موسم الزيتون في غزة.. حرب اقتلعت الأشجار ودفعت المزارعين إلى حافة الخسارة

موسم الزيتون في غزة.. حرب اقتلعت الأشجار ودفعت المزارعين إلى حافة الخسارة

المركز الفلسطيني للإعلام

من بساتين مثقلة بالثمار إلى أراضٍ جرداء.. تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار وتعطل المعاصر يهدد أحد أهم مصادر الرزق في القطاع

لم يعد موسم قطاف الزيتون في قطاع غزة مناسبة زراعية تنتظرها العائلات الفلسطينية كل خريف، ولا فرصة للمزارعين لاستعادة جزء من تعب عام كامل؛ فقد حلّ هذا الموسم مثقلاً بآثار حرب طالت الأشجار والأراضي الزراعية والمعاصر، ودفعت قطاع الزيتون إلى واحدة من أشد مراحله تراجعاً، بعدما فقد نحو 90% من مساحته المزروعة، وفق معطيات زراعية فلسطينية.

وفي دير البلح، وسط القطاع، حيث اعتادت العائلات التجمع بين أشجار الزيتون لجني الثمار وتخزين الزيت لمؤونة الشتاء، تبدو صورة الموسم مختلفة تماماً. فالأراضي التي كانت خضراء ومثمرة تحولت مساحات واسعة منها إلى أرض قاحلة، فيما لم يبقَ أمام المزارعين سوى ما نجا من الأشجار، في محاولة لاستعادة تقليد زراعي ارتبط بمعيشتهم وذاكرتهم وعلاقتهم بالأرض.

ولا تقف الخسارة عند حدود انخفاض كمية المحصول؛ إذ تمتد إلى تراجع دخل آلاف الأسر، وارتفاع أسعار زيت الزيتون، وانكماش عمل المعاصر، وتضرر حلقات الإنتاج والتسويق، في وقت يحتاج فيه القطاع الزراعي إلى إمكانات كبيرة لاستعادة قدرته على توفير الغذاء والعمل ومصادر الدخل.

أشجار معمرة تحت الجرافات

على امتداد سنوات الحرب، تعرضت الأراضي الزراعية في قطاع غزة لعمليات تجريف وتدمير واسعة، طالت بساتين الزيتون وأشجاراً معمرة ورثتها العائلات جيلاً بعد جيل. ولم تكن تلك الأشجار مجرد محاصيل موسمية، بل أصولاً زراعية تراكمت قيمتها على مدى عقود، ووفرت للأسر مورداً اقتصادياً يتجدد كل عام.

وبحسب معطيات، تراجعت المساحات المزروعة بالزيتون من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة 5 آلاف دونم في عام 2026، فيما انخفض عدد الأشجار من نحو مليوني شجرة إلى ما يقارب 150 ألفاً، وفق بيانات وخبرات زراعية فلسطينية نقلتها تقارير إعلامية.

وتعني هذه الأرقام أن الخسارة تجاوزت معظم المساحة التي كان يعتمد عليها القطاع في إنتاج الزيتون، وأن استعادة الوضع السابق لن تتحقق بمجرد انتهاء الموسم الحالي أو عودة المزارعين إلى أراضيهم؛ فالأشجار التي اقتُلعت تحتاج إلى سنوات حتى تعود إلى مرحلة الإنتاج، كما تتطلب إعادة تأهيل الأراضي المتضررة توفير الشتلات والمياه والأسمدة والمستلزمات الزراعية.

وفي دير البلح وحدها، تضرر أكثر من 39 ألف دونم، وفق جمعية التنمية الزراعية في غزة، في مؤشر على حجم الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية في المحافظة الوسطى، التي كانت مناطقها الشرقية، إلى جانب مناطق البريج والمغازي، من البيئات المعروفة بإنتاج الزيتون.

وتتضاعف آثار هذا التدمير عندما تكون الأرض المتضررة مصدراً رئيسياً لدخل الأسرة؛ فخسارة البستان لا تعني فقدان محصول عام واحد فحسب، وإنما فقدان أصل إنتاجي كان يفترض أن يواصل توفير الدخل لسنوات طويلة.

من 40 ألف طن إلى خمسة آلاف

قبل الحرب، كان الزيتون من أبرز المحاصيل الزراعية في قطاع غزة، بإنتاج سنوي يناهز 40 ألف طن، وفق الأرقام التي أوردتها التقارير بشأن القطاع الزراعي. أما في الموسم الحالي، فتشير التقديرات إلى تراجع الإنتاج إلى نحو خمسة آلاف طن فقط.

ويمثل هذا الانخفاض ضربة مباشرة للمزارعين الذين يعتمدون على بيع الثمار أو عصرها وتسويق الزيت، كما ينعكس على الأسواق المحلية وقدرة العائلات على الحصول على أحد المكونات الأساسية في المطبخ الفلسطيني.

ويظهر التراجع كذلك في إنتاج زيت الزيتون، الذي انخفض وفق التقديرات المنشورة من نحو خمسة آلاف طن قبل الحرب إلى قرابة 700 طن، وهو فارق واسع بين حجم الإنتاج السابق والكمية المتاحة حالياً.

ولا يمكن فصل هذا التراجع عن تدمير الأشجار والمساحات المزروعة، لكنه يرتبط أيضاً بتعطل العمليات الزراعية وصعوبة توفير مستلزمات الإنتاج وارتفاع تكاليف العمل والنقل والعصر. فحتى الأشجار التي نجت من التجريف لا تضمن بالضرورة محصولاً وافراً، ولا سيما عندما تتعذر العناية بها أو تتراجع قدرة أصحابها على تحمل تكاليف خدمتها.

وبذلك، يجد المزارع نفسه أمام معادلة قاسية: محصول أقل، وتكاليف أعلى، وفرص أضيق لتحقيق عائد يغطي نفقات الزراعة والحصاد والعصر والتسويق.

المعاصر.. خسارة الحلقة الثانية من الإنتاج

لم تسلم معاصر الزيتون من آثار الحرب، إذ تعرضت منشآت كثيرة للتدمير، بينما تعمل المعاصر التي بقيت خارج دائرة الدمار بإمكانات محدودة وفي ظل تراجع حاد في كميات الثمار المتاحة.

ووفق المعطيات التي تابعها مراسل المركز الفلسطيني للإعلام، لم يتبقَّ سوى سبع معاصر عاملة من أصل نحو 40 معصرة في القطاع، ما يعكس حجم الضرر الذي أصاب البنية الإنتاجية المرتبطة بهذا المحصول.

وفي إحدى المعاصر، انخفض الإنتاج السنوي من نحو خمسة آلاف إلى سبعة آلاف عبوة إلى ما بين 150 و200 عبوة في الحد الأقصى، وفق ما نقله التقرير عن أحد العاملين. ولا يكشف هذا التراجع حجم خسارة المنشأة وحدها، بل يوضح كيف ينعكس انهيار الإنتاج الزراعي على الأنشطة التي تعتمد عليه بصورة مباشرة.

فالمعصرة تحتاج إلى كميات كافية من الثمار حتى تتمكن من تشغيل معداتها وتغطية تكاليف الطاقة والعمالة والصيانة. ومع انحسار المحصول، تتقلص أيام التشغيل، ويقل الطلب على العمال، وتتراجع الإيرادات، في حلقة من الخسائر المتبادلة بين المزارع وصاحب المعصرة والعامل والتاجر.

وتحتاج إعادة تشغيل هذا القطاع إلى أكثر من إصلاح المعدات المتضررة؛ إذ ترتبط استدامة عمل المعاصر بعودة الإنتاج الزراعي، وتوفير الطاقة وقطع الغيار، وتسهيل نقل المحاصيل، ووجود سوق قادرة على استيعاب الإنتاج.

وهكذا، لم يعد التحدي مقتصراً على إنقاذ ما تبقى من الأشجار، بل أصبح مرتبطاً بإعادة بناء سلسلة إنتاج متكاملة، تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند وصول الزيت إلى المستهلك.

زيت الزيتون.. سلعة تثقل كاهل العائلات

مع تراجع الإنتاج المحلي، انعكس نقص المعروض على أسعار زيت الزيتون، ليتحول الحصول عليه من احتياج غذائي مألوف إلى عبء يصعب على كثير من الأسر تحمله.

وأظهرت الأسعار تفاوتاً كبيراً بين الزيت المستورد والمنتج محلياً؛ إذ بلغ سعر لتر الزيت المستورد نحو 20 شيكلاً، مقابل 50 إلى 55 شيكلاً للتر المعصور محلياً، فيما وصل سعر عبوة الزيت سعة 25 لتراً إلى نحو 1500 شيكل.

وتكشف هذه الأسعار حجم الفجوة بين القدرة الشرائية للعائلات وأسعار منتج كان جزءاً أساسياً من المؤونة المنزلية الفلسطينية. فالأسرة التي اعتادت شراء كمية تكفيها لأشهر تجد نفسها أمام كلفة مرتفعة، في حين لا يملك المزارع المتضرر فائضاً من الإنتاج يتيح له الاستفادة من ارتفاع الأسعار لتعويض خسائره السابقة.

كما أن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع المنتجين؛ فالمزارع الذي فقد معظم أشجاره قد لا يملك محصولاً كافياً للبيع، وصاحب المعصرة الذي يعمل أياماً محدودة لا يستطيع تعويض خسائر سنوات من خلال موسم ضعيف.

وتبرز هنا مفارقة اقتصادية واضحة: يتراجع الإنتاج المحلي، وترتفع كلفة الحصول على الزيت، بينما تتقلص قدرة المزارعين والمنشآت الصغيرة على استثمار ما تبقى من مواردهم في استعادة نشاطهم.

وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة في القطاع، يصبح نقص زيت الزيتون أكثر من مشكلة تتعلق بسلعة غذائية بعينها؛ فهو جزء من أزمة أوسع تضرب الإنتاج المحلي، وتضعف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها، وتزيد اعتماد السوق على الكميات المحدودة المتاحة.

خسارة تتجاوز الموسم إلى مستقبل الزراعة

تختلف خسارة شجرة الزيتون عن خسارة محصول موسمي آخر؛ فالشجرة المعمرة تمثل استثماراً طويل الأمد، يحتاج إلى سنوات من الرعاية حتى يبلغ مرحلة الإنتاج الجيد، ويمكن أن تستمر في توفير الثمار لأجيال متعاقبة.

ومن هنا، فإن اقتلاع آلاف الأشجار أو تدمير البساتين لا يؤدي إلى تراجع الإنتاج في موسم واحد فقط، بل يهدد قدرة القطاع الزراعي على التعافي في المواسم المقبلة. كما أن الأراضي التي تحتاج إلى إعادة تأهيل تتطلب موارد مالية ومستلزمات زراعية قد يصعب توفيرها في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد المحلي.

وتنعكس هذه الخسائر على فرص العمل المرتبطة بالموسم، من العناية بالأشجار وجني الثمار إلى النقل والعصر والتعبئة والتجارة. ومع تقلص النشاط في كل حلقة، تتراجع قدرة الأسر العاملة في الزراعة على توفير دخل مستقر، وتتضرر المنشآت الصغيرة التي كانت تعتمد على الموسم لتشغيل أعمالها.

وتزداد أهمية هذا الجانب في غزة، حيث يحتاج التعافي الاقتصادي إلى إعادة تنشيط القطاعات القادرة على توفير فرص العمل والإنتاج المحلي، بدلاً من الاكتفاء بتوفير المساعدات الاستهلاكية. فالزراعة، بما فيها زراعة الزيتون، تمثل أحد المجالات التي يمكن أن تسهم في استعادة مصادر الدخل إذا توافرت لها الأرض والمياه والمدخلات والقدرة على الوصول إلى الأسواق.

ما الذي يحتاجه القطاع ليستعيد موسم الزيتون؟

تبدأ استعادة قطاع الزيتون بحصر الأضرار التي لحقت بالأراضي والأشجار والمعاصر، وتحديد المساحات القابلة لإعادة الزراعة، ثم توفير شتلات الزيتون ومستلزمات تأهيل التربة وخدمة الأشجار التي بقيت على قيد الحياة.

ويحتاج المزارعون أيضاً إلى دعم مالي وفني يساعدهم على استئناف العمل، وتوفير الأسمدة والمبيدات ووسائل الري، إلى جانب مساندة المعاصر المتبقية وإصلاح المنشآت المتضررة وتوفير الطاقة وقطع الغيار اللازمة لتشغيلها.

كما يتطلب التعافي حماية الأراضي الزراعية وتمكين أصحابها من الوصول إليها والعمل فيها بأمان، فضلاً عن تسهيل نقل المحاصيل وتسويقها، وتوفير آليات تتيح للمنتجين الصغار تجاوز الخسائر التي راكموها خلال سنوات الحرب.

ولا يقل عن ذلك أهمية دعم الأسر الزراعية التي فقدت مصدر دخلها، لأن إعادة زراعة الأرض وحدها لا تكفي إذا لم يتمكن أصحابها من تحمل تكاليف العناية بالأشجار وانتظار سنوات حتى تستعيد إنتاجيتها.

فالتعافي الحقيقي لا يقاس بعدد الشتلات التي تزرع فحسب، بل بقدرة المزارع على استعادة دورة الإنتاج كاملة، من خدمة الأرض إلى بيع المحصول وتحقيق دخل يحفظ له القدرة على الاستمرار.

موسم للتمسك بالأرض

في غزة، يحمل موسم الزيتون هذا العام صورة مختلفة عن مواسم الخريف السابقة؛ إذ يتقدم المزارعون إلى ما تبقى من أشجارهم في مواجهة خسارة لا تختصرها أرقام الإنتاج وحدها. فخلف كل بستان متضرر عائلة فقدت مورداً، وخلف كل معصرة متوقفة عمال حُرموا من فرص عمل موسمية، وخلف كل ارتفاع في الأسعار أسر باتت تواجه صعوبة أكبر في تأمين احتياجاتها.

لقد أصابت الحرب قطاع الزيتون في عناصره الأساسية: الأرض والشجرة والمنشأة والسوق. ولذلك، فإن إنقاذه يتطلب معالجة مترابطة لهذه الأضرار، لا الاكتفاء بالتعامل مع نقص المحصول بوصفه أزمة موسمية عابرة.

وبين الأراضي التي تحولت إلى مساحات جرداء، والأشجار التي بقيت شاهدة على ما أصابها، والمعاصر التي تعمل بقدرات محدودة، يواجه الزيتون الفلسطيني اختباراً يتجاوز موسم القطاف إلى مستقبل الزراعة ومصادر العيش في القطاع.

ومهما كان حجم ما تبقى من الثمار، فإن الحفاظ على أشجار الزيتون وإعادة تأهيل البساتين واستعادة القدرة على الإنتاج تظل جزءاً من معركة أوسع لحماية مقومات الحياة في غزة، وصون مورد اقتصادي ارتبط بالأرض وأهلها جيلاً بعد جيل.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest