
المركز الفلسطيني للإعلام
في مشهد يعكس اتساع نطاق الانتهاكات الإسرائيلية وتعدد أدواتها، شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلة خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي تصعيدًا لافتًا في اعتداءات قوات الاحتلال والمستعمرين، لم يقتصر على الاعتداءات المباشرة على المواطنين وممتلكاتهم، بل امتد إلى استهداف الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، وهدم المنازل، والتوسع الاستعماري، وصولًا إلى تصعيد الاقتحامات والانتهاكات داخل المسجد الأقصى المبارك.
وتكشف حصيلة الانتهاكات التي أعلنتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة القدس عن مشهد متكامل من الضغوط الميدانية والإجراءات الاستيطانية، إذ سجلت الهيئة 3133 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستعمرون في مختلف محافظات الضفة الغربية، بارتفاع نسبته 52.8% مقارنة بشهر أيلول، فيما رصدت محافظة القدس استشهاد مواطن، واقتحام 6176 مستعمرًا المسجد الأقصى، إلى جانب 44 عملية هدم وتجريف خلال الشهر ذاته.
تصاعد غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات
وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن الاعتداءات الـ3133 توزعت بواقع 1764 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال، و1369 اعتداء نفذها المستعمرون، مقارنة بـ2051 اعتداء خلال أيلول، وهو ما يعكس ارتفاعًا واضحًا في وتيرة الاستهداف واتساع نطاقه الجغرافي.
واللافت في هذه الحصيلة أن اعتداءات المستعمرين وحدها ارتفعت بنسبة 111.6%، بعدما قفزت من 647 اعتداء في أيلول إلى 1369 خلال تشرين الأول، في مؤشر على تصاعد الهجمات التي تستهدف المواطنين والتجمعات السكنية والأراضي الزراعية ومصادر الرزق.
وتصدرت محافظة رام الله والبيرة قائمة المحافظات من حيث إجمالي الاعتداءات بواقع 704 اعتداءات، تلتها نابلس بـ636، ثم الخليل بـ568، وجنين بـ224، والقدس بـ219، وسلفيت بـ217، وبيت لحم بـ198 اعتداء.
واستحوذت محافظات رام الله والبيرة ونابلس والخليل وحدها على نحو 61% من إجمالي الاعتداءات المسجلة، بما يبرز حجم الضغوط التي تتعرض لها المناطق التي تشهد نشاطًا استيطانيًا مكثفًا واحتكاكًا متواصلًا بين المواطنين والمستعمرين.
موسم الزيتون تحت الاستهداف
ولم يكن تصاعد الاعتداءات منفصلًا عن موسم قطف الزيتون، الذي تحول خلال تشرين الأول إلى ساحة متجددة للاعتداء على المزارعين وأراضيهم ومحاصيلهم، في ظل استهداف الأشجار ومنع الوصول إلى الأراضي وسرقة الثمار والممتلكات الزراعية.
ووفق بيانات الهيئة، طالت الاعتداءات 5890 شجرة، بينها 4498 شجرة زيتون، فيما سجلت 165 حالة سرقة لثمار الزيتون، إلى جانب سرقة 384 رأسًا من الأغنام، والاستيلاء على 45 مركبة وتسعة جرارات زراعية وأربع جرافات، فضلًا عن معدات وممتلكات خاصة.
كما ألحقت اعتداءات المستعمرين أضرارًا مباشرة بما لا يقل عن 356 مواطنًا، بينهم 22 طفلًا و22 امرأة، وتصدرت نابلس قائمة المحافظات من حيث عدد المتضررين بـ120 مواطنًا، تلتها رام الله والبيرة بـ88، والخليل بـ49.
وتتجاوز دلالة هذه الأرقام حجم الخسائر المادية؛ فاستهداف الأشجار والمحاصيل والمواشي والمعدات يضرب مصادر الدخل المباشر للعائلات الفلسطينية، ويضعف قدرتها على استثمار أراضيها، خصوصًا في المناطق الريفية والرعوية التي تتعرض لضغوط متواصلة.
وبذلك لا يعود الاعتداء على المزارع حادثة عابرة، بل يصبح جزءًا من واقع يفرض على صاحب الأرض مواجهة مخاطر متكررة لمجرد وصوله إلى مصدر رزقه وأرضه.
البؤر الاستيطانية ومصادرة الأرض.. فرض وقائع جديدة
وفي موازاة الاعتداءات المباشرة، رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 28 محاولة لإقامة بؤر استعمارية جديدة خلال تشرين الأول، تركزت تسع منها في الخليل، وثماني محاولات في نابلس، وخمس في رام الله والبيرة، إلى جانب محاولات في أريحا والأغوار وبيت لحم وجنين وسلفيت وطوباس.
وتكتسب هذه المحاولات خطورتها من كونها لا تتوقف عند إقامة خيام أو منشآت أولية، بل تشكل بداية لمسار يستهدف السيطرة على الأراضي الزراعية والرعوية، وفرض قيود على وصول أصحابها إليها، ثم شق الطرق وربط البؤر بالبنية التحتية والخدمات، وصولًا إلى محاولة تثبيت وجودها عبر المؤسسات الإسرائيلية الرسمية.
وفي السياق ذاته، رصدت الهيئة خمسة أوامر وإعلانات استهدفت 229.561 دونمًا من الأراضي الفلسطينية، شملت إعلان 182.81 دونمًا باعتبارها أملاكًا حكومية، وأوامر لإزالة الأشجار والغطاء النباتي بمساحة 46.01 دونمًا، إضافة إلى أمر وضع يد عسكري استهدف 0.741 دونمًا في محافظة جنين.
وتزامن ذلك مع دفع سلطات الاحتلال بعشرة مخططات هيكلية استعمارية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب طرح خمسة عطاءات تشمل إقامة 1629 وحدة استعمارية.
وتوضح هذه المعطيات أن التوسع الاستيطاني لا يتحرك عبر البناء وحده، وإنما من خلال سلسلة متداخلة من الاعتداءات الميدانية والإجراءات العسكرية والإدارية والتخطيطية، التي تنتهي إلى تغيير استخدام الأرض وتضييق المجال المتاح أمام التجمعات الفلسطينية.
الهدم والتضييق على الوجود السكني
وفي ملف الهدم، سجلت الهيئة تنفيذ 62 عملية هدم خلال تشرين الأول، طالت 129 منشأة فلسطينية، بينها 62 مسكنًا مأهولًا، ومسكنان غير مأهولين، و14 منشأة تشكل مصادر رزق، و46 منشأة زراعية، وخمس منشآت أخرى.
وتصدرت محافظة القدس قائمة المناطق الأكثر تضررًا من حيث عدد المنشآت المهدمة بـ46 منشأة، تلتها الخليل بـ37، ثم أريحا بـ11، وجنين بعشر منشآت، ونابلس بثماني منشآت، فيما سجلت بيت لحم وسلفيت سبع منشآت لكل منهما.
وألحقت عمليات الهدم أضرارًا مباشرة بما لا يقل عن 220 مواطنًا، بينهم 125 طفلًا و45 امرأة، وفق ما وثقته الهيئة، كما أصدرت سلطات الاحتلال 11 إخطارًا استهدفت منشآت وممتلكات فلسطينية.
ولا تقتصر آثار هذه السياسة على فقدان المساكن والمنشآت، بل تمتد إلى تفكيك الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعائلات، وفرض أعباء جديدة على السكان، في وقت تتعرض فيه مناطق فلسطينية عديدة لقيود تخطيطية وتوسع استيطاني متواصل.
القدس والأقصى.. تصعيد يتجاوز الاقتحامات
وفي القدس المحتلة، تتخذ الانتهاكات أبعادًا إضافية تتصل بالمسجد الأقصى والوجود الفلسطيني في المدينة، وهو ما أظهرته حصيلة محافظة القدس لشهر تشرين الأول.
فقد رصدت المحافظة اقتحام 6176 مستعمرًا المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب دخول 8885 آخرين تحت غطاء ما يسمى السياحة، بحماية قوات الاحتلال.
ولم تقتصر الاقتحامات على الدخول إلى باحات المسجد، إذ شهد الشهر تصعيدًا في فرض الطقوس التوراتية العلنية، شمل الصلوات الجماعية والترانيم والغناء والرقص، وأداء ما يسمى السجود الملحمي، وإدخال الأصناف الأربعة النباتية، ورفع علم الاحتلال أمام قبة الصخرة.
كما امتدت الانتهاكات إلى محيط المسجد، بما في ذلك أداء طقوس تلمودية قبالة باب الرحمة، واستهداف المنطقة الشرقية، والتحريض على الاقتحامات، إلى جانب اعتقال خطيب المسجد الأقصى الشيخ خالد أبو جمعة وإبعاده أسبوعًا، واستهداف موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية.
وسجل الشهر أيضًا اقتحام الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى برفقة عضو الكنيست موشيه فيجلين في 26 تشرين الأول، في سياق الاقتحامات التي تترافق مع محاولات فرض طقوس ومظاهر جديدة داخل المسجد.
وتكشف هذه الوقائع عن أن استهداف الأقصى لا ينحصر في أعداد المقتحمين، بل يشمل طبيعة الممارسات داخل باحاته، والتضييق على العاملين فيه والمرابطين والمؤسسات الدينية المرتبطة بإدارته، بما يجعل المسجد محورًا رئيسيًا في مسار التصعيد بالمدينة المحتلة.
شهيد واعتقالات وهدم يطال المقدسيين
وعلى صعيد الاعتداءات على المواطنين، وثقت محافظة القدس استشهاد الشاب بهاء سامي أمين النتشة (19 عامًا)، من بلدة كفر عقب، في الثاني من تشرين الأول، إثر إصابته برصاص مستعمرين أثناء وجوده في مزرعة عائلته ببلدة كوبر شمال رام الله.
كما سجلت المحافظة 19 إصابة في صفوف المواطنين جراء اعتداءات قوات الاحتلال والمستعمرين، تنوعت بين الرصاص الحي والمطاطي والضرب وإطلاق الغاز المسيل للدموع والسقوط عن جدار الفصل العنصري.
ووثقت 56 اعتداء للمستعمرين في محافظة القدس ومحيطها، بينها خمس حالات إيذاء جسدي، شملت إحراق مساكن ومساجد وأشجار، وسرقة مواشٍ ومحاصيل، واقتلاع أشجار زيتون، والاستيلاء على أراضٍ وإغلاق طرق وعزل أحياء سكنية.
وفي ملف الاعتقالات، اعتقلت قوات الاحتلال 102 مواطن خلال الشهر، بينهم ست نساء وثلاثة أطفال، في حملة طالت بلدات وقرى المحافظة ومخيمي قلنديا وشعفاط والبلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى والحواجز العسكرية.
كما رصدت المحافظة 20 قرارًا وحكمًا بحق الأسرى المقدسيين، توزعت بين ثلاثة أحكام بالسجن الفعلي و17 قرارًا بالاعتقال الإداري، إلى جانب أربعة قرارات بالحبس المنزلي، و12 قرارًا بالإبعاد، بينها عشرة قرارات بالإبعاد عن المسجد الأقصى.
أما عمليات الهدم والتجريف، فقد بلغت 44 عملية خلال الشهر، توزعت بين 13 عملية هدم ذاتي أُجبر خلالها المواطنون على هدم منازلهم بأيديهم، و29 عملية هدم نفذتها آليات الاحتلال، إضافة إلى عمليتي تجريف للأراضي.
وشملت العمليات منازل وشققًا وبنايات متعددة الطوابق في صور باهر وسلوان والطور وبيت حنينا وبدو ووادي قدوم وقلنديا، وأسفرت عن تشريد عشرات المواطنين، بينهم أطفال.
كما أصدرت سلطات الاحتلال 41 إخطارًا وقرارًا استهدفت منازل ومنشآت فلسطينية، بينها 40 إخطارًا وقرارًا بالهدم ووقف البناء، وقرار إخلاء واحد، وطالت عمارة سكنية من 15 طابقًا في الطور وثلاثة أبراج سكنية في عناتا، إلى جانب منازل ومنشآت في سلوان وحزما والعيسوية.
مشهد واحد بأدوات متعددة
وتشير المقارنة بين حصيلة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة القدس إلى أن التصعيد خلال تشرين الأول لم يكن محصورًا في مجال واحد، بل امتد من الاعتداء على حياة المواطنين وممتلكاتهم، إلى ضرب مصادر رزقهم، وتقييد وصولهم إلى أراضيهم، وتوسيع البؤر والمخططات الاستيطانية، وصولًا إلى تكثيف الاقتحامات والانتهاكات داخل المسجد الأقصى.
ففي الوقت الذي يتعرض فيه المزارع للاعتداء وسرقة محصوله واقتلاع أشجاره، تواجه التجمعات الفلسطينية أوامر الهدم ومصادرة الأراضي ومحاولات إقامة البؤر الاستيطانية، بينما تشهد القدس إجراءات متزامنة تطال السكن والمؤسسات الدينية والتعليمية والبلدية، إلى جانب تصعيد الاقتحامات داخل الأقصى.
وتبرز خطورة هذا المشهد في تداخل أدواته؛ فالاعتداء الميداني يضغط على السكان، والهدم يهدد استقرارهم السكني، ومصادرة الأرض تقيد امتدادهم الزراعي والعمراني، فيما يفتح التوسع الاستيطاني مساحات جديدة للسيطرة ويعيد تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي على الأرض.
وبينما سجل تشرين الأول ارتفاعًا بنسبة 52.8% في إجمالي الاعتداءات مقارنة بأيلول، فإن الزيادة التي تجاوزت 111% في اعتداءات المستعمرين، بالتزامن مع استمرار الإجراءات العسكرية والاستيطانية، تضع الفلسطينيين أمام واقع تتداخل فيه الاعتداءات اليومية مع السياسات طويلة الأمد الرامية إلى توسيع السيطرة على الأرض.
وتقدم أرقام الشهر صورة تتجاوز الإحصاء العددي للانتهاكات؛ إذ ترسم ملامح ضغط متواصل على مقومات الحياة الفلسطينية، من الأرض والمسكن ومصدر الرزق، إلى المقدسات والوجود المؤسسي في القدس، في وقت تتسع فيه أدوات الاستيطان وتتعدد ساحات استهداف الفلسطينيين في الضفة الغربية والمدينة المحتلة.

