
المركز الفلسطيني للإعلام
تتجدد في الثاني من تشرين الثاني من كل عام ذكرى وعد بلفور، الذي شكّل عام 1917 محطة مفصلية في المسار الذي انتهى بإقامة دولة الاحتلال على أرض فلسطين، وما رافق ذلك من تهجير واقتلاع ومعاناة مستمرة للشعب الفلسطيني.
وبعد مرور 109 أعوام على صدور التصريح البريطاني، تتجاوز أهمية الذكرى استعادة الوقائع التاريخية وإدانة المسؤولية البريطانية، لتطرح أسئلة تتعلق بكيفية تحويل الذاكرة إلى برنامج عمل يحمي الحقوق الفلسطينية، ويواجه تداعيات المشروع الاستعماري على الأرض والإنسان.
وفي هذا السياق، تتقاطع الدعوات الفلسطينية إلى مراجعة المواقف والسياسات التي مهدت لتحقيق الوعد، مع مطالبات بمساءلة بريطانيا عن دورها التاريخي، والتأكيد على أن حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه والعودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة لا تسقط بمرور الزمن.
وعد بلفور.. تصريح أنكر الحقوق الوطنية للفلسطينيين
صدر وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، متضمناً تأييد الحكومة البريطانية إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع الإشارة إلى عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية، دون الاعتراف للفلسطينيين بحقوقهم السياسية والوطنية بوصفهم شعباً صاحب الأرض.
ويرى المحلل السياسي الدكتور محمد المدهون أن التمييز بين نص التصريح والنتائج التي ترتبت على السياسة البريطانية اللاحقة ضرورة لبناء قراءة تاريخية دقيقة، بعيداً عن المبالغات التي قد تضعف الرواية الفلسطينية. ويشير إلى أن محطات لاحقة، بينها اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة للاحتلال في السادس من كانون الأول عام 2017، وافتتاح السفارة الأمريكية فيها في الرابع عشر من أيار 2018، ثم إعلان الخطة السياسية الأمريكية في كانون الثاني 2020، عكست، وفق قراءته، استمرار تجاوز الإرادة الفلسطينية ومحاولة تقرير مستقبل الأرض من خارج حقوق أصحابها، رغم اختلاف السياقات والأدوات.
ويؤكد المدهون أن مواجهة آثار الوعد لا ينبغي أن تبقى محصورة في إحياء الذكرى وإدانة الماضي، بل تستدعي برنامجاً وطنياً يربط الذاكرة بالتنظيم والعمل، ويضع حماية الإنسان والأرض في مقدمة الأولويات.
غياب الإرادة أتاح للوعد أن يتحقق
من جهته، دعا أستاذ الشريعة الإسلامية الدكتور أحمد الشحروري إلى دراسة الظروف التاريخية والسياسية التي مهدت لصدور وعد بلفور، وفهم العوامل التي أضعفت الموقف العربي والإسلامي، معتبراً أن الاكتفاء باستحضار الذكرى عبر مظاهر الحزن والإدانة لم يغير من واقع القضية.
وأشار الشحروري إلى أن الحركة الصهيونية عملت على إنهاء سلطة الدولة العثمانية، التي رفض سلطانها منح اليهود دولة في فلسطين، فيما بذلت بريطانيا جهوداً لإضعاف الدولة العثمانية مستفيدة من ظروفها الداخلية والديون والتدخلات المحيطة بها، وصولاً إلى انتقال فلسطين إلى مرحلة الانتداب البريطاني، الذي مهّد لتسليمها للحركة الصهيونية.
وانتقد ما وصفه باستمرار غياب المراجعة الجادة للمواقف العربية والإسلامية، داعياً إلى استخلاص الدروس من التاريخ، ومواجهة أسباب الضعف والتراجع بدلاً من الاكتفاء بتكرار الإدانة في كل ذكرى.
مسؤولية بريطانية لا تسقط بالتقادم
بدوره، حمّل المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة المملكة المتحدة المسؤولية التاريخية والقانونية والأخلاقية عن النتائج التي ترتبت على وعد بلفور وممارسات الانتداب البريطاني، معتبراً أن التصريح أسهم في تهيئة الظروف لاقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم وحرمانهم من حقوقهم الوطنية.
وربط المكتب بين آثار الوعد وما تشهده الأراضي الفلسطينية، ولا سيما قطاع غزة، من عدوان وتدمير ومحاولات للتهجير القسري، معتبراً أن هذه الممارسات امتداد للسياسات القائمة على إنكار الحقوق الفلسطينية وتوفير الغطاء السياسي للاحتلال.
وطالب بريطانيا بمراجعة موقفها التاريخي وتقديم اعتذار رسمي وشامل للشعب الفلسطيني، وتحمل التبعات القانونية والتعويضية، إلى جانب وقف توفير الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية وحق شعبها في تقرير المصير.
كما دعا الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والقضائية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها في إنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، والعمل على رفع الحصار عن قطاع غزة بصورة فورية ودائمة.
عشر استراتيجيات لتحويل الذكرى إلى برنامج عمل
وفي إطار الانتقال من استحضار الوعد إلى مواجهة تداعياته، طرح الدكتور محمد المدهون عشر استراتيجيات تقوم على بناء مشروع وطني متكامل، تبدأ بإسناد القدس وحماية وجود أهلها عبر دعم السكن والتعليم والصحة والمؤسسات المقدسية، وتوحيد البيت الفلسطيني وتجديد شرعيته على أساس الشراكة والمساءلة وتوسيع المشاركة في صنع القرار.
وتشمل الاستراتيجيات حماية الإنسان وتعزيز مقومات البقاء، من خلال توفير الغذاء والماء والصحة والمأوى والتعليم، وربط الإغاثة بالتعافي وإعادة بناء المجتمع، إلى جانب تحقيق التكامل بين ساحات الوجود الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، وتنسيق الجهود القانونية والإعلامية والأكاديمية والاقتصادية.
كما يدعو المدهون إلى إنشاء مسار متخصص لمساءلة المسؤولين عن الاستيطان والضم والتهجير، وتوثيق الأدلة ودراسة المسؤولية التاريخية لبريطانيا والمطالب المرتبطة بالاعتراف والاعتذار وجبر الضرر، بالتوازي مع توحيد السياسة الوطنية وتنويع أدوات التأثير السياسي والقانوني والشعبي والإعلامي والاقتصادي.
وتتضمن المحاور المطروحة العمل على رفع الحصار عن غزة وحماية وحدة الأرض الفلسطينية، وإسناد فلسطينيي الداخل وصون هويتهم الثقافية والاجتماعية، إلى جانب تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وحماية حق العودة وحقوق اللاجئين، وصون دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا وخدماتها.
ويختتم المدهون استراتيجياته بالدعوة إلى بناء حاضنة دولية للتضامن مع الحقوق الفلسطينية، من خلال شبكات تضم النقابات والجامعات والبرلمانيين والمؤسسات الثقافية وحركات العدالة، وتطوير خطاب موثق ومتعدد اللغات يواجه الروايات المضللة ويوسع دوائر المناصرة.
من استعادة الذاكرة إلى تنفيذ المسؤوليات
ويشدد المدهون على أن تحويل هذه الاستراتيجيات إلى واقع يتطلب آلية تنسيق وطنية تحدد الجهات المسؤولة والشركاء والموارد والجداول الزمنية، مع حصر المبادرات القائمة وتحديد الفجوات، وإجراء مراجعات دورية معلنة لقياس الإنجاز والعقبات، دون إنشاء هياكل جديدة تكرر أدوار المؤسسات القائمة.
وبينما تتواصل تداعيات وعد بلفور بعد أكثر من قرن على صدوره، تبرز الحاجة إلى تجاوز الاكتفاء بإحياء الذكرى نحو عمل منظم يجمع حماية الإنسان والأرض، وصون حق العودة، وملاحقة المسؤولية التاريخية والقانونية، وتعزيز الحضور الفلسطيني دولياً؛ فاستمرار القضية لا يرتبط فقط بعدالة الحقوق، بل أيضاً بقدرة أصحابها ومؤسساتهم على حمايتها وتحويلها إلى مسار عمل متواصل.

