
رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام
لم يبدأ العام الدراسي 2026-2027 بعد، لكن القلق بدأ مبكرا في عدد من التجمعات الفلسطينية بالضفة الغربية وشرق القدس، فبينما تستعد الأسر لشراء الحقائب والكتب والزي المدرسي، تنتظر أسر أخرى ما هو أكثر أساسية وهو معرفة ما إذا كانت المدرسة التي اعتاد أطفالها الوصول إليها كل صباح ستبقى قائمة أصلا.
ووفق أحدث معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA)، تخضع 84 مدرسة فلسطينية في المنطقة “ج” وشرق القدس لأوامر هدم، وتخدم هذه المدارس نحو 13 ألف طالب وطالبة وأكثر من ألف معلم.
وتواجه 54 مدرسة خطر الهدم الكامل، فيما تستهدف أوامر أخرى أجزاء من 30 مدرسة، وتتركز هذه المخاطر في مناطق تعاني أصلا من قيود التخطيط والبناء، والعنف الاستيطاني، وقيود الحركة والتهجير.
وتبدو الأرقام كبيرة، لكن خلف كل رقم مدرسة لها اسم وأطفال ينتظرونها، ففي مدرسة شعب البطم بمسافر يطا، مثلًا، لم يعد التهديد افتراضيا بالكامل، إذ هدمت سلطات الاحتلال في الرابع من أغسطس، ثلاثة مبان تابعة للمدرسة، بينها غرفتان إداريتان وغرفة تخزين، بينما بقي المبنى الرئيسي قائما لكنه لا يزال خاضعا لأمر هدم، وكانت المدرسة تستقبل 47 طالبا خلال العام الدراسي 2025-2026.
وفي المنطقة ذاتها، تواجه مدرسة زيف الثانوية للبنات خطر الهدم، وهي مدرسة تخدم 253 طالبة، أما مدرسة الرفاعية الأساسية المختلطة في محافظة الخليل، التي تضم 175 طالبا وطالبة، فقد كانت مهددة بالهدم الوشيك قبل أن ينجح أهالي التجمع في الحصول على أمر قضائي مؤقت يعلّق التنفيذ إلى حين استكمال الإجراءات القضائية.
ولا يعني تأجيل الهدم أن الخطر انتهى، فالأسر التي تعيش تحت أمر هدم لا تستطيع التعامل مع المدرسة باعتبارها مساحة مستقرة تماما، فيما يبقى مستقبل الأطفال الدراسي مرتبطا بمسار قضائي أو إداري لا يملكون السيطرة عليه.
المدرسة جزء من بقاء القرية
في التجمعات الريفية والبدوية، تحمل المدرسة معنى يتجاوز التعليم، فهي غالبا المؤسسة العامة الأقرب إلى الأطفال، ووجودها في قلب التجمع يختصر مسافات طويلة ويخفف عن الأسر كلفة التنقل، لكن الأهم أنها تمثل إحدى علامات استمرار المجتمع في مكانه.
ولهذا، فإن فقدان مدرسة صغيرة لا يعني بالضرورة انتقال التلاميذ ببساطة إلى مدرسة أخرى، فقد يضطر الأطفال إلى قطع مسافات أطول، أو استخدام وسائل نقل لا تستطيع الأسرة تحمل تكلفتها، أو المرور في طرق تتأثر بالحواجز والبوابات واعتداءات المستوطنين، ومع كل عائق إضافي، ترتفع احتمالات الغياب والانقطاع عن التعليم.
وتحذر الأمم المتحدة من أن 20 مدرسة من أصل 84 تواجه خطرا مرتفعا للترك أو التخلي عنها بسبب مزيج من عنف المستوطنين والهدم ومخاطر التهجير، ما يعرّض نحو 1600 طالب لمزيد من الاضطراب في تعليمهم.
والخطر لا يأتي دائمًا من أمر هدم رسمي، ففي يوليو المنصرم هدم مستوطنون مدرسة يانون الفوقا المهجورة في محافظة نابلس، إلى جانب مبنيين سكنيين.
وخدمت المدرسة 16 طالبا قبل تهجير ست عائلات، تضم 22 شخصا، من التجمع في ديسمبر 2025 إثر عنف المستوطنين وترهيبهم المتكرر.
وبعد تهجير الأسر، نُقل الطلاب إلى مدرسة حكومية في عقربا، لكن المجتمع فقد مدرسته الوحيدة، وتراجعت أكثر فرص عودة العائلات المهجرة إلى المكان.
هنا تتضح العلاقة بين المدرسة والتهجير، حين يرحل السكان، تفرغ المدرسة، وحين تختفي المدرسة، يصبح بقاء العائلات المتبقية أكثر صعوبة.
الطريق ليس آمنا دائما
حتى المدارس التي لا تواجه خطر الهدم المباشر ليست بمنأى عن تأثير البيئة المحيطة بها، فقد وثقت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة اعتداءات على مدارس، وتخريبا لمرافقها، وترهيبا للطلاب والمعلمين، وإغلاق طرق الوصول إليها.
وفي أم الخَير جنوب الخليل، أُغلق الطريق الرئيسي المؤدي إلى مدرسة محلية في أبريل الماضي بسياج معدني، ما اضطر الطلاب إلى استخدام طريق بديل غير آمن بالقرب من بؤرة استيطانية، وعندما حاول الطلاب والأهالي الوصول إلى المدرسة، أطلقت قوات الاحتلال الغاز، ما أدى لإصابة 55 طالبا، بينهم 23 فتاة.
وهذه الحوادث تترك أثرا يتجاوز يوم الدراسة، فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة وهو يخشى الطريق، أو يعيش في منزل مهدد بالهدم، لا يدخل الصف بالظروف نفسها التي يدخل بها طفل يعيش في بيئة مستقرة.
وتقول “يونيسف”، إن العنف والتهجير والقيود في الضفة يدفعون الأطفال إلى مستويات متزايدة من الضيق النفسي، فيما يواجه أكثر من 150 ألف طفل عوائق أمام الوصول الآمن والمستمر إلى التعليم.
عام دراسي يبدأ تحت سقف القلق
ومع اقتراب موعد بدء الدراسة، لا تزال عشرات المدارس معلقة بين أوامر الهدم والإجراءات القضائية ومحاولات المجتمع المحلي حماية مؤسساته التعليمية، وفي بعض المناطق، لا يعرف الأهالي إن كان أطفالهم سيعودون إلى الصف نفسه، أم سيضطرون إلى الانتقال إلى مدرسة أخرى.
وتكشف هذه الحالة عن مشكلة تتجاوز التعليم نفسه، فاستهداف المدرسة أو تعطيل الوصول إليها يضغط على الأسرة، ويزيد كلفة التنقل، ويضعف استقرار الطفل، وقد يدفع مجتمعا صغيرا خطوة إضافية نحو الرحيل.
ولهذا، فإن قصة المدارس المهددة في الضفة ليست قصة مبانٍ إسمنتية تنتظر قرارات الهدم؛ إنها قصة 13 ألف طفل ينتظرون عاما دراسيا جديدا في ظل سؤال مفتوح عن المكان الذي سيتعلمون فيه.
وفي القرى والتجمعات التي تواجه الاستيطان والتهجير، تبدو المدرسة آخر ما يتمسك به الأهالي قبل أن يصبح الرحيل خيارا مفروضا، فحين يبقى الصف مفتوحا، تبقى القرية نابضة بالحياة، وحين يُغلق، لا يخسر الأطفال مقاعدهم الدراسية فقط، بل يخسر المكان جزء من قدرته على الاحتفاظ بسكانه. وقبل أن تبدأ الدراسة، تبدو الحقائب جاهزة، لكن مستقبل بعض المدارس لا يزال معلقًا، وبين أمر هدم ينتظر التنفيذ، وحكم قضائي قد يؤجله، وطريق قد يغلقه مستوطنون أو حاجز عسكري، يقف أطفال الضفة أمام عام دراسي جديد، لا يخشون فيه الامتحان بقدر ما يخشون ألا يجدوا مدرستهم عندما يحين موعد العودة

