
المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص
كان أكتوبر/تشرين الأول 2026 شهرًا مثقلًا بالدماء والتصعيد في الأراضي الفلسطينية، إذ تواصلت الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين والاقتحامات العسكرية في الضفة الغربية، فيما شهدت مدينة الخليل واحدة من أبرز موجات الحصار والتهجير خلال الشهر، بالتزامن مع استمرار اقتحامات المسجد الأقصى والانتهاكات بحق الأسرى.
وعلى امتداد أيام الشهر، عكست التطورات الميدانية اتساع دائرة الاستهداف الإسرائيلي، من القتل والقصف في غزة إلى الاعتداء على القرى والأراضي الزراعية في الضفة، وفرض وقائع جديدة على الأرض، في وقت بقيت فيه الأزمات الإنسانية والمعيشية دون حلول حقيقية.
غزة.. 1568 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار
تصدر قطاع غزة المشهد الفلسطيني خلال أكتوبر، مع حلول الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى، ودخول اتفاق وقف إطلاق النار عامه الثاني، دون أن ينجح في إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية أو توفير الحماية للمدنيين.
فقد استمرت عمليات القصف وإطلاق النار والنسف في مناطق متفرقة من القطاع، وسجلت المستشفيات وصول شهداء وجرحى جراء الخروقات المتكررة، بالتزامن مع استمرار تدمير المنازل والمباني السكنية، وتفاقم معاناة النازحين.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة شهداء العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى 28 أكتوبر 2026، إلى 74 ألفًا و564 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 175 ألفًا و770.
أما منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025، فقد بلغت حصيلة الشهداء 1568 شهيدًا، والإصابات 5649، إضافة إلى انتشال جثامين 845 شهيدًا من تحت الأنقاض.
ووفق توثيق المركز الفلسطيني للإعلام فإن حصيلة الشهداء في قطاع غزة خلال أكتوبر، بلغت 139 شهيدًا و639 مصابًا، إلى جانب انتشال جثامين 10 شهداء من تحت الأنقاض.
وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة بين إعلان وقف الحرب والواقع الميداني، إذ بقي الفلسطينيون عرضة للقتل والاستهداف، فيما لم يتمكن آلاف النازحين من العودة إلى منازلهم أو استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ولم يتوقف التصعيد عند القصف، بل امتد إلى التحركات العسكرية المرتبطة بما يعرف بالخط الأصفر، حيث أثارت تحركات قوات الاحتلال وتغيير مواقع العلامات المحددة له مخاوف من توسيع نطاق السيطرة العسكرية وتهجير مزيد من السكان، خصوصًا في المناطق التي تؤوي أعدادًا كبيرة من النازحين.
وفي المقابل، ظلت الأزمة الإنسانية حاضرة بقوة، مع نقص الغذاء والدواء والوقود، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات، واستمرار معاناة الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها.
كما سلطت التغطية الضوء على آثار الحرب الممتدة على الأطفال والنساء، والأسر التي فقدت معيلها، والطلبة الذين حرموا من التعليم، في ظل دمار واسع طال المدارس والجامعات والمنشآت الصحية والبنية التحتية.
الضفة الغربية.. 1156 اعتداءً للمستوطنين خلال أكتوبر
في الضفة الغربية، شهد الشهر تصعيدًا لافتًا في اعتداءات المستوطنين، بالتزامن مع استمرار الاقتحامات العسكرية والاعتقالات وهدم المنشآت وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
ووفقًا لمرصد معلومات فلسطين «معطى»، ارتكب المستوطنون 1156 انتهاكًا بحق الفلسطينيين منذ مطلع أكتوبر وحتى 28 منه، أسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة 77 آخرين.
وتوزعت الاعتداءات على 507 حالات اعتداء وعربدة، و156 عملية سرقة، و110 عمليات اقتحام، و103 أنشطة استيطانية، إضافة إلى 44 عملية حرق، و41 حالة تحطيم وإضرار بالممتلكات، و24 حادثة إطلاق نار، و23 عملية إغلاق، وتدمير 22 محصولًا زراعيًا، وهدم وتدمير 20 منشأة.
ولم تقتصر الانتهاكات على اعتداءات المستوطنين، إذ وثّق مركز «معطى» 2040 انتهاكًا واعتداءً لقوات الاحتلال والمستوطنين خلال الفترة من 2 إلى 8 أكتوبر وحدها، أسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة 121 آخرين، إلى جانب تسجيل 254 حالة اعتقال واحتجاز.
كما وثق المركز الفلسطيني للإعلام اثناء تغطيته ارتقاء 8 مواطنين حتى 28 أكتوبر.
وتكشف هذه المعطيات حجم التصعيد الذي شهدته الضفة، حيث ترافقت الاعتداءات مع اقتحام القرى والبلدات، ومداهمة المنازل، وتخريب الممتلكات، والاستيلاء على الأراضي، في سياق يهدد الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
الخليل.. 537 أسرة تحت وطأة التهجير والحصار
برزت مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية بوصفها إحدى أبرز بؤر التصعيد خلال النصف الثاني من أكتوبر، بعدما فرضت قوات الاحتلال حصارًا مشددًا على مناطق في المدينة، وشنت عمليات اقتحام ومداهمة واسعة، وأجبرت مئات العائلات على مغادرة منازلها.
وبحلول 31 أكتوبر، استمر العدوان لليوم التاسع على التوالي، وسط تعزيزات عسكرية واعتقالات وتنكيل بالسكان، واقتحام منازل العائلات التي أُجبرت على النزوح.
ووفق بيانات لجنة المساندة والإغاثة في محافظة الخليل، بلغ عدد الأسر التي هُجّرت قسرًا من منطقتي الجلدة ودير بحة 537 أسرة، تضم 3361 فردًا، فيما يواجه نحو خمسة آلاف فلسطيني ظروفًا قاسية جراء الحصار والتهجير.
وضمت الأسر المهجرة 232 رضيعًا، و1193 طفلًا، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملًا ومرضعًا، إضافة إلى 32 شخصًا من ذوي الإعاقة و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.
وامتدت تداعيات العدوان إلى التعليم، حيث تعطلت الدراسة لنحو 262 ألف طالب في 589 مدرسة بمحافظة الخليل خلال إحدى مراحل التصعيد، فيما ظلت 66 مدرسة خارج التعليم الوجاهي، ما حرم 2872 طالبًا وطالبة من الوصول إلى مدارسهم.
اقتصاديًا، قدرت الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يوميًا، بينها نحو مليون شيقل يوميًا في قطاع الحليب والألبان.
وبذلك، لم يقتصر أثر الحصار على إغلاق الطرق والمداخل، بل امتد إلى تهجير العائلات وتعطيل التعليم وشل الحركة التجارية، وتحويل الحياة اليومية للسكان إلى معركة لتأمين الاحتياجات الأساسية.
موسم الزيتون.. الأرض والمزارعون في مرمى الاعتداءات
تزامن التصعيد في الضفة مع موسم قطف الزيتون، الذي شهد موجة واسعة من اعتداءات المستوطنين، شملت الاعتداء الجسدي على المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المحاصيل، وإحراق الأشجار وتخريب الممتلكات.
وشكلت محافظات نابلس ورام الله والخليل من أبرز ساحات هذه الاعتداءات، في ظل حماية قوات الاحتلال للمستوطنين في عدد من المواقع، وإغلاق مناطق زراعية أمام أصحابها الفلسطينيين.
وتكشف أرقام الإصابات التي وثقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خطورة هذه الاعتداءات؛ إذ أصيب 181 فلسطينيًا خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى 12 أكتوبر في سياق هجمات المستوطنين، وشكلوا 74% من إجمالي المصابين في الضفة خلال الفترة المذكورة، وكان 122 منهم قد أصيبوا في حوادث مرتبطة بموسم الزيتون.
كما وثق المكتب 244 هجومًا للمستوطنين خلال الفترة نفسها في 113 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل 17 هجومًا يوميًا.
ولم تكن هذه الاعتداءات مجرد حوادث متفرقة، بل عكست استهدافًا متواصلًا للأرض ومصادر رزق الفلسطينيين، في ظل محاولات فرض واقع استيطاني يحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم والاستفادة من محاصيلهم.
القدس والأقصى.. اقتحامات متصاعدة ومخططات تهويد
واصلت القدس المحتلة حضورها في المشهد خلال أكتوبر، مع استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وتشديد القيود على المصلين، وتصاعد المخاوف من محاولات فرض واقع جديد داخل المسجد وساحاته.
وفي مطلع الشهر، كشفت بيانات محافظة القدس عن حصيلة الانتهاكات خلال الربع الثالث من عام 2026، والتي أظهرت استشهاد ستة فلسطينيين، واقتحام 27 ألفًا و830 مستوطنًا المسجد الأقصى، وتنفيذ 139 عملية هدم وتجريف، إلى جانب 357 حالة اعتقال و73 قرار إبعاد، معظمها عن المسجد الأقصى.
كما سجلت المحافظة دخول 13 ألفًا و113 شخصًا إلى المسجد تحت غطاء ما يسمى السياحة، بالتوازي مع توسيع الطقوس الاستيطانية داخله، بما شمل الصلوات الجماعية والسجود وإدخال أدوات وكتب دينية.
وترافقت هذه التطورات مع استمرار هدم المنازل والمنشآت وملاحقة المقدسيين، في سياق يستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة ويهدد هويتها العربية والإسلامية.
الأسرى.. نحو 9400 معتقل في سجون الاحتلال
ظل ملف الأسرى أحد أبرز الملفات الحقوقية خلال أكتوبر، في ظل استمرار الاعتقالات والتعذيب والإهمال الطبي والتجويع والعزل، وتصاعد التحذيرات من تدهور ظروف الاحتجاز داخل السجون الإسرائيلية.
وكشفت ورقة إحصائية لمكتب إعلام الأسرى، نشرت في 24 أكتوبر، أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال تراوح بين 9350 و9400 أسير ومعتقل حتى الشهر الجاري، بينهم 88 أسيرة و350 طفلًا على الأقل.
كما بلغ عدد المعتقلين إداريًا نحو 3100 معتقل، فيما وصل عدد المصنفين ضمن فئة المعتقلين غير الشرعيين وفق قانون الاحتلال إلى 1419 معتقلًا.
وأظهرت البيانات ارتفاع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة إلى 92 شهيدًا، بينهم 53 أسيرًا من قطاع غزة، فيما بلغ إجمالي شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 نحو 329 شهيدًا.
كما أشارت إلى استمرار احتجاز جثامين 99 شهيدًا من الأسرى، وأن أكثر من 60% من شهداء الحركة الأسيرة منذ السابع من أكتوبر 2023 استشهدوا نتيجة التعذيب والتنكيل.
وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي أصاب واقع الأسرى، في ظل استمرار الانتهاكات وغياب الرقابة الدولية الفاعلة على ظروف احتجازهم.
الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى.. ثلاثة أعوام من الحرب وتداعياتها
حملت الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر، أبعادًا سياسية وإنسانية واسعة، إذ أعادت إلى الواجهة حصيلة الحرب الإسرائيلية على غزة، وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع وتداعيات تجاوزت حدود القطاع.
وتناولت التقارير خلال هذه المناسبة آثار الحرب على القضية الفلسطينية، والتحولات التي أحدثتها في الرأي العام العالمي، واتساع المطالبات الدولية بمحاسبة الاحتلال، في مقابل استمرار غياب الإجراءات الكفيلة بوقف الانتهاكات وإنهاء معاناة المدنيين.
كما برزت ملفات التوثيق والذاكرة الفلسطينية، ومحاولات حفظ قصص الشهداء والضحايا، وتوثيق المعالم التاريخية والمباني التي دمرتها الحرب، إلى جانب استعادة محطات من تاريخ المقاومة والحركة الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أعادت مشاهد مصورة عُرضت في فيلم «الضيف» ضمن برنامج «ما خفي أعظم» تسليط الضوء على جوانب إنسانية من حياة القائد العام السابق لكتائب القسام محمد الضيف، ورئيس حركة حماس في غزة آنذاك يحيى السنوار، من خلال تسجيل لمكالمة جمعتهما عقب وقف إطلاق النار في معركة سيف القدس عام 2021، وهو ما أثار تفاعلًا واسعًا مع المشاهد التي وثقت جانبًا من علاقتهما الإنسانية.
اللاجئون والأونروا.. مخاوف من اتساع الأزمة
إلى جانب التطورات الميدانية، استمرت أزمة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا في ظل تراجع الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتزايد المخاوف من انعكاسات الأزمة المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» على خدمات التعليم والصحة والإغاثة.
كما حضرت قضية تقليص الخدمات والتهديدات التي تواجه العاملين في الوكالة ضمن الملفات التي تناولتها التغطية، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من اللاجئين على خدماتها الأساسية.
وتتجاوز خطورة هذه الأزمة الجانب الوظيفي والإداري، إذ تمس بصورة مباشرة حياة ملايين اللاجئين، وتهدد استمرار الخدمات التي تشكل شريانًا أساسيًا لبقائهم في ظروف معيشية صعبة.
أكتوبر.. أرقام تكشف اتساع المواجهة
تكشف حصيلة أكتوبر 2026 أن الفلسطينيين واجهوا شهرًا آخر من الخسائر والتصعيد على مختلف الجبهات؛ ففي غزة تجاوز عدد الشهداء منذ بدء العدوان 74 ألفًا، وبلغت حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار 1568 شهيدًا، فيما سجلت الضفة 1156 انتهاكًا للمستوطنين حتى 28 أكتوبر، وبلغ عدد الأسر المهجرة قسرًا في منطقتين من الخليل 537 أسرة.
وفي القدس، أظهرت بيانات الربع الثالث اقتحام أكثر من 27 ألف مستوطن للمسجد الأقصى، بينما كشفت إحصاءات الأسرى عن وجود ما يقارب 9400 أسير ومعتقل في سجون الاحتلال.
وبين هذه الأرقام، برزت حقيقة أن وقف إطلاق النار لم ينهِ معاناة غزة، وأن الضفة الغربية تواجه مسارًا متصاعدًا من الاعتداءات والاستيطان والتهجير، فيما تتواصل محاولات تغيير واقع القدس، ويظل الأسرى عرضة لانتهاكات متزايدة.
وهكذا انتهى أكتوبر دون أن يحمل انفراجة حقيقية في المشهد الفلسطيني، بل أكد أن الحرب لم تتوقف عند حدود القصف والعمليات العسكرية، وإنما امتدت إلى الأرض والإنسان والهوية ومقومات الحياة، لتبقى القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المواجهة الميدانية مع الأزمات الإنسانية والسياسية والحقوقية.

