
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تعد جرائم القتل وإطلاق النار في البلدات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1948 حوادث متفرقة، بل تحولت إلى أزمة أمنية ومجتمعية متفاقمة، تحصد أرواح الشباب والنساء، وتلقي بظلالها على حياة آلاف العائلات، في ظل انتشار السلاح وتصاعد نفوذ عصابات الجريمة المنظمة، واستمرار الانتقادات الموجهة إلى الشرطة الإسرائيلية بسبب إخفاقها في الحد من هذه الظاهرة وملاحقة المتورطين فيها.
وفي أحدث حلقات هذا النزيف، قُتل رجل في الثلاثينيات من عمره، صباح اليوم الجمعة، إثر تعرضه لإطلاق نار قرب مفرق وادي سلامة على شارع 65 في منطقة الجليل شمالي البلاد، لترتفع حصيلة ضحايا جرائم القتل، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المحلية، إلى ثلاثة قتلى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
وأقرت الطواقم الطبية التابعة لنجمة داود الحمراء وفاة الرجل في موقع الجريمة، بعد إصابته بجروح نافذة وخطيرة في أنحاء جسده، وفشل محاولات إنعاشه.
وقال المسعف فادي عثمان إن الطواقم عثرت على المصاب ملقى على الرصيف قرب محطة للحافلات، فاقداً للوعي، فيما كان أحد الموجودين في المكان قد بدأ بإجراء الإنعاش القلبي الرئوي بتوجيه من مركز الطوارئ، قبل أن تواصل الطواقم محاولات إنقاذ حياته دون جدوى.
من جانبها، فتحت الشرطة الإسرائيلية تحقيقاً في ملابسات الجريمة، وشرعت بأعمال تمشيط بحثاً عن مشتبهين بإطلاق النار، دون الإعلان عن اعتقالات على خلفية الحادثة.
ثلاث جرائم قتل خلال يوم واحد
وجاءت الجريمة الجديدة بعد ساعات من مقتل شاب يبلغ 25 عاماً من مدينة قلنسوة، وإصابة أربعة آخرين، ثلاثة منهم بجروح خطيرة، إثر تعرضهم لإطلاق نار أثناء وجودهم داخل مركبة في مدينة باقة الغربية.
وسبق ذلك مقتل الشاب يوسف محمود حماد (22 عاماً)، وإصابة شخصين آخرين بجروح خطيرة وغير مستقرة، في جريمة إطلاق نار وقعت بمدينة طمرة.
ولم تقتصر الاعتداءات على هذه الجرائم، إذ شهدت بلدات الناصرة وكفر قاسم وقلنسوة حوادث إطلاق نار منفصلة، أسفرت عن ثلاث إصابات خطيرة، في مؤشر على اتساع رقعة العنف وتكرار الاعتداءات المسلحة في البلدات الفلسطينية.
وتكشف هذه الحوادث المتلاحقة عن حجم المخاطر التي باتت تهدد الأمن الشخصي للسكان، مع انتقال جرائم إطلاق النار إلى الشوارع والأحياء والأماكن العامة، دون استثناء واضح للفئات العمرية أو المواقع المستهدفة.
أرقام تكشف اتساع أزمة الجريمة
وتشير الإحصائيات التي ترصد ضحايا الجريمة والعنف في المجتمع العربي إلى أن الأزمة تجاوزت حدود الحوادث الفردية، وأصبحت واحدة من أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة.
ووفقاً لآخر حصيلة منشورة لمؤسسة مبادرات إبراهيم، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بلغ عدد ضحايا جرائم العنف في المجتمع العربي 193 قتيلاً منذ بداية العام، بينهم 164 قُتلوا بإطلاق النار، و13 امرأة وفتاة، فيما قُتل تسعة أشخاص برصاص الشرطة الإسرائيلية.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بحصيلة العام الماضي، الذي سجل 252 ضحية في المجتمع العربي، ليكون عام 2025 الأكثر دموية في تاريخ المجتمع العربي وفق رصد المؤسسة.
وفي المقابل، أعلنت الشرطة الإسرائيلية، في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تسجيل انخفاض بنحو 14% في حوادث القتل داخل المجتمع العربي منذ بداية عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة أو تراجع خطورتها، لا سيما أن بيانات الشرطة تتناول عدد حوادث القتل، بينما ترصد المؤسسات الحقوقية عدد الضحايا، وهو ما يستدعي التمييز بين منهجيات الإحصاء المختلفة.
وتكشف بيانات عرضتها الشرطة الإسرائيلية أمام لجنة الأمن القومي في الكنيست أن عام 2025 شهد مقتل 241 شخصاً من المجتمع العربي، مقابل 47 من المجتمع اليهودي، فيما أُعلنت خلال العام نفسه 63 لائحة اتهام في قضايا قتل، وفق البيانات التي قدمها ممثل الشرطة للجنة.
اتهامات بالتقاعس وغياب الحماية
وفي مواجهة استمرار نزيف الدم، تتصاعد الانتقادات من قيادات ومسؤولين فلسطينيين في الداخل المحتل للشرطة وحكومة الاحتلال الإسرائيلية، على خلفية ما يصفونه بالتقاعس عن مواجهة عصابات الجريمة المنظمة، والحد من انتشار السلاح غير المرخص، وملاحقة المتورطين في جرائم القتل وتقديمهم إلى العدالة.
ويحمل مسؤولون وقيادات في المجتمع العربي سلطات الاحتلال الإسرائيلية مسؤولية تفاقم حالة انعدام الأمن الشخصي، مطالبين بإجراءات جدية لمكافحة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكاتها، وملاحقة مصادر تمويلها وتسليحها، وضمان حماية المواطنين في بلداتهم.
كما تثير معدلات القتل المرتفعة مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الأجيال الشابة، في ظل تكرار جرائم إطلاق النار واتساع دائرة الضحايا، وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية على العائلات والمجتمع بأسره.
وبينما تتواصل التحقيقات الشرطية عقب كل جريمة، تبقى عائلات الضحايا أمام واقع فقدان أبنائها، فيما تتجدد المطالبات بتحويل التصريحات الرسمية إلى خطوات عملية تضع حداً لعصابات الجريمة، وتعيد للمواطنين حقهم في الحياة والأمان.

