
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” مجرد مؤسسة أممية أنشئت لإغاثة الفلسطينيين الذين هُجّروا من أرضهم عام 1948، بل تحولت على مدار أكثر من سبعة عقود إلى عنوان دولي مستمر لقضية اللاجئين، وإلى مؤسسة تحمل سجلاتهم وتقدم خدماتهم، وتُبقي مأساة اقتلاعهم حاضرة في الذاكرة والمسؤولية الدولية.
ومنذ تأسيسها، ارتبطت الوكالة بمسار سياسي لم يصل إلى نهايته؛ إذ كان يفترض أن تكون مهمتها مؤقتة، إلى حين إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، لكن استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من العودة وغياب التسوية السياسية جعلها مؤسسة ممتدة عبر الأجيال.
واليوم، تواجه الأونروا مرحلة هي الأخطر في تاريخها، بعدما انتقلت الضغوط عليها من حملات التشكيك والاتهامات إلى التشريعات الإسرائيلية التي تقيد عملها، وتجفيف مواردها المالية، وصولاً إلى طرح خطة لإغلاقها تدريجياً ونقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى، بينها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وما يسمى “مجلس السلام” في قطاع غزة.
وبينما تبدو الخطة في ظاهرها إعادة توزيع للمهام والخدمات، فإن أبعادها تتجاوز الجانب الإداري والإنساني، لتلامس سؤالاً سياسياً جوهرياً: هل يجري البحث عن بديل يقدم الخدمات للاجئين، أم عن صيغة تنهي الإطار الأممي الذي ارتبط تاريخياً بقضيتهم، دون معالجة جذور اللجوء وحقوق أصحابه؟
من النكبة إلى التأسيس.. وكالة وُلدت من مأساة لم تنتهِ
بدأت قصة الأونروا مع نكبة عام 1948، حين تعرض الشعب الفلسطيني لعملية تهجير واسعة، فقد خلالها أكثر من 700 ألف فلسطيني منازلهم وقراهم ومدنهم، وتوزعوا على قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.
وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 1948، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194، الذي تناول قضية اللاجئين، ونص في فقرته الحادية عشرة على وجوب السماح للراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بالعودة في أقرب وقت ممكن عملياً، مع دفع تعويضات عن الممتلكات.
لكن القرار لم يجد طريقه إلى التنفيذ، واستمرت معاناة اللاجئين في المخيمات ومناطق اللجوء، وسط احتياجات إنسانية متزايدة.
وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 1949، أصدرت الجمعية العامة القرار 302، الذي أنشأ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، بهدف تنفيذ برامج الإغاثة والأشغال، وبدأت الوكالة عملها رسمياً في الأول من مايو/أيار 1950.
ووفق التقييم الاستراتيجي للأمم المتحدة الصادر في يونيو/حزيران 2025، أُنشئت الوكالة في الأصل باعتبارها إجراءً مؤقتاً لتخفيف معاناة اللاجئين إلى حين التوصل إلى حل سياسي، لكن تعثر جهود التسوية جعلها تتحول من مقدم للمساعدات الطارئة إلى مؤسسة تقدم خدمات عامة أساسية لمجتمعات اللاجئين.
وبذلك، لم يكن استمرار الأونروا نتيجة توسع إداري اختارته لنفسها، بقدر ما كان انعكاساً لفشل المجتمع الدولي في إنهاء القضية التي أُنشئت لمعالجتها.
من مخيمات اللجوء إلى منظومة خدمات متكاملة
تطورت مهام الأونروا على مدار السنوات، فلم تعد مقتصرة على توزيع الغذاء والمساعدات الطارئة، بل أصبحت تقدم خدمات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والحماية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب برامج التدريب المهني والتمويل الصغير وتحسين البنية التحتية للمخيمات.
وتعمل الوكالة في خمسة أقاليم رئيسية: قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها “القدس الشرقية”، والأردن، ولبنان، وسوريا.
وبحسب تقييم منظمة التعاون الدولي لتقييم أداء المنظمات متعددة الأطراف (MOPAN) المنشور عام 2024، بلغ عدد الأشخاص المؤهلين للتسجيل لدى الأونروا نحو 6.65 ملايين شخص بنهاية عام 2022، فيما كان نحو 2.5 مليون منهم يتلقون مساعدات الوكالة.
وفي قطاع التعليم، أدارت الأونروا مئات المدارس التي وفرت التعليم لأكثر من نصف مليون طفل فلسطيني، فيما شكلت مراكزها الصحية ركيزة أساسية للرعاية الأولية في المخيمات والمناطق التي يعاني سكانها من الفقر وضعف الإمكانات.
ولم يكن هذا الدور مجرد تقديم خدمات يومية، بل أسهم في بناء منظومة اجتماعية واقتصادية حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار في مجتمعات اللاجئين، وأتاحت لأجيال فلسطينية فرص التعليم والعمل والحياة رغم ظروف التهجير والاحتلال.
وتكمن أهمية هذه المنظومة في أن انهيارها لا يعني إغلاق مؤسسة إدارية فحسب، بل يهدد قطاعات واسعة من حياة ملايين الفلسطينيين، ويضع أعباء إضافية على الدول والمجتمعات المضيفة التي تعاني بدورها من أزمات اقتصادية وخدمية.
نكسة 1967.. اتساع المسؤولية واستمرار اللجوء
مثلت حرب يونيو/حزيران 1967 محطة جديدة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما احتلت “إسرائيل” الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وتسببت الحرب في موجة نزوح جديدة شملت فلسطينيين نزحوا للمرة الثانية، إلى جانب أشخاص لم يكونوا مسجلين لدى الوكالة باعتبارهم لاجئين عام 1948.
وتطور تفويض الأونروا لاحقاً ليشمل تقديم خدمات الطوارئ للأشخاص الذين نزحوا ويحتاجون إلى مساعدة مستمرة نتيجة الأعمال العدائية عام 1967 وما تلاها، وفق ما توضحه الوكالة في تعريفها الرسمي لولايتها.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الوكالة تعمل في بيئة أكثر تعقيداً، حيث باتت تقدم خدماتها للاجئين تحت الاحتلال، وفي ظل القيود العسكرية والحصار والعمليات الحربية المتكررة.
وهنا برز التناقض الذي لازم عملها لعقود: مؤسسة أممية مطالبة بتوفير التعليم والصحة والإغاثة، لكنها تعمل في مناطق لا تملك السيطرة على حدودها أو مواردها أو ظروف الوصول الإنساني إليها.
لماذا تريد “إسرائيل” إنهاء الأونروا؟
لا يمكن فهم المواجهة الإسرائيلية مع الأونروا بمعزل عن قضية اللاجئين وحق العودة.
فالأونروا لا تملك صلاحية تقرير مصير اللاجئين، ولا تتولى المفاوضات السياسية بشأن عودتهم أو تعويضهم، لكنها تحتفظ بسجلاتهم وتقدم خدماتها لهم إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم.
ومن هنا، تنظر الحكومات الإسرائيلية إلى استمرار الوكالة باعتباره مرتبطاً ببقاء ملف اللاجئين حاضراً، وتتهمها بأنها تكرس استمرار هذه القضية عبر تسجيل أحفاد اللاجئين ضمن الفئات المؤهلة للاستفادة من خدماتها.
لكن هذه الرواية تتجاهل أن تسجيل الأجيال اللاحقة لا يصنع حق العودة، ولا يمنح الأونروا صلاحية ابتكاره أو إسقاطه؛ فالمسألة مرتبطة بجذور التهجير وبالحقوق السياسية والقانونية للفلسطينيين.
وقد أوضح التقييم الاستراتيجي للأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2025 أن تعريف اللاجئ الفلسطيني المعتمد لدى الوكالة يعود إلى عام 1952، ويشمل من كان مكان إقامته المعتاد فلسطين خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران 1946 إلى مايو/أيار 1948، وفقد منزله ومصدر رزقه نتيجة حرب 1948، كما يشمل أحفاد اللاجئين من جهة الأب وفق المعايير المعتمدة.
وبالتالي، فإن استهداف الوكالة لا يتعلق فقط بالخلاف على أدائها، وإنما يرتبط أيضاً بمحاولة إعادة تعريف قضية اللاجئين وفصلها عن جذورها التاريخية والقانونية.
التمويل.. نقطة الضعف التي تحولت إلى أداة ضغط
اعتمدت الأونروا طوال تاريخها على التبرعات الطوعية للدول المانحة، وهو نموذج جعلها عرضة للتقلبات السياسية والقرارات الحكومية، رغم أنها تقدم خدمات عامة أساسية لملايين الأشخاص.
وظهرت خطورة هذا النموذج بوضوح في أغسطس/آب 2018، عندما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف التمويل الأمريكي للوكالة، بعدما كانت الولايات المتحدة أكبر مانحيها.
وأدى القرار إلى أزمة مالية حادة هددت استمرار برامج التعليم والصحة والإغاثة، في وقت كانت فيه مدارس الوكالة تستقبل مئات آلاف الأطفال.
وفي أبريل/نيسان 2021، أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن استئناف الدعم الأمريكي، وقدمت مساهمة بقيمة 150 مليون دولار، في خطوة أعادت واشنطن مؤقتاً إلى موقع الممول الرئيسي للوكالة.
لكن تجربة 2018 كشفت أن استمرار الأونروا لم يعد مرتبطاً فقط بحجم احتياجات اللاجئين، بل أصبح يتأثر بصورة مباشرة بمواقف الدول الكبرى وحساباتها السياسية.
ثم جاءت أزمة يناير/كانون الثاني 2024 لتعيد هذا التهديد بصورة أكثر حدة، عندما علقت 16 دولة مانحة تمويلها عقب اتهامات إسرائيلية لموظفين في الوكالة بالمشاركة في هجمات السابع من أكتوبر.
ووفق التقرير السنوي للأونروا لعام 2024، بلغ التمويل الذي جرى تعليقه نحو 438 مليون دولار، أي ما يعادل قرابة 51% من الإيرادات المتوقعة، قبل أن تستأنف معظم الدول دعمها لاحقاً.
وتكشف هذه المحطات أن الأزمة المالية لم تعد مجرد فجوة بين النفقات والإيرادات، بل أصبحت أحد أبرز مسارات الضغط على المؤسسة، خصوصاً أن تمويلها الطوعي يتيح للمانحين التأثير في استقرار عملياتها من خلال قرارات التعليق أو التقليص أو فرض شروط إضافية.
حرب غزة.. استهداف المؤسسة وموظفيها ومنشآتها
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت الأونروا مرحلة غير مسبوقة من الاستهداف والخسائر.
فقد تحولت مدارسها ومراكزها إلى ملاجئ للنازحين الذين فقدوا منازلهم، وأصبحت منشآتها من آخر المساحات التي لجأت إليها العائلات بحثاً عن مكان يحميها من القصف والتشريد.
لكن هذه المراكز لم تسلم من الهجمات، وتعرضت منشآت الوكالة للقصف والتدمير، وسقط شهداء وجرحى من الموظفين والنازحين الذين احتموا بها.
ووفق التقرير السنوي للأونروا لعام 2024، استشهد 263 من موظفي الوكالة في قطاع غزة منذ بداية الحرب وحتى نهاية ذلك العام، كما وثقت الوكالة 506 حوادث أثرت على 231 منشأة تابعة لها، وأدت إلى مئات القتلى والجرحى بين الموظفين والنازحين.
وتجاوزت الخسائر الجانب البشري، إذ تعرضت المدارس والمراكز الصحية والمستودعات للتدمير أو الأضرار، فيما واجهت الوكالة قيوداً كبيرة على إدخال المساعدات وتحركات موظفيها، ما أضعف قدرتها على تقديم الخدمات في ظل الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة.
وفي الوقت نفسه، واجهت الوكالة اتهامات إسرائيلية بشأن موظفين قالت تل أبيب إنهم شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر.
وعلى إثر ذلك، شكل الأمين العام للأمم المتحدة لجنة مراجعة مستقلة برئاسة وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا، لتقييم آليات الحياد داخل الوكالة.
وخلص تقرير اللجنة، الصادر في أبريل/نيسان 2024، إلى وجود منظومة واسعة من الإجراءات المتعلقة بالحياد، مع تسجيل ثغرات وتحديات تستوجب المعالجة والتطوير، وقدم 50 توصية لتعزيز الرقابة والشفافية.
وفي تحقيق منفصل، أعلن مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة في أغسطس/آب 2024 نتائج التحقيق في ملفات الموظفين المتهمين، وانتهى إلى إنهاء عقود تسعة موظفين بعد توافر معلومات كافية تشير إلى احتمال تورطهم.
وهنا ينبغي التمييز بين التحقيقات الفردية التي أجرتها الأمم المتحدة وبين استهداف المؤسسة بأكملها؛ إذ لا تعني معالجة ملفات موظفين بعينهم ثبوت الاتهامات بحق جميع العاملين أو إدانة الوكالة كمؤسسة.
التشريعات الإسرائيلية.. نقل المواجهة إلى ساحة القانون
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونين يستهدفان عمل الأونروا، أحدهما يحظر أنشطتها داخل ما تعتبره “إسرائيل” أراضيها، والآخر يمنع التواصل بين المسؤولين الإسرائيليين والوكالة.
ودخلت الإجراءات الأساسية حيز التنفيذ في 30 يناير/كانون الثاني 2025، ما أدى إلى فرض قيود واسعة على عمل الوكالة، ولا سيما في القدس الشرقية المحتلة.
ولم تتوقف الإجراءات عند ذلك؛ ففي 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 أقر الكنيست تعديلات إضافية شددت القيود على الوكالة، بما فيها منع تقديم بعض الخدمات الأساسية إليها، وإتاحة الاستيلاء على عقارات تستخدمها في ظروف محددة.
ووفق مكتبة الكونغرس الأمريكية، دخلت التعديلات الجديدة حيز التنفيذ في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، ووسعت نطاق الإجراءات التي تستهدف ممتلكات الوكالة وامتيازاتها وحصاناتها.
وتعكس هذه الخطوات انتقال المواجهة من الحملات السياسية والضغوط المالية إلى محاولة تقييد البنية التشغيلية والقانونية للوكالة، بما يهدد قدرتها على العمل والوصول إلى اللاجئين.
وفي المقابل، أكدت الأمم المتحدة أن تحديد ولاية الأونروا وتجديدها من اختصاص الجمعية العامة، وليس من صلاحيات أي دولة منفردة.
خطة الإغلاق.. نقل الخدمات أم تصفية الإطار الأممي؟
في أحدث فصول المواجهة، كشفت صحيفة “إسرائيل اليوم”، في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، عن خطة لإغلاق الأونروا تدريجياً ونقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى، بينها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وما يسمى “مجلس السلام” في قطاع غزة.
ونقل التقرير، عن مصادر دبلوماسية عربية وغربية أن القائم بأعمال المفوض العام للوكالة كريستيان سوندرز يقود التحركات المتعلقة بالخطة، وأنه طرح مقترحاً لنقل جانب كبير من أنشطة الوكالة ومسؤولياتها إلى جهات بديلة، مستنداً إلى العجز المالي الذي تواجهه.
ووفق المصادر ذاتها، يتراوح العجز المتوقع للوكالة خلال العام الجاري بين 70 و100 مليون دولار، فيما تتضمن الخطة نقل مسؤوليات التعليم والصحة بصورة تدريجية، بحيث تتولى السلطة الفلسطينية جانباً من المهام في الضفة الغربية، بينما يجري بحث نقل أنشطة الوكالة في غزة إلى “مجلس السلام”.
وتكتسب هذه الخطوة خطورتها من ارتباطها بترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، وبالخطة الأمريكية التي تتضمن إعادة إعمار القطاع وإنشاء أطر إدارية جديدة لتولي مسؤولياته.
وبحسب الصحيفة، فإن ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية واتحاد موظفي الأونروا أبدوا اعتراضهم على المقترح، فيما عارضه ممثلو دول بينها سويسرا وإيرلندا ومصر، خلال مناقشات متعلقة بمستقبل الوكالة.
لكن الأهم أن المقترح، وفق ما نشرته الصحيفة، لا يمثل قراراً أممياً نهائياً بحل الوكالة، بل خطة نقلتها مصادر دبلوماسية، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين الترتيبات المقترحة وبين القرارات الرسمية التي تحدد مستقبل المؤسسة.
لماذا لا يعني نقل الخدمات إنهاء قضية اللاجئين؟
تكمن الإشكالية الجوهرية في الخلط بين الوظيفة الخدمية للأونروا وولايتها الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين.
فمن الممكن من الناحية الإدارية نقل تشغيل بعض المدارس أو المراكز الصحية إلى مؤسسات أخرى، لكن ذلك لا يعني انتقال المسؤولية التاريخية والسياسية والقانونية عن قضية اللاجئين، ولا يمنح الجهات البديلة صلاحية إسقاط حقوقهم أو تغيير وضعهم القانوني.
كما أن إنهاء الأونروا لا يؤدي تلقائياً إلى انتهاء حق العودة، لأن هذا الحق يستند إلى مرجعيات وقرارات دولية لا تملك الوكالة وحدها تحديدها.
وفي قطاع غزة، تزداد حساسية المسألة؛ فالوكالة تمثل أحد أكبر مقدمي الخدمات الأساسية، وأي انسحاب سريع لها دون توفير بديل قادر على استيعاب ملايين المستفيدين قد يؤدي إلى فراغ إنساني ومؤسسي واسع.
أما نقل المسؤوليات إلى أطر سياسية وإدارية جديدة، فيطرح تساؤلات بشأن طبيعة المرجعية التي ستقدم الخدمات، واستقلاليتها، ومصادر تمويلها، وضمان استمرارها، ومدى ارتباطها بالترتيبات السياسية التي ستحدد مستقبل القطاع.
معركة تتجاوز بقاء مؤسسة أممية
على امتداد تاريخها، عكست الأونروا استمرار مأساة اللاجئين الفلسطينيين وفشل المجتمع الدولي في إيجاد حل عادل لها. فمن النكبة إلى نكسة 1967، ومن الحروب والحصار إلى أزمات التمويل والتشريعات، ظلت الوكالة تعمل في ظل قضية لم تجد طريقها إلى التسوية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، جددت الجمعية العامة للأمم المتحدة ولاية الوكالة حتى 30 يونيو/حزيران 2029، في تأكيد على استمرار التفويض الدولي الممنوح لها، رغم الضغوط المتصاعدة التي تواجهها.
لكن هذا التجديد السياسي لا يكفي وحده إذا لم يترافق مع ضمانات مالية وقانونية وتشغيلية تحمي المؤسسة من الانهيار.
وتكشف الخطة الأخيرة أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة، لم يعد عنوانها مجرد تقليص التمويل أو منع الوكالة من العمل في القدس، بل البحث في مستقبل المؤسسة نفسها، والجهات التي يمكن أن تتولى مسؤولياتها بعد تفكيكها.
وفي المحصلة، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيدير المدارس والعيادات ويوزع المساعدات، بل بمن سيحمل المسؤولية الدولية عن قضية اللاجئين، وكيف ستُصان حقوقهم في ظل محاولات تحويل قضية سياسية وتاريخية إلى ملف خدماتي وإداري.
فالأونروا لم تنشئ اللجوء، ولم تكن سبباً في استمراره، بل جاءت استجابة لنتائج النكبة. وإغلاقها لا يعيد الفلسطينيين إلى ديارهم، ولا يمحو سجلات التهجير، ولا ينهي حقاً لم يُعالج أصله.
إن إنهاء المؤسسة قبل معالجة القضية التي أُنشئت من أجلها قد يخفف حضورها المؤسسي، لكنه لن ينهي مأساة اللاجئين؛ بل قد يترك ملايين الفلسطينيين أمام واقع أكثر هشاشة، في وقت يحتاجون فيه إلى حماية حقوقهم وضمان استمرار الخدمات التي يعتمدون عليها.

