجربة أسترالية لتعليم الأطفال مهارات السباحة والسلامة البحرية إلى قطاع غزة، مستلهمة من برامج إنقاذ السباحين الصغار المنتشرة في أستراليا.

وبعد تأخيرات فرضتها جائحة كورونا، تمكن البرنامج من تنظيم موسمه الصيفي الأول في منتصف عام 2023، قبل أن تتوقف أنشطته بصورة كاملة في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع.

ومنذ ذلك الحين، واجه القائمون عليه صعوبات بالغة في متابعة الأطفال المشاركين، إذ نزحت عائلات نحو مناطق مختلفة من القطاع، ووصل بعض النازحين إلى مناطق قريبة من الحدود المصرية، بينما انقطعت أخبار آخرين.

ويقول بدرة إن أصدقاءه وأفرادًا من عائلاتهم داخل غزة ساعدوا في تتبع أخبار الأطفال، وإن عملية التأكد من مصيرهم كانت ضرورية قبل اتخاذ قرار استئناف النشاط.

ولم تقتصر العقبات على العثور على الأطفال؛ فقد فُقدت أو سُرقت أو دُمّرت معدات عديدة كانت مخصصة للبرنامج، بما فيها ملابس السباحة والأعلام وأدوات الطفو.

ولإعادة تجهيز النشاط، جمع أعضاء لجنة الشواطئ الشمالية من أجل فلسطين تبرعات مكّنت الفريق داخل غزة من شراء ألواح السباحة وملابس جديدة باللونين الأسود والذهبي، إلى جانب المعدات الأساسية اللازمة لتنظيم التدريبات.

فرحة محفوفة بالخوف

لم يكن تحديد موعد العودة إلى البحر أمرًا سهلًا، إذ ظل المنظمون يبحثون عن فرصة مناسبة تتيح جمع الأطفال دون تعريضهم لمخاطر إضافية.

وحتى بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ظلت المخاوف الأمنية والغارات المتقطعة والتوترات الميدانية تؤخر استئناف النشاط، ما دفع الفريق إلى تأجيل الموعد مرات عدة.

وفي نهاية المطاف، اختير يوم 25 سبتمبر/أيلول 2026 موعدًا لعودة الأطفال إلى الشاطئ.

أما بدرة، الذي كان يتابع التطورات من أستراليا، فقد أمضى ذلك اليوم قلقًا، ينتظر اتصالات الفريق داخل غزة، ويتابع أحوال الأطفال، مترقبًا عودتهم سالمين إلى منازلهم.

وتقول كريستين ستيوارت غيبس، الرئيسة السابقة لنادي نورث ستاين للإنقاذ البحري، وعضو لجنة الشواطئ الشمالية من أجل فلسطين، إن مشاهدة الأطفال وهم يضحكون ويلعبون وسط الدمار كانت أشبه بالمعجزة.

وتشير إلى أن جمع الأطفال في غزة، في ظل المباني المدمرة وصعوبة التنقل ونقص الغذاء والرعاية الصحية، تطلب جهودًا استثنائية من الحبيّل ومساعديه.

وترى أن عودة البرنامج تمثل بصيص أمل في مكان غابت عنه الأخبار المفرحة طويلًا.

طفولة مؤجلة وأمل في العودة

بالنسبة إلى الأطفال الذين عادوا إلى البحر، لم يكن النشاط مجرد تدريب على السباحة أو تعلم مهارات الإنقاذ، بل فرصة لاستعادة جانب من طفولة حُرموا منها طويلًا.

فاللعب والضحك والسباحة، وهي أنشطة تبدو عادية في حياة الأطفال حول العالم، تحولت في غزة إلى تجارب يصعب ضمانها، في ظل الدمار والنزوح والخوف المستمر على الحياة.

ويأمل القائمون على البرنامج تنظيم أنشطة جديدة خلال الصيف المقبل، بما يتيح للأطفال مواصلة التدريب واستعادة الشعور بالحياة الطبيعية، رغم الصعوبات التي لا تزال تحيط بهم.

ويؤكد بدرة أن الاستسلام للحزن لن يساعد الفلسطينيين، وأن استمرار المبادرات التي تمنح الأطفال مساحة للفرح والتعلم يمثل شكلًا من أشكال التمسك بالحياة.

وتحمل رسالته دعوة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة بألا يُترك أطفال غزة وحدهم في مواجهة آثار الاحتلال والحصار والدمار، وأن يحصلوا على حقهم في العيش بسلام، مثل سائر أطفال العالم.

لكن عودة 15 طفلًا إلى الشاطئ لا تمحو مصير رفاقهم، ولا تعيد الابن الذي فقده الحبيّل، ولا تعوّض سنوات من الخوف والحرمان. إنها، في المقابل، تفتح نافذة صغيرة على قدرة الأطفال على التمسك بالحياة، وعلى إصرار من بقي إلى جانبهم على منحهم فرصة لاستعادة ما أمكن من طفولتهم.

وعلى رمال غزة، تبدو ضحكات الأطفال أكثر من مجرد لحظة عابرة؛ إنها تذكير بأن خلف أرقام الضحايا والدمار ملايين التفاصيل الإنسانية التي لا تظهر في الإحصاءات، وبأن حق الطفل الفلسطيني في اللعب والأمان والحياة لا يقل أهمية عن حقه في الغذاء والعلاج والتعليم.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest