
المركز الفلسطيني للإعلام
تثير المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين الفلسطينيين في لبنان نقاشًا يتجاوز حجم الحصص الموزعة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلات، والمخاوف المتزايدة بشأن مستقبل خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وسط الضغوط المالية والسياسية التي تواجهها.
وتحصل العائلات الفلسطينية المستحقة على خمسة كيلوغرامات من الطحين لمرة واحدة، ضمن برنامج أطلقته الأونروا عقب تسلمها هبة تركية بلغت ألفي طن من الطحين، بالتنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة اللبنانية وبدعم من هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية «آفاد»، إلى جانب برنامج منفصل لتوزيع الخبز مرتين أسبوعيًا.
وبينما تمثل هذه المساعدات دعمًا للعائلات التي تواجه صعوبات في تأمين الغذاء، يرى لاجئون أن الكميات المقدمة لا تتناسب مع احتياجاتهم اليومية، خصوصًا الأسر الكبيرة التي تعاني من تعدد الأعباء المعيشية.
مساعدات لا تكفي لسد الاحتياجات
ينتظر أبو محمد دوره للحصول على خمسة كيلوغرامات من الطحين، وهو يدرك أن هذه الكمية لن تكفي لإعالة أسرته المكونة من ثلاثة أفراد، ولن تعفيه من البحث عن وسائل أخرى لتأمين احتياجاتهم اليومية. ومع ذلك، يتمسك بالمساعدة المتاحة، باعتبار أن القليل قد يخفف بعضًا من الأعباء.
ويطالب أبو محمد بإعادة المساعدة النقدية التي كانت تقدمها الأونروا، وتبلغ 50 دولارًا، لما تتيحه للعائلات من قدرة أكبر على ترتيب أولوياتها وتأمين احتياجاتها المختلفة، في ظل استمرار نفقات الطعام والدواء ومتطلبات الحياة.
وتقول أم يوسف إنها علمت بموعد توزيع المساعدات مصادفة، من دون تلقي إبلاغ مسبق، وترى أن الكميات الممنوحة لا تتناسب مع احتياجات العائلات، ولا سيما الأسر التي تضم خمسة أفراد أو أكثر، رغم اضطرارها إلى قبول المساعدة في ظل الضيق المعيشي.
وفي مخيم شاتيلا بالعاصمة اللبنانية بيروت، يوضح علي المهول، مسؤول جبهة التحرير الفلسطينية في المخيم وعضو اللجنة الشعبية، أن أسرته تتكون من سبعة أفراد، بينهم والدته وأبناؤه الخمسة، مؤكدًا أن ربطة خبز واحدة أو ربطتين لا تكفيان لتلبية احتياجاتها.
ويطالب المهول بمراعاة عدد أفراد الأسر وزيادة الحصص الغذائية بما يتناسب مع احتياجاتها، مشيرًا إلى أن الأزمات التي تواجه اللاجئين لا تقتصر على الغذاء، بل تشمل المياه والبنية التحتية والصرف الصحي والخدمات الصحية والتعليمية.
ولفت إلى أن عدد الطلاب في بعض الصفوف ارتفع من نحو 30 طالبًا إلى قرابة 60، في ظل الضغوط التي تواجه المؤسسات التعليمية في المخيمات.
كما تحدثت أم حسين، البالغة من العمر 60 عامًا، عن صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، وروت أنها شعرت بالإهانة خلال مراجعة طبيب وهي مريضة، بعدما وبخها لعدم ارتداء كمامة، ثم وصف لها دواءً ومضادًا للالتهاب من دون فحصها، بحسب روايتها.
أرقام تكشف حجم الأزمة
يقدّر المتحدث باسم الأونروا في لبنان، فادي الطيار، عدد اللاجئين الفلسطينيين في البلاد بنحو 230 ألفًا، بينهم قرابة 23 ألف لاجئ قدموا من سوريا، ويعيش نحو نصفهم في 12 مخيمًا.
ووفق البيانات التي أوردها الطيار، تتراوح نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بين 70 و80 بالمئة، فيما يواجه نحو 30 بالمئة منهم انعدام الأمن الغذائي.
وأوضح أن برنامج توزيع الطحين يمتد في مرحلته الأولى شهرًا، لكن الحصة المخصصة لكل عائلة تُمنح مرة واحدة فقط، بخلاف الخبز الذي يوزع مرتين أسبوعيًا وفق برنامج منفصل.
وفي المقابل، تواجه الأونروا عجزًا تمويليًا يتراوح بين 70 و80 مليون دولار حتى نهاية عام 2026، بحسب الطيار، الذي أشار إلى أن الوكالة خفضت منذ فبراير/شباط ساعات العمل المخصصة للخدمات بنسبة 20 بالمئة، وأصبح أسبوع العمل في المدارس والمراكز الصحية أربعة أيام بدلًا من خمسة، فيما تستمر خدمات النظافة وجمع النفايات والإحالات للاستشفاء بالمستوى نفسه.
وخلال العام الدراسي 2026-2027، تستقبل مدارس الوكالة البالغ عددها 58 مدرسة أكثر من 35 ألف طالب، وفق الأرقام التي قدمها الطيار. وأشار كذلك إلى افتتاح مدرسة جديدة في البقاع، وإضافة 15 صفًا في مخيم البداوي، وتأهيل ثلاث مدارس، والعمل على استئجار مبنى إضافي في بيروت.
وتأتي المساعدات الغذائية ضمن أشكال أخرى من الدعم الغذائي والنقدي الذي تقدمه الوكالة حيثما توافرت الموارد، غير أن العجز المالي واتساع الاحتياجات يضعان برامج الإغاثة أمام تحديات الاستمرارية.
مخاوف تتجاوز توزيع الطحين
وتتصل أزمة المساعدات الغذائية بمخاوف أوسع بشأن مستقبل الأونروا، في ظل الضغوط السياسية والمالية المتواصلة التي تواجهها، وما يرافقها من خشية فلسطينية من تقليص خدماتها أو نقل بعض مهامها إلى جهات دولية بديلة.
وفي تقرير نشره موقع «الشتات الفلسطيني» في 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، برزت مخاوف من انعكاسات هذه الضغوط على خدمات الوكالة ودورها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، في وقت لا تزال فيه قضيتهم تنتظر حلًا سياسيًا عادلًا يضمن حقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة.
وبحسب مصادر فلسطينية نقل عنها التقرير، لا تنحصر أهمية الأونروا في حجم المساعدات التي تقدمها، بل تشمل دورها بوصفها مؤسسة أممية أُنشئت لرعاية اللاجئين الفلسطينيين وتقديم الخدمات لهم.
ويشير التقرير إلى أن أي تراجع إضافي في خدمات الوكالة قد يزيد الأعباء المعيشية على العائلات، ويوسع الفجوة بين احتياجاتها الأساسية والإمكانات المتاحة لتلبيتها، في ظل غياب بدائل قادرة على تعويض النقص المحتمل.
وبين خمسة كيلوغرامات من الطحين واحتياجات يومية لا تتوقف، تتواصل معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فيما تظل استمرارية الخدمات الإغاثية والصحية والتعليمية مرتبطة بقدرة الأونروا على تأمين التمويل اللازم لمواصلة عملها.
مخاوف من تقليص الخدمات
أكد علي هويدي، مدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، أن الأزمة المالية التي تعيشها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تنعكس بصورة مباشرة على اللاجئين الفلسطينيين، الذين يدفعون ثمن نقص التمويل وتراجع الخدمات، في ظل تزايد احتياجاتهم المعيشية والإنسانية.
وقال هويدي للمركز الفلسطيني للإعلام إن الأونروا يفترض أن تقدم خدماتها كاملة للاجئين الفلسطينيين في لبنان عند توفر المخصصات المالية اللازمة، لكن شح التمويل وسوء الإدارة من جانب إدارة الوكالة في لبنان يزيدان تعقيد الأوضاع.
وأضاف أن الهيئة دعت مرارًا إلى عقد لقاء سنوي تقييمي، تُوضع خلاله الخطط وفقًا للإمكانات المالية المتاحة للأونروا، بما يضمن إدارة الموارد بصورة تتناسب مع احتياجات اللاجئين الفلسطينيين.
وأوضح أن الدعوات شملت عقد مؤتمر خاص بمشاركة المرجعيات الفلسطينية في لبنان، السياسية والأهلية، إلى جانب الدول المانحة، للوقوف على حجم احتياجات اللاجئين والعمل على تأمين التمويل اللازم للأونروا، مشيرًا إلى أن هذه المطالب لم تلقَ استجابة من إدارة الوكالة.
خمسة كيلوغرامات من الطحين لا تكفي
وفيما يتعلق بتوزيع الأونروا خمسة كيلوغرامات من الطحين على العائلات الفلسطينية، قال هويدي إن هذه الكمية، رغم محدوديتها، تسهم في سد جزء من احتياجات اللاجئين، في ظل تفاقم الفقر الذي وصلت نسبته إلى نحو 80% بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفق إحصاءات الوكالة وتقديراتها الرسمية.
ولفت إلى أن الأزمة لا تقتصر على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بل تشمل أيضًا نحو 17 ألف لاجئ فلسطيني مهجّر من سوريا إلى لبنان، تشير تقديرات الأونروا إلى أن 87% منهم يعيشون في دائرة الفقر.
وأكد أن توفير المساعدات الأساسية بات ضرورة ملحة للفلسطينيين في لبنان، سواء اللاجئين المقيمين فيه أو المهجّرين إليه من سوريا، في ظل تزايد الأعباء المعيشية وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.
وشدد هويدي على أن توزيع الطحين، على أهميته، لا يلبي الاحتياجات المتزايدة للاجئين، التي تشمل قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة، إلى جانب الخدمات الأساسية الأخرى التي يعتمدون عليها في مواجهة ظروفهم الصعبة.
مخاوف من نقل خدمات الأونروا تدريجيًا
وفي سياق متصل، حذّر هويدي من دلالات استعانة الأونروا بمؤسسات المجتمع المدني لتوزيع المساعدات، معتبرًا أن ذلك يثير مخاوف بشأن مستقبل تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين.
وأوضح أن توزيع كميات الطحين جرى من خلال تعاقد بين الأونروا ومؤسسات أخرى موجودة في لبنان، في حين أن تقديم هذه المساعدات يفترض أن يندرج ضمن مسؤوليات البرنامج الإغاثي التابع للوكالة.
وأضاف أن الاستعانة بمؤسسات أخرى تثير مخاوف من انتقال خدمات الأونروا إليها تدريجيًا على المدى البعيد، بما قد يمهد لتقليص دور الوكالة في تقديم الخدمات للاجئين.
وحذّر من أن هذا المسار قد يحمل أبعادًا سياسية تتصل بالتدرج في إنهاء عمل الأونروا وخدماتها، مؤكدًا أن أي تراجع في دور الوكالة ينعكس على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة.

