أسواق البلدة القديمة في الخليل تختنق.. تجارة محاصرة وخوف يطارد الزوار

المركز الفلسطيني للإعلام

في قلب البلدة القديمة بمدينة الخليل، لا تبدو الأزمة في واجهات المحال المغلقة وحدها، بل في سوق فقد جزءاً كبيراً من حركته، وتجار يفتحون أبواب متاجرهم على أمل أن يأتي زبون، فيما تحاصرهم الحواجز والبوابات العسكرية والإغلاقات، ويزداد عزوف الزوار والمتسوقين عن الوصول إلى المكان بفعل مشاهد الاقتحامات والإجراءات العسكرية المتكررة.

وتحوّلت الحركة التجارية في البلدة القديمة إلى معركة يومية للحفاظ على مصدر الرزق، في ظل واقع تفرض فيه قوات الاحتلال قيوداً متزايدة على الوصول إلى الأسواق والمحال والمنازل، فيما تسببت بوابات وإغلاقات جديدة في عرقلة حركة السكان والتجار والوافدين، وتقييد الوصول إلى الأسواق والمحال التجارية والمنازل.

ويصف التاجر جبر المحتسب، من سكان البلدة القديمة، واقعاً اقتصادياً يزداد قسوة، مؤكداً أن الظروف الحالية لا تشجع أصحاب المحال على فتح أبوابها بشكل دائم، وأنه قد تمر ثلاثة أو أربعة أيام دون أن يتمكن من افتتاح متجره.

ويقول المحتسب إن صعوبة الحياة وتراجع الحركة التجارية أثرا على الناس والتجار، موضحاً أن متجره يقع إلى جانب منزله في البلدة القديمة، وأن المشكلة لا تتعلق بالرغبة في العمل، وإنما بغياب الحركة التي تمنح التاجر القدرة على الاستمرار والاسترزاق.

ويرفض المحتسب الصورة التي تُرسم عن البلدة القديمة باعتبارها منطقة غير آمنة، مشيراً إلى أن عائلته وأبناءه يتحركون فيها حتى ساعات الليل، وأن سكان المنطقة وأصحاب المحال يعيشون فيها بشكل يومي.

ويحمّل المحتسب الخوف المتداول بين الناس جزءاً من مسؤولية تراجع الحركة، موضحاً أن الأخبار المتداولة عن إغلاق الحرم أو وضع بوابات وإجراءات عسكرية تجعل الزائر يتردد في القدوم إلى البلدة القديمة، حتى عندما تكون المحال مفتوحة والحياة اليومية مستمرة.

ولا تختلف معاناة التاجر غاندي العويوي، أحد سكان البلدة القديمة، الذي يرى أن الحواجز الجديدة والإجراءات العسكرية زرعت الخوف في نفوس الناس، وأصبحت عاملاً مباشراً في عزوفهم عن زيارة الأسواق.

ويقول العويوي إن التجار يوجهون رسالة واضحة إلى الناس: “تعالوا وتفرجوا”، مؤكداً أن البلدة القديمة ليست بالصورة المخيفة التي قد تنقلها بعض الإعلانات ومقاطع الفيديو، وأن سكانها يواصلون حياتهم اليومية فيها.

ويشير إلى أن سكان البلدة اعتادوا على وجود المستوطنين والجولات العسكرية منذ سنوات طويلة، إلا أن ما تغير خلال الفترة الأخيرة هو اتساع التغطية الإعلامية ومشاهد الحرب والاقتحامات، الأمر الذي زاد من خوف الناس، حتى من مناطق فلسطينية أخرى ومن فلسطينيي الداخل، ودفع كثيرين إلى تجنب الوصول إلى البلدة القديمة.

ويؤكد العويوي أن التجار لا ينكرون وجود الإجراءات العسكرية وما تسببه من تضييق، لكنهم في الوقت ذاته لا يريدون أن تتحول هذه الإجراءات إلى سبب يمنع الناس من زيارة البلدة القديمة وشراء احتياجاتهم، قائلاً إن هدف التجار هو عودة الإقبال والحركة إلى الأسواق.

وتكشف الإجراءات المفروضة على البلدة القديمة عن واقع أكثر تعقيداً، إذ أقامت سلطات الاحتلال بوابات معدنية جديدة على طرق رئيسية مؤدية إلى المنطقة، ما أدى إلى تقييد حركة السكان والتجار والوافدين، وأثر على الوصول إلى أجزاء من السوق القديم والحرم الإبراهيمي.

وتشير المعطيات إلى أن القيود المفروضة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تشمل نظاماً من الحواجز المخصصة لحركة الفلسطينيين داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والتي يعيش فيها آلاف الفلسطينيين، وتؤثر هذه القيود على الوصول إلى الحرم الإبراهيمي والأسواق والخدمات الصحية وغيرها من المرافق الأساسية.

وتضم البلدة القديمة عشرات الحواجز والبوابات والإغلاقات التي تقيد حركة الفلسطينيين، فيما تتكرر إجراءات إغلاق الطرق وإجبار أصحاب المحال التجارية على إغلاق أبوابها، خصوصاً خلال الاقتحامات والفعاليات التي ينظمها المستوطنون.

وفي شباط/ فبراير الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال أكثر من ألف محل في سوق الخليل، قبل أن يحاول أصحابها إعادة فتحها رغم القيود والتضييقات، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي يواجهها القطاع التجاري في البلدة القديمة.

وتشير بيانات اقتصادية إلى أن البلدة القديمة في الخليل كانت تضم أكثر من ألف محل تجاري، فيما أدى إغلاق أجزاء واسعة منها والقيود المفروضة على الحركة إلى تراجع حاد في النشاط التجاري، ووصلت نسبة إشغال المحال التجارية إلى مستويات متدنية خلال السنوات الماضية.

وتفرض هذه الإجراءات على التجار معادلة قاسية؛ فكل حاجز جديد يعني طريقاً أطول، وكل إغلاق يعني ساعات أو أياماً من الركود، وكل اقتحام عسكري أو استيطاني يضيف طبقة جديدة من الخوف لدى الزائر الذي يفكر في الوصول إلى السوق.

ولا يطلب تجار البلدة القديمة أكثر من عودة الناس إلى أسواقهم، فالحركة التجارية بالنسبة لهم ليست مجرد أرقام ومبيعات، وإنما وسيلة للحفاظ على وجود السوق وأهله وذاكرته.

ويقول العويوي إن البلدة القديمة هي “بلد أجدادنا” وتراث الخليل وأهلها، داعياً الزوار إلى القدوم إليها والتجول في أسواقها وعدم ترك الخوف يحولها إلى مكان خالٍ من الناس.

وفي البلدة القديمة، تبدو أبواب المحال المفتوحة إعلاناً يومياً عن التمسك بالحياة؛ فالتاجر الذي ينتظر زبوناً لا ينتظر ربحاً فقط، وإنما ينتظر أن تبقى السوق عامرة، وأن يظل الناس قادرين على الوصول إليها، وألا تتحول الحواجز والإغلاقات والخوف إلى واقع دائم يفرغ قلب الخليل القديم من أهله وحركته.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest