
المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب فصل الشتاء، يعود شبح البرد والأمطار ليخيّم على حياة مئات آلاف النازحين في قطاع غزة، الذين يجدون أنفسهم أمام معركة جديدة لتأمين الحد الأدنى من الحماية لعائلاتهم، بعدما أنهكتهم سنوات النزوح وفقدوا منازلهم ومصادر رزقهم ومقومات الحياة المستقرة.
وفي منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع، لم يعد ترميم الخيام مجرد أعمال صيانة اعتيادية، بل تحوّل إلى مهمة شاقة تستنزف ما تبقى لدى النازحين من مال وقدرة على الاحتمال. فبينما يبحث بعضهم عن قضبان حديدية بين أنقاض المنازل المدمرة لاستخدامها في تثبيت خيامهم، يحاول آخرون سدّ الثقوب في الشوادر المهترئة بقطع النايلون والقماش والبطانيات، في سباق مع الوقت قبل اشتداد المنخفضات الجوية.
وتكشف هذه المشاهد جانبًا من المأساة الإنسانية المتواصلة في القطاع؛ إذ يضطر الفلسطينيون إلى استخدام ما تبقى من أنقاض منازلهم المدمرة لتشييد ملاجئ مؤقتة، لا توفر بالضرورة حماية كافية من المطر والرياح والبرد، فيما تشكّل تكاليف ترميمها عبئًا إضافيًا على عائلات أنهكها النزوح والفقر وشح الإمكانات.
الحديد بدل الأخشاب.. مأوى بتكلفة باهظة
ودفع الارتفاع الكبير في أسعار الأخشاب المستخدمة في إقامة هياكل الخيام عددًا من النازحين إلى البحث عن بدائل، من بينها شراء قضبان الحديد المستخرجة من أنقاض المنازل المدمرة، وإعادة استخدامها في تدعيم الملاجئ المؤقتة، في محاولة لمنحها قدرًا أكبر من الثبات أمام الرياح والأمطار.
ويقول النازح وسام الغلبان (45 عامًا)، الذي يعيل أسرة مكونة من سبعة أفراد، إنه عانى خلال الشتاء الماضي بعدما تسربت مياه الأمطار إلى خيمته، وألحقت أضرارًا بمقتنياته، ما دفعه إلى الاستدانة لشراء قضبان حديدية وإعادة بناء الخيمة وتدعيمها.
ويوضح الغلبان أن تكلفة إنشاء خيمة من الحديد بمساحة أربعة أمتار في ستة أمتار بلغت نحو 800 شيقل، فيما لا تشمل هذه الكلفة المواد اللازمة لتغطيتها وحمايتها من الأمطار.
ويبلغ سعر الشادر الواحد نحو 200 شيقل، وتحتاج الخيمة الواحدة إلى أربعة شوادر، ما يعني أن كلفة الهيكل والتغطية تصل إلى نحو 1600 شيقل، وفق الأسعار التي أوردها الغلبان، من دون احتساب أي نفقات إضافية أخرى.
وتضع هذه الأرقام الأسر النازحة أمام معادلة قاسية؛ فالحصول على مأوى أكثر تماسكًا يتطلب إنفاق مبالغ يصعب توفيرها في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام مصادر الدخل لدى كثير من العائلات، بينما يعني العجز عن ترميم الخيام استمرار التعرض لمخاطر البرد وتسرب المياه مع حلول الشتاء.
ولا تنتهي المشكلة عند تدعيم الهيكل الحديدي، إذ تحتاج الخيمة إلى شوادر سليمة ومواد تغطية مناسبة، فضلًا عن وسائل تثبيت تحميها من الرياح. وهي احتياجات تبدو أساسية، لكنها تتحول إلى أعباء ثقيلة على عائلات لا تملك في كثير من الأحيان ثمن مستلزمات إصلاح مأواها المؤقت.
2000 شيقل لتفادي تكرار المعاناة
أما النازح حمدان أبو شاب (35 عامًا)، فاختار بناء خيمة جديدة بتكلفة بلغت نحو ألفي شيقل، بعدما تضررت خيمته السابقة مرارًا بفعل الرياح والأمطار، في محاولة لتوفير حماية أفضل لأفراد عائلته.
ويقول أبو شاب إنه كان يأمل الحصول على شوادر من المؤسسات والجمعيات الخيرية، لكنه لم يتلقَّ المساعدة التي احتاج إليها، واضطر إلى تحمل تكاليف بناء الخيمة من ماله الخاص.
وتتجاوز معاناة أبو شاب مسألة توفير مأوى بديل؛ إذ يتطلع إلى انتهاء النزوح والعودة إلى منزل عائلته المدمر، واستعادة حياة مستقرة بعيدًا عن الخيام وما تفرضه من مشقة يومية وافتقار إلى أبسط مقومات الخصوصية والأمان.
وتعكس تجربته واقعًا يعيشه كثير من النازحين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى إعادة بناء ملاجئهم أو ترميمها بصورة متكررة، من دون ضمانات بأن تصمد أمام الظروف الجوية المقبلة، أو أن يتمكنوا من توفير بديل أكثر أمانًا.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الخيمة حلًا مؤقتًا لحين العودة إلى المنازل أو توفير مساكن ملائمة، تحولت لدى عائلات كثيرة إلى مأوى طويل الأمد يحتاج إلى صيانة مستمرة، في ظل غياب البدائل المتاحة وارتفاع تكاليف الإيواء.
عائلات عاجزة عن الترميم
ولا يتمكن جميع النازحين من تحمل تكاليف إعادة البناء، إذ يواجه بعضهم عجزًا ماليًا يحول دون شراء المواد اللازمة لترميم الخيام، حتى مع الاكتفاء بالحد الأدنى من الإصلاحات.
ويقول النازح رسمي أحمد، الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، إنه لا يملك المال الكافي لترميم خيمته، وإنه توجه إلى عدد من المؤسسات والجمعيات طلبًا للمساعدة في توفير الشوادر اللازمة، لكنه لم يحصل عليها حتى الآن، رغم تلقيه وعودًا بتوفيرها.
ويخشى أحمد أن يؤدي استمرار تدهور خيمته إلى تفاقم معاناة أسرته خلال الشتاء، خصوصًا مع احتمال تسرب مياه الأمطار إلى داخلها، بما يهدد سلامة أفرادها ومقتنياتهم القليلة.
وفي المقابل، اضطر النازح سامح العقاد إلى التخلي عن فكرة إعادة بناء خيمته باستخدام الحديد المستخرج من الركام، بعدما وجد أن تكلفتها تفوق قدرته المالية، في ظل عدم امتلاكه مصدر دخل ثابتًا.
واكتفى العقاد بشراء الشوادر والنايلون لترميم خيمته المصنوعة من القماش والبطانيات، محاولًا سدّ الثغرات التي تسمح بتسرب المياه والحد من تعرض عائلته للبرد.
وطالب بضرورة توفير المستلزمات الأساسية للنازحين، وفي مقدمتها الشوادر والنايلون والأغطية، لمساعدتهم على ترميم خيامهم المتهالكة قبل اشتداد الظروف الجوية.
وتكشف هذه الحالات تفاوتًا واضحًا في قدرة العائلات على مواجهة الشتاء؛ فبينما يستطيع بعض النازحين الاستدانة أو تدبير مبالغ لإعادة بناء خيامهم، لا يجد آخرون ما يكفي لشراء شادر أو إصلاح جزء متضرر من مأواهم، ما يجعل الحماية من الأمطار مرتبطة إلى حد كبير بالقدرة المالية لكل أسرة.
أزمة إيواء تتجاوز الخيام المتهالكة
ولا تنفصل معاناة نازحي مواصي خان يونس عن أزمة الإيواء الأوسع في قطاع غزة، حيث تتداخل آثار الدمار الواسع مع نقص مواد البناء ومستلزمات المأوى، وتراجع القدرة على توفير حلول سكنية ملائمة للأعداد الكبيرة من النازحين.
وفي تحذير صدر في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن قرابة مليوني شخص في غزة ما زالوا بحاجة إلى مساعدات متعلقة بالمأوى، وإن الإمدادات المتاحة وتلك التي يجري توفيرها لا تغطي سوى نحو 17% من الاحتياجات المحددة لفصل الشتاء.
ووفق بيانات قطاع المأوى التي أوردتها المنظمة، فإن نحو 300 ألف أسرة، تضم قرابة 1.65 مليون شخص، تحتاج إلى مساعدات خاصة بالإيواء الشتوي، فيما يعاني 54% من الخيام والملاجئ المؤقتة من أوضاع سيئة أو سيئة للغاية تستدعي الاستبدال.
كما يعيش نحو 1.77 مليون شخص في 1783 موقعًا للنزوح، بحسب بيانات إدارة المواقع حتى الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، فيما تقع 56% من مواقع النزوح في مناطق متوسطة إلى مرتفعة الخطورة من حيث الفيضانات.
وتعني هذه المؤشرات أن التحدي لا يقتصر على إصلاح الخيام القائمة، بل يمتد إلى توفير بدائل جديدة، وتأمين مواد قادرة على مقاومة الظروف الجوية، وتحسين مواقع النزوح وتصريف المياه، إلى جانب معالجة النقص في مستلزمات الإيواء.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن نقص التمويل والقيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية اللازمة للمأوى يحدّان من قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات بالحجم المطلوب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من شتاء أشد قسوة.
وفي السياق ذاته، حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن نقص التمويل والقيود على إدخال المستلزمات يعرقلان الاستعدادات لموسم الأمطار، مشيرًا إلى أن المواد المتاحة أو الجاري شراؤها لا تكفي إلا لدعم نحو 50 ألف أسرة.
وتبرز هذه المعطيات حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والقدرة على تلبيتها؛ فالأسر التي تعيش في خيام مهترئة تحتاج إلى تدخل يتجاوز المساعدات المحدودة، ليشمل توفير مستلزمات الإيواء بكميات كافية، وتمكين المؤسسات الإنسانية من إدخالها وتوزيعها قبل تفاقم الظروف الجوية.
الشتاء يختبر قدرة النازحين على الصمود
ومع اقتراب الشتاء، يناشد النازحون المؤسسات الدولية والجهات المختصة توفير خيام جديدة وشوادر ومواد عازلة وأغطية بصورة عاجلة، محذرين من أن استمرار تدهور أماكن الإيواء سيضاعف معاناتهم، ولا سيما لدى الأسر التي تضم أطفالًا وكبارًا في السن ومرضى.
فبالنسبة إلى هؤلاء، لا تمثل الأمطار مجرد تغير في الطقس، بل تهديدًا مباشرًا لمأوى قد يتسرب الماء إلى داخله أو تتطاير أجزاؤه بفعل الرياح، ويهدد بتلف الأغطية والملابس والمقتنيات الأساسية التي يصعب تعويضها.
كما أن الاعتماد على الحديد المستخرج من الركام، رغم ما يوفره من بديل لتدعيم الخيام، لا يحل أزمة الإيواء من جذورها، ولا يغني عن توفير مواد تغطية مناسبة وملاجئ أكثر أمانًا، خصوصًا أن كلفة تجهيز الخيمة قد تتجاوز قدرة كثير من العائلات.
وفي ظل هذه الظروف، تظل الاستجابة العاجلة مرهونة بتوفير مستلزمات الإيواء بكميات تتناسب مع حجم الاحتياجات، وتسهيل وصولها إلى الأسر المتضررة، مع إعطاء الأولوية للعائلات الأشد ضعفًا والأكثر عرضة لمخاطر الأمطار والبرد.
وبين قضبان الحديد المنتشلة من أنقاض المنازل والشوادر التي يحاول النازحون ترقيعها بما تيسر، يستعد أهالي مواصي خان يونس لشتاء جديد لا يملكون ضمانات لتجاوز قسوته. وبينما يحاولون حماية أطفالهم من المطر والبرد، يبقى مطلبهم الأساسي أبسط من كل محاولات الترميم: مأوى آمن ينهي معاناة النزوح، وعودة إلى بيوت دمرتها الحرب، وحياة لا يضطرون فيها إلى إنفاق ما لا يملكونه كي يحموا أسرهم من المطر.

