أرشيف الحياة بغزة.. ألف حكاية تستعيد وجوه الشهداء وأحلامهم من ركام الحرب

أرشيف الحياة بغزة.. ألف حكاية تستعيد وجوه الشهداء وأحلامهم من ركام الحرب

في غزة، حيث تتسارع أعداد الشهداء وتُختزل الحكايات أحياناً في أرقام النشرات الإخبارية، يحاول مشروع «أرشيف الحياة» استعادة ما لا تقوله الإحصاءات: وجوه الفلسطينيين، وأحلامهم التي لم تكتمل، وذكرياتهم التي بقيت في قلوب عائلاتهم وأصدقائهم. فمن خلال صور وشهادات شخصية، يوثق المعرض حكايات ألف فلسطيني استشهدوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، ليعيد تقديمهم بوصفهم بشراً عاشوا تفاصيل يومية وصنعوا علاقات وامتلكوا أحلاماً قبل أن تنهي الحرب حياتهم.

وانطلق المعرض الأحد في قطاع غزة، بمبادرة من فريق «أنتولد فلسطين»، وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، وبالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين، مستنداً إلى قصص جمعتها المنصة من عائلات الشهداء وأحبائهم وزملائهم، في محاولة لحفظ ذاكرتهم الإنسانية والمهنية بعيداً عن اختزالهم في حصيلة الحرب.

ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، أسفرت حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع عن استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 175 ألفاً، فيما طال الدمار نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية، وفق الأرقام الواردة في المعلومات المنشورة عن الحرب.

تقف الشابة يارا حسان أمام إحدى لوحات المعرض، ممسكة بصورة شقيقها محمد، الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، واستشهد في غارة إسرائيلية بينما كان يعبئ جالوناً من المياه عند مدخل مركز لإيواء النازحين.

وتستعيد يارا تفاصيل يوم استشهاده، الذي صادف عيد ميلاده، حين كان يرتدي ملابس جديدة، مؤكدة أن توثيق حكايته يمنحها فرصة لإبقاء ذكراه حاضرة، وتعريف الآخرين بالطفل الذي عرفته عائلته، لا بمجرد خبر عن استشهاده.

وتقول إن محمد كان طفلاً له حياته وذكرياته وتفاصيله الخاصة، وإنها أرادت أن يعرفه الناس كما عرفته أسرته، بعيداً عن اختزال حياته في رقم يضاف إلى حصيلة الضحايا.

وتجسد هذه الحكاية جوهر المشروع، الذي يسعى إلى استعادة حياة الشهداء قبل الحرب، وإبراز أحلامهم وعلاقاتهم الإنسانية وما تركوه في ذاكرة ذويهم، بدلاً من الاكتفاء بتوثيق ظروف استشهادهم.

بدأت فكرة المشروع مع الأيام الأولى للحرب، حين أخذت أعداد الشهداء تتزايد وسط ظروف ميدانية وإنسانية بالغة الصعوبة. عندها، سعى فريق منصة «أنتولد فلسطين» إلى إيجاد طريقة مختلفة للتوثيق، تمنح العائلات مساحة لرواية حكايات أحبائها بأسلوبها الخاص.

وتقول إيمان جاد الله، القائمة على إعداد مشروع «أرشيف الحياة»، إن الفريق أراد التعرف إلى الأشخاص الذين تقف خلف أسمائهم حكايات لا تختصرها لحظة الاستشهاد، بما يشمل أحلامهم وخططهم للمستقبل وما أحبوه في حياتهم.

وتوضح أن العمل انطلق بصورة تطوعية، مع الحرص على عدم فرض رواية جاهزة على العائلات، بل جمع التفاصيل التي ترغب في مشاركتها وتوثيقها ونشرها عبر المنصة.

ومع اتساع تفاعل الأسر مع المبادرة، تطورت حملة «إحنا مش أرقام»، التي أُطلقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، إلى مشروع «أرشيف الحياة»، الذي يضم نحو ألف حكاية جُمعت من شهادات ذوي الشهداء وأصدقائهم ومعارفهم، إلى جانب الصور والذكريات التي احتفظوا بها.

وتؤكد الصحفية وفاء أبو حجاج، من فريق المنصة، أن الهدف يتمثل في أنسنة حياة الضحايا وإبراز تفاصيلها، بما يشمل الأطفال والنساء وكبار السن والمدنيين والصحفيين، ومنح عائلاتهم الحق في رواية قصصهم بالطريقة التي يرونها مناسبة.

ويخصص الأرشيف مساحة لحكايات الصحفيات الفلسطينيات اللواتي استشهدن خلال الحرب، من بينهن مريم أبو دقة وهبة العبادلة ومروة مسلم، مستعيداً جوانب من حياتهن وتجاربهن المهنية وعلاقاتهن الإنسانية.

وتروي الصحفية الفلسطينية شروق شاهين جانباً من هذه الذاكرة، مستحضرة زميلتها في الدراسة والعمل هبة العبادلة، التي استشهدت مع ابنتها خلال عملية عسكرية إسرائيلية استهدفت مدينة خان يونس جنوبي القطاع.

وترى شاهين أن إدراج حكايات الصحفيات في الأرشيف يعيد التذكير بأنهن لم يكنّ مجرد أسماء في قوائم الشهداء، بل صاحبات تجارب مهنية وأصوات وذكريات وعلاقات تركن أثراً في زميلاتهن ومحيطهن.

ومن خلال شهادات الصحفيات اللواتي عرفن الشهيدات وعملن معهن، يحفظ المشروع تفاصيل من مسيرتهن الإنسانية والمهنية، ويوثق جانباً من تجربة الصحافة الفلسطينية خلال الحرب، حين واصل الصحفيون أداء عملهم وسط القصف والنزوح وفقدان الأحبة والخطر المستمر.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري في قطاع غزة منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تواصل قوات الاحتلال هجماتها بالقصف وإطلاق النار وتنفيذ عمليات نسف في المناطق التي تسيطر عليها. ووفق أحدث الأرقام الواردة في المعلومات المقدمة، أسفرت خروقات الاتفاق حتى الأحد عن استشهاد 1551 فلسطينياً وإصابة 5573 آخرين.

وفي مواجهة هذا النزيف، يحاول «أرشيف الحياة» أن يحفظ ما تبقى من تفاصيل الأشخاص الذين غيّبتهم الحرب، مستنداً إلى روايات عائلاتهم وأحبائهم، وإلى صور وذكريات قد تكون آخر ما بقي لهم من حياة فقدت منازلها وأماكنها وأرشيفها.

فلكل صورة في المعرض حكاية تتجاوز لحظة الاستشهاد، ولكل اسم حياة كاملة لا تختصرها الإحصاءات. وبينما تواصل الحرب ترك آثارها على البشر والمكان، يمنح الأرشيف العائلات مساحة لاستعادة أحبائها، ويصون ذاكرة ألف فلسطيني، كي تبقى حكاياتهم جزءاً من الذاكرة الفلسطينية، لا مجرد أرقام في سجل الحرب.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest