
المركز الفلسطيني للإعلام
تتجاوز تداعيات عدوان الاحتلال الإسرائيلي على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، حدود الاقتحامات والاعتقالات وهدم الممتلكات، لتطال أمن السكان ومصادر رزقهم وحقهم في الاحتفاظ بممتلكاتهم داخل منازلهم. فمع فرض الحصار على مناطق من المدينة وإجبار عائلات على النزوح، برزت شهادات عن الاستيلاء على أموال ومصاغ ذهبي ومقتنيات خاصة خلال مداهمة المنازل وتفتيشها، في وقائع تثير تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات المتبعة بحق المدنيين، وحدود الانتهاكات التي ترافق العمليات العسكرية.
وتكشف إفادات وثّقها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن جانب آخر من معاناة العائلات الفلسطينية في الخليل، إذ لم يقتصر الأمر، وفق الشهادات، على إجبار السكان على مغادرة منازلهم، بل امتد إلى فقدان مدخرات وممتلكات ثمينة، من دون تسليم أصحابها قوائم رسمية بما جرى الاستيلاء عليه أو مستندات تثبت ذلك.
الخليل تحت الحصار: مئات العائلات تفقد منازلها وممتلكاتها
بدأت العملية العسكرية الإسرائيلية صباح الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، عقب إطلاق نار استهدف جنودًا إسرائيليين قرب المدخل الشمالي لمدينة الخليل، وأسفر عن مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما استشهد المهاجمان الفلسطينيان. وأعقب الحادث انتشار واسع للقوات الإسرائيلية، وإغلاق مداخل المدينة وطرقها، وفرض قيود مشددة على حركة السكان، قبل أن تتوسع المداهمات لتشمل أحياء سكنية ومناطق محيطة.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الحملة شملت هدم مبانٍ ومنشآت تجارية وسكنية، وتدمير طرق، واعتقال عشرات الفلسطينيين، وإجبار عائلات على إخلاء منازلها. كما أفادت مصادر محلية بأن القوات الإسرائيلية حوّلت منازل أُخليت قسرًا إلى مواقع عسكرية ونقاط مراقبة، في ظل استمرار إغلاق مداخل المدينة ومحيطها.
تهجير قسري يطال مئات العائلات في الخليل
فرضت قوات الاحتلال حصارًا على مناطق دير بحة والجلدة ودوار خباب ودوار الجلدة، وأجبرت السكان على مغادرة منازلهم تحت تهديد السلاح، وفق ما أورده المرصد الأورومتوسطي وشهادات ومصادر محلية.
وبحسب تقديرات محلية أوردها المرصد، نزحت نحو 300 عائلة تضم قرابة 2200 شخص من منطقة محاصرة تبلغ مساحتها نحو 350 دونمًا. وفي تقديرات أخرى نقلتها وكالة رويترز عن مسؤول بلدي فلسطيني، بلغ عدد الذين نزحوا نحو 1200 شخص، مع وجود نحو 1300 آخرين مهددين بفقدان منازلهم.
واضطرت العائلات إلى مغادرة منازلها على عجل، حاملًا أفرادها ما تمكنوا من جمعه من أمتعة واحتياجات أساسية، فيما أفاد المرصد بأن بعض السكان مُنعوا من أخذ ممتلكاتهم، ولم يحصلوا على قوائم توضح ما جرى الاستيلاء عليه خلال عمليات التفتيش.
ولا تتوقف آثار النزوح عند فقدان المأوى؛ إذ تفرض القيود العسكرية الإسرائيلية على السكان صعوبات إضافية في الوصول إلى أعمالهم والخدمات الأساسية، وتزيد الأعباء المعيشية على العائلات التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن أماكن بديلة للإقامة، في وقت لا تعرف فيه متى ستتمكن من العودة إلى منازلها.
وكانت بلدية الخليل قد أعلنت حالة الطوارئ وبدأت العمل على توفير مراكز إيواء ومساعدة العائلات المتضررة، وسط تحذيرات من اتساع نطاق النزوح إذا استمرت عمليات الإخلاء.
شهادات عن الاستيلاء على آلاف الدنانير ومئات آلاف الشواكل
تكشف الشهادات التي جمعها المرصد الأورومتوسطي عن خسائر مالية مباشرة لحقت بعائلات خلال اقتحام منازلها، إذ تحدث أصحابها عن الاستيلاء على مدخرات ومصاغ ذهبي كانوا يحتفظون به داخل المنازل.
وقال فلسطيني (47 عامًا)، عرّف عنه المرصد بالأحرف الأولى «ن. ج.»، إن الجنود اقتحموا منزله وفتشوه، ثم أجبروه وأفراد أسرته على المغادرة. وأضاف أنه كان يحمل حقيبة تضم ستة آلاف دينار أردني، تمثل مهر ابنه، عندما أخذ أحد الجنود الحقيبة منه وأجبره على الخروج من دونها.
وفي شهادة أخرى، أفادت سيدة (33 عامًا)، عرّف عنها المرصد بالأحرف الأولى «س. ق.»، بأن جنودًا داهموا منزلها وفتشوه، ثم استولوا على مصاغها الذهبي ومبلغ يقارب 200 ألف شيكل كان محفوظًا في غرفة النوم.
وأضافت أن محاولتها وزوجها الاعتراض على ما جرى قوبلت بالصراخ والإجبار على مغادرة المنزل، من دون تسليمهما أي مستند يثبت الاستيلاء على الأموال أو الذهب.
وتشير هذه الإفادات، وفق المرصد، إلى أن عمليات التفتيش لم تقتصر على البحث عن مقتنيات عسكرية أو محظورة، بل امتدت إلى أموال خاصة ومدخرات عائلية ومصاغ ذهبي. كما أن غياب قوائم الجرد أو الإيصالات الرسمية يحرم المتضررين من وثائق أساسية لتحديد ممتلكاتهم المفقودة والمطالبة باستردادها.
نهب الممتلكات يتجاوز الخليل إلى التجمعات الرعوية في مسافر يطا
لم تقتصر الوقائع التي أشار إليها المرصد على أحياء مدينة الخليل؛ إذ أفاد برصد سرقة مستوطنين أغنامًا من منطقة الرهنية في مسافر يطا، جنوبي المحافظة، في سياق اعتداءات متواصلة تستهدف التجمعات الرعوية ومصادر رزق سكانها.
وتكتسب هذه الاعتداءات خطورة إضافية في المناطق التي يعتمد سكانها على تربية المواشي، إذ لا تمثل الأغنام مجرد ممتلكات قابلة للاستبدال، بل تشكل مصدر الدخل الأساسي لأسر تعتمد على الرعي وإنتاج الحليب ومشتقاته. ويؤدي الاستيلاء عليها إلى إضعاف قدرة هذه الأسر على البقاء في أراضيها، فضلًا عن الخوف والضغط اللذين تفرضهما الاعتداءات المتكررة.
ويرى المرصد أن هذه الوقائع تأتي ضمن نمط أوسع من الاعتداء على الممتلكات الفلسطينية في الضفة الغربية، مشيرًا إلى حوادث مماثلة وثّقها في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإلى تقارير عن استيلاء جنود إسرائيليين على ممتلكات مدنية خلال عمليات عسكرية في جنوب لبنان.
واستشهد المرصد بما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن استيلاء جنود على ممتلكات مدنية في جنوب لبنان، شملت دراجات نارية وأجهزة كهربائية وأثاثًا منزليًا ومقتنيات شخصية، ونقلها باستخدام مركبات عسكرية.
ويعتبر المرصد أن تكرار هذه الوقائع في مناطق مختلفة يستدعي التحقيق في مدى وجود إخفاقات في الرقابة والمساءلة، وما إذا كانت هناك ممارسات متكررة تسمح بالاستيلاء على ممتلكات المدنيين من دون محاسبة المسؤولين عنها.
ماذا يقول القانون الدولي عن نهب الممتلكات والتهجير القسري؟
يحظر القانون الدولي الإنساني نهب الممتلكات الخاصة، سواء ارتُكبت هذه الأفعال خلال العمليات العسكرية أو في المناطق الخاضعة للاحتلال.
وتنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 صراحة على حظر العقوبات الجماعية والنهب، كما تحظر لائحة لاهاي لعام 1907 أعمال النهب. ويُدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نهب أي بلدة أو مكان، حتى عند الاستيلاء عليه عنوة، ضمن جرائم الحرب في الظروف التي ينطبق عليها النص.
كذلك، لا يمنح وجود عملية عسكرية القوات القائمة بالاحتلال حق الاستيلاء على الأموال والممتلكات الخاصة لمجرد اقتحام المنازل أو إخراج سكانها منها. ويجب أن تستند أي إجراءات تمس الممتلكات إلى أحكام القانون الدولي ذات الصلة، ولا يجوز اتخاذها ذريعة للنهب أو العقاب الجماعي.
أما التهجير القسري، فيخضع بدوره لقيود صارمة. وتحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة النقل القسري الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، إلا في حالات استثنائية محددة تتعلق بأمن السكان أو بأسباب عسكرية قهرية، مع مراعاة الشروط والضمانات القانونية. ولا يكفي إعلان عملية عسكرية لتبرير إخلاء السكان من دون استيفاء هذه الشروط.
وبناءً على ذلك، فإن الوقائع الواردة في شهادات سكان الخليل، إذا ثبتت عناصرها، قد تثير مسؤولية جنائية فردية عن نهب الممتلكات، إلى جانب المسؤوليات المحتملة عن التهجير القسري وغيره من الانتهاكات. غير أن التكييف القانوني النهائي لكل واقعة يتطلب التحقق من الأدلة والظروف المحيطة بها.
المساءلة الدولية أمام اختبار جديد
دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيق دولي مستقل وفعال في عمليات النهب والتهجير القسري والعقاب الجماعي في الخليل، مطالبًا بجمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية، بما يشمل مسؤولية القادة العسكريين والسياسيين، وفق الشروط القانونية ذات الصلة.
كما دعا المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في الوقائع ضمن تحقيقاتها المتعلقة بالوضع في دولة فلسطين، وحث الدول التي تسمح تشريعاتها بذلك على استخدام آليات الولاية القضائية الوطنية، بما فيها الولاية القضائية العالمية، لملاحقة المشتبه في تورطهم في جرائم تدخل ضمن اختصاص محاكمها.
وطالب المرصد المجتمع الدولي باتخاذ تدابير رادعة، تشمل وقف نقل الأسلحة والمعدات العسكرية والأمنية عندما يحظره القانون الدولي أو تقتضيه الالتزامات القانونية للدول، وتعليق أشكال التعاون التي تسهم في استمرار الانتهاكات، إلى جانب توفير حماية عاجلة للمدنيين الفلسطينيين.
وتضع أحداث الخليل مسألة حماية الممتلكات المدنية أمام اختبار جديد، في ظل تداخل الحصار والنزوح وهدم المنشآت والشهادات المتعلقة بالاستيلاء على الأموال والمصاغ الذهبي. فبالنسبة إلى العائلات المتضررة، لا يتعلق الأمر بخسارة مأوى فحسب، بل بفقدان مدخرات تراكمت على مدى سنوات، وممتلكات تمثل أمانًا اقتصاديًا واجتماعيًا، في ظروف لا تملك فيها ضمانات واضحة للعودة أو استرداد ما فُقد.
ويبقى التحدي الأساسي في الانتقال من توثيق الشهادات إلى تحقيقات مستقلة تحفظ الأدلة وتحدد المسؤوليات، بما يضمن ألا تتحول ممتلكات المدنيين إلى خسائر إضافية يتحملونها من دون تعويض أو مساءلة.

