الاحتلال يهدم قرية جنبا في الخليل ويشرد 176 مواطنًا ضمن مسار ضم الضفة

تشريد الضفة

المركز الفلسطيني للإعلام

هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس الأربعاء، 22 مسكنا ووحدة سكنية و15 بركسا لتربية الأغنام ومنشآت سكنية وزراعية وخدمية في قرية جنبا، أقصى جنوب شرق مدينة يطا، جنوبي محافظة الخليل، ما أدى إلى تشريد 26 أسرة تضم 176 شخصا، بينهم أطفال ونساء يشكلون نحو 70% من المتضررين، وحرمانها من مساكنها ومصادر رزقها ومقومات حياتها الأساسية.

وتأتي عملية الهدم في سياق سياسة إسرائيلية متواصلة تستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، من خلال هدم المساكن والمنشآت ومنع البناء وتقييد الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه وسبل العيش، بما يدفع السكان نحو النزوح ويعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

ووفق المعلومات التي وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في بيان له الخميس، اقتحمت قوات الاحتلال عند نحو الساعة 08:00 صباح الأربعاء الموافق 23 سبتمبر 2026 قرية جنبا، معززة بعدد كبير من الآليات العسكرية والجرافات والحفارات ومركبات تابعة للإدارة المدنية، وحاصرتها قبل أن تبدأ بتنفيذ عمليات هدم وإزالة واسعة لمنشآت مقامة على أراضي المواطنين الخاصة.

وطالت عمليات الهدم 22 مسكنا ووحدة سكنية، بينها مساكن كاملة وغرف مخصصة للعائلات، شيد معظمها من الطوب والصفيح. كما هدمت القوات منشآت أساسية مرتبطة بالمساكن، بينها 21 حماما و9 مطابخ وعشرات خزانات المياه، إضافة إلى منظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان في توفير الكهرباء في ظل عدم وجود شبكة كهرباء منتظمة في المنطقة.

كما هدمت قوات الاحتلال 15 بركسا من الصفيح المعزول وحظيرة من الشادر مخصصة لتربية الأغنام، تبلغ مساحتها مجتمعة نحو 600 متر مربع، وكانت تستخدم لإيواء مئات رؤوس الأغنام التي تعتمد عليها الأسر في تأمين مصادر دخلها. وبلغت مساحة الأراضي التي أقيمت عليها المساكن والمنشآت والإضافات التابعة لها نحو 4505 أمتار مربعة.

وشملت الأضرار مخازن للأعلاف ومنشآت تستخدم لتخزين المواد اللازمة لإعاشة الأسر وتربية المواشي، إضافة إلى كهف وطابون وغرف لتخزين الأعلاف ومنشآت أخرى مرتبطة باحتياجات السكان اليومية. وأدت عمليات الهدم إلى إزالة أو تدمير منظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان في توفير الكهرباء، إلى جانب تدمير خزانات المياه التي تبلغ سعة الواحد منها نحو متر مكعب.

ويعتمد غالبية سكان قرية جنبا على تربية الأغنام والزراعة كمصدر رئيسي للعيش، ما يجعل هدم المساكن والحظائر ومخازن الأعلاف وخزانات المياه ومنظومات الطاقة الشمسية مساسا مباشرا بقدرة الأسر على البقاء في أراضيها ومواصلة حياتها ومصادر رزقها، خاصة في ظل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على السكان ومنعهم من إدخال التحسينات أو إقامة الإضافات على مساكنهم ومنشآتهم.

وجاءت عملية الهدم بعد رفض سلطات الاحتلال المخطط التفصيلي الذي تقدم به سكان القرية منذ عام 2018، وبعد سنوات من إصدار أوامر الهدم بحق منشآتهم. وفي 18 أغسطس 2026، رفضت سلطات الاحتلال المخطط المقدم من السكان، بذريعة وقوع القرية ضمن منطقة إطلاق النار 918، ما مهد لتنفيذ عمليات الهدم الجديدة.

وتعد قرية جنبا واحدة من 12 قرية وتجمعا فلسطينيا تقع جنوب شرق مدينة يطا وتواجه خطر التهجير، وهي جنبا والمركز والحلاة والفخيت والتبان والمجاز ومغاير العبيد وصفي الفوقا وصفي التحتا والطوبا وخلة الضبع والمفقرة. ويقدر عدد سكان هذه التجمعات بنحو 2500 فلسطيني ينتشرون على مساحة تقارب 32 ألف دونم، وفق إحصاءات مجلس قروي مسافر يطا.

وشهد عام 2026 عمليات هدم طالت قرية التبان وأجزاء واسعة من قريتي الفخيت وخلة الضبع. ففي 2 سبتمبر 2026، هدمت قوات الاحتلال 38 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قرية التبان، ما أدى إلى تشريد 8 أسر تضم 58 شخصا، بينهم 26 طفلا و30 امرأة.

وفي 8 سبتمبر 2026، هدمت قوات الاحتلال 20 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قريتي الفخيت وخلة الضبع، ما تسبب بتشريد 5 أسر تضم 33 شخصا، بينهم 14 طفلا و15 امرأة.

وفي إفادته لباحث المركز، قال المواطن عيسى إبراهيم محمد، 48 عاما، إنه يسكن في قرية جنبا مع عائلته المكونة من ثمانية أفراد، بينهم طفلان، ويملك قطيعا من المواشي يعتمد عليه في المعيشة ومصدر الدخل. وأضاف أن قوات الاحتلال حاصرت القرية صباح الأربعاء وبدأت عملية هدم واسعة طالت منزله وبركس الأغنام الخاص بعائلته، ما أدى إلى تشريدهم دون مأوى.

وقال محمد إن عائلته أمضت ليلتها، إلى جانب الأسر التي طالتها عمليات الهدم، في العراء، مشيرا إلى أن عملية الهدم لم تقتصر على المنازل، بل طالت مقومات الحياة الأساسية، بما فيها أماكن إيواء الأغنام. وأوضح أن السكان يحتاجون إلى المأوى والمياه والمستلزمات الأساسية، في ظل صعوبة الوصول إلى القرية ونقل الاحتياجات والمساعدات إليها، وما يرافق ذلك من مخاوف بشأن أوضاع الأطفال مع اقتراب فصل الشتاء.

وتعود إجراءات الاحتلال ضد سكان مسافر يطا إلى عقود. ففي بداية ثمانينيات القرن الماضي، أعلنت سلطات الاحتلال المنطقة منطقة تدريبات عسكرية وأطلقت عليها اسم منطقة إطلاق النار 918. وفي أغسطس 1999، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بإخلاء السكان وترحيلهم عن المنطقة بحجة استخدامها لأغراض التدريب العسكري، رغم إقامة السكان بصورة دائمة في قراهم وأراضيهم.

وفي 16 نوفمبر 1999، نفذت قوات الاحتلال عملية ترحيل للسكان من عدد من قرى المنطقة، واستقدمت آليات عسكرية ونقلت المواطنين بالشاحنات إلى أطراف مدينة يطا، كما دمرت آبارا ومساكن ومنشآت في المنطقة، قبل أن يتمكن السكان لاحقا من العودة إلى قراهم وممارسة حياتهم فيها.

وفي 4 مايو 2022، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها في الالتماسات المتعلقة بقرى مسافر يطا، وسمحت للقوات الإسرائيلية بإخلاء سكان عدد من القرى من المنطقة بذريعة استخدامها للتدريب العسكري. وأثار القرار انتقادات من خبراء الأمم المتحدة، الذين حذروا من مخاطر التهجير القسري للسكان الفلسطينيين في المنطقة.

ومنذ ذلك القرار، كثفت سلطات الاحتلال عمليات الهدم وإصدار إخطارات الهدم وفرض قيود البناء والوصول إلى الأراضي، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وإقامة البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي الزراعية.

وقال نضال أبو عرام، رئيس مجلس قروي مسافر يطا، لباحث المركز إن ما يجري في مسافر يطا يندرج ضمن مخطط لتهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم، مشيرا إلى أن نحو 2500 فلسطيني يواجهون خطر التهجير. وأضاف أن هدم مساكن المواطنين وممتلكاتهم والاستيلاء على الأراضي يؤدي عمليا إلى السيطرة تدريجيا على نحو 32 ألف دونم من أراضي يطا التي يعيش عليها الفلسطينيون ويستخدمونها للزراعة والرعي.

وأكد أبو عرام أن قرية جنبا تمثل واحدة من المناطق المستهدفة، وأن هدم مساكن سكانها ومنشآتهم يؤدي إلى تقليص مساحة الأراضي المتاحة للفلسطينيين وحرمانهم من الوصول إلى الأراضي التي يستخدمونها للزراعة والرعي.

ويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن هدم قوات الاحتلال للمساكن والمنشآت المدنية وحرمان السكان من مصادر المياه والطاقة ووسائل كسب الرزق، في ظل منعهم من البناء ورفض مخططاتهم التنظيمية، يأتي ضمن منظومة من التدابير التي تضغط على السكان وتحد من قدرتهم على البقاء في أراضيهم، بالتزامن مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

ويشكل هذا المسار ضما تدريجيا للضفة الغربية، ويتعارض مع قواعد القانون الدولي التي تحظر على دولة الاحتلال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير دائم في وضع الأراضي المحتلة أو نقل سكانها قسرا.

ودعا المركز الحقوقي المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لحماية التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا، وضمان عدم تنفيذ عمليات تهجير جديدة، ووقف جرائم الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.

وذكر بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ودعا إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي المحتلة، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.

كما دعا المركز إلى تحرك دولي لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي التي تمكن إسرائيل من مواصلة سياساتها وانتهاكاتها للقانون الدولي.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest