اتفاق القاهرة .. خارطة طريق لوقف الإبادة ومنع التهجير والتقسيم

المركز الفلسطيني للإعلام

بعد قرابة ثلاث سنوات من حرب إبادة طاحنة، فتحت موافقة الفصائل الفلسطينية المسلحة على مسودة خارطة طريق نوقشت في القاهرة نافذة أمل جديدة لغزة، في وقت لا يزال فيه أكثر من ملف شائك معلقًا في ظل تعنت إسرائيلي متكرر أفشل العديد من الاتفاقات السابقة.

فالمسودة التي وافقت عليها حماس والفصائل تتضمن بنودًا مهمة، من وقف الإبادة إلى الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، مرورًا بانتقال الإدارة المدنية إلى لجنة فلسطينية ووجود قوة دولية لفض الاشتباك ومراقبة التنفيذ، إلى جانب فتح المعابر وإدخال المساعدات والشروع في إعادة الإعمار.

تقدم سياسي لا يرقى إلى اتفاق نهائي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن ما جرى التوصل إليه يمثل تقدمًا سياسيًا مهمًا، وإن كان من المبكر الحديث عن اتفاق نهائي أو مرحلة جديدة مكتملة الأركان.

وأوضح المدهون أن الفصائل الفلسطينية، أبدت مرونة كبيرة بموافقتها على المسودة رغم ما تتضمنه من ملفات شائكة يتصدرها ملف السلاح.

ويشدد المدهون على أن المقاربة المطروحة لهذا الملف لا تعني تسليم السلاح للاحتلال بأي شكل من الأشكال، وإنما معالجته فلسطينيًا عبر ترتيبات متفق عليها لتخزينه أو إخراجه من الخدمة، بالتنسيق مع اللجنة الإدارية والجهات الضامنة، ودون منح إسرائيل أي سلطة عليه.

وتصر حماس والفصائل، وفق هذه القراءة، على أن يكون هذا الملف جزءًا من مسار متبادل ومتدرج مرتبط عضويًا بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي، لا خطوة أحادية تُفرغ السلاح من قيمته التفاوضية قبل استحقاقها.

ما موقف الاحتلال؟

غير أن هذا التفاؤل الحذر يصطدم بمعطيين أساسيين لم يحسما بعد. أولهما أن إسرائيل لم تحسم موقفها النهائي من المسودة، وأن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ما زال يراوغ ويحاول التملص من استحقاقات أي اتفاق محتمل. وثانيهما أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد، إذ تحولت حرب الإبادة في غزة إلى مادة سياسية وانتخابية بامتياز، ما قد يدفع نتنياهو أو خصومه إلى توظيفها في الصراع الداخلي على السلطة، بما ينعكس بدوره على القرار الإسرائيلي النهائي وعلى فرص تنفيذ أي اتفاق يبرم.

وكشفت مصادر مطلعة على مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة ، فجر اليوم الجمعة، عن التوصل إلى الصيغة النهائية للبندين الخامس والثامن من خريطة الطريق التي طرحها الرئيس التنفيذي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، وهما البندان اللذان يتعلقان بملفي السلاح والموظفين.

وقالت المصادر، إن جلسات التفاوض النهائية، التي بدأت بعد ظهر أمس الخميس واستمرت حتى ساعات متأخرة من ليل الخميس-الجمعة، أفضت إلى اعتماد الصيغة النهائية للبند الثامن، مشيرة إلى أنها باتت في مرحلة التمرير قبل الإعلان النهائي عن الاتفاق.

وأضافت المصادر أن المفاوضات نجحت في حسم البند الخامس الخاص بملف الموظفين، بعدما جرى التوافق على صياغة قانونية تنظم آلية إنهاء الخدمات وصرف المستحقات، بما أنهى إحدى القضايا العالقة في المباحثات. وبحسب المصادر، فإن الاتفاق ينص على فترة تمتد 14 يوماً بعد الإعلان عنه، يجري خلالها وقف العدوان الإسرائيلي والهجمات على الأرض، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، بينها 50 شاحنة وقود، إضافة إلى وقف أي تمدد ميداني عند ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، ومنع أي زحف جديد خلال هذه المرحلة.

ملف السلاح

من زاوية عسكرية، يقدم الخبير الإستراتيجي العميد حسن جوني قراءة أكثر تفصيلًا لأكثر نقاط المسودة غموضًا، مشيرًا في تعليق نشرته الجزيرة إلى أن النقطة الأكثر إبهامًا تكمن في غياب التحديد الدقيق لطبيعة الارتباط الزمني بين اكتمال عملية حصر وتخزين سلاح المقاومة وبدء الانسحاب الإسرائيلي الفعلي من القطاع.

ويطرح جوني تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان هناك توجه فعلي نحو مزامنة المسارين للوصول إلى مرحلة واحدة متكاملة، مؤكدًا أن هذه العقدة المركزية لم تُحسم بعد وبقيت محاطة بضبابية تجعل من الصعب التكهن بمسار التنفيذ الفعلي على الأرض.

آخر الذرائع

هذا الغموض يتقاطع مع قراءة أكثر تشككًا يطرحها الخبير الحقوقي رامي عبده، الذي يرى أن الفصائل الفلسطينية المسلحة فتحت الباب واسعًا أمام الأطراف الدولية والوسطاء للجم عدوان الاحتلال ووقف مخططات السيطرة والتهجير، انطلاقًا من أن آخر الذرائع التي يتذرع بها الاحتلال، ويتماهى معها الوسطاء والعالم أجمع، باتت توظَّف عنوانًا تبريريًا لمواصلة مخططات الإبادة.

ويشير عبده إلى أن الإعلان عن تخزين السلاح الثقيل قد انتهى فعليًا بحكم الواقع، في ظل حالة الاستنزاف التي عاشتها غزة وحيدة على مدار ثلاث سنوات، وأن استعادته أو تخزينه يتطلبان جهودًا عملياتية معقدة في ظل سيطرة الاحتلال على أكثر من 60 بالمئة من مساحة القطاع.

ورغم أن هذه الخطوة تعكس، في تقديره، قدرة الفصائل على قراءة المشهد الحالي واستعدادها لدفع الأثمان من أجل وقف الإبادة، فإنه لا يعتقد أنها ستكبح الجموح الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، حتى لو نزع الفلسطيني سلاحه بالكامل، في ظل مخططات إسرائيلية تمضي بثبات منذ سنوات طويلة سبقت السابع من أكتوبر.

على الأرض، يعيش سكان القطاع حالة من الترقب إزاء الأنباء الواردة حول مسودة الاتفاق، خصوصًا أن ملف تخزين وحصر سلاح المقاومة يمثل الأكثر صعوبة بين الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات.

وتشير مصادر ميدانية إلى أن الوضع الذي وصل إليه الغزيون دفعهم إلى انتظار أي بارقة أمل قد تحسّن أوضاعهم وتخفف من وطأة الأزمات التي يعيشونها والتي تتفاقم يومًا بعد يوم.

ولا يخفي كثيرون من أهالي القطاع قلقهم من سابقة تكرر أكثر من مرة، إذ لم يلتزم الاحتلال الإسرائيلي يومًا واحدًا بما تم التوافق عليه في اتفاقات سابقة، بداية من خرق الهدنة الأولى التي أُعلنت في 19 يناير/كانون الثاني 2025 والتي انتهكت فعليًا في مارس/آذار من العام نفسه، ومرورًا بخرق آخر أعقب إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وفي الوقت ذاته، لا تزال قوات الاحتلال يسيطر على نحو 70 بالمئة من مساحة القطاع، فيما سجل أكثر من خمسة آلاف انتهاك توزعت بين إطلاق نار وغارات جوية وعمليات قتل مستمرة على أساس يومي.

ويرزح القطاع تحت شلل يطال معظم القطاعات الحيوية، بحسب متابعين للملف الإنساني، الذين يرون أن استمرار هذا الوضع لأشهر مقبلة دون تحرك فعلي في الملفات الشائكة، من الانسحاب الإسرائيلي إلى عودة النازحين إلى منازلهم واستبدال الخيام البالية بالكرفانات وإدخال المواد وقطع الغيار اللازمة لإعادة الإعمار، سيؤدي إلى شلل شامل في مناحي الحياة كافة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest