الخليل تحت الحصار والتهجير القسري.. 250 عائلة أُجبرت على إخلاء منازلها ومخاوف من اتساع النزوح

الخليل تحت الحصار والتهجير القسري.. 250 عائلة أُجبرت على إخلاء منازلها ومخاوف من اتساع النزوح

المركز الفلسطيني للإعلام

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عمليتها العسكرية الواسعة في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، فارضة حصارًا مشددًا على المدينة ومداخلها وطرقها، وسط عمليات إخلاء قسري لعائلات فلسطينية، ومداهمات واعتقالات وهدم منشآت، وتحويل منازل إلى ثكنات عسكرية، في إجراءات عطّلت حركة السكان وشلت جوانب واسعة من الحياة التجارية والاقتصادية.

وتشير تقديرات محلية إلى أن نحو 250 عائلة فلسطينية أُجبرت على إخلاء منازلها في منطقتي فرش الهوى وأبو كتيلة، فيما أجبرت قوات الاحتلال عشرات المواطنين على مغادرة منازلهم في منطقتي الجلدة وعين دير بحة، مع ورود تقارير عن تهديد مئات العائلات الأخرى بالتهجير. ولا تزال الحصيلة النهائية للعائلات التي غادرت منازلها فعليًا غير واضحة، في ظل استمرار العملية العسكرية واتساع نطاق الإجراءات الميدانية.

إخلاء تحت تهديد السلاح وقيود على الممتلكات

لم تترك قوات الاحتلال للعائلات التي أجبرتها على مغادرة منازلها سوى وقت محدود لجمع متعلقاتها، وسط قيود مشددة على ما يمكنها حمله. وبحسب إفادات وتقارير محلية، سُمح لكل عائلة في مناطق من الخليل بحمل حقيبة ملابس واحدة فقط، مع منع السكان من اصطحاب مركباتهم أو إخراج ممتلكاتهم، ما دفع عائلات إلى مغادرة منازلها على عجل، تاركة وراءها أثاثها ومقتنياتها ومصادر رزقها.

وفي منطقتي الجلدة وعين دير بحة، اقتحمت قوات الاحتلال الأحياء السكنية خلال ساعات فجر السبت، بمشاركة آليات عسكرية وجرافات، وأجبرت عائلات على الخروج إلى العراء، فيما احتجزت عشرات المواطنين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية قبل الإفراج عن عدد منهم.

وقال مختار آل التميمي في الخليل، الحاج حجازي شاور التميمي، إن قوات الاحتلال أجبرت السكان على إخلاء المنطقة التي يقيم فيها، مشيرًا إلى أنها تضم نحو 350 ألف مواطن، أي ما يعادل ثلث سكان الخليل، وفق تقديراته.

وأوضح التميمي، في حديث صحفي، أن قوات الاحتلال منحت العائلات مهلة قصيرة جدًا لمغادرة منازلها، ولم تسمح لها سوى بحمل بعض الحقائب والأوراق الثبوتية، مشيرًا إلى أن السكان اضطروا إلى المغادرة تحت تهديد السلاح، وتعرض بعضهم للضرب لإجبارهم على الإخلاء.

ووصف ما جرى بأنه نزوح قسري لم يكن يتخيل حدوثه طوال حياته، معتبرًا الإجراءات الإسرائيلية بحق أهالي الخليل عقابًا جماعيًا وانتقامًا من السكان، بذريعة انحدار منفذي عملية إطلاق النار من المدينة، وداعيًا إلى النظر في السياسات والممارسات الإسرائيلية بدلًا من تحميل السكان تبعات أفعال لم يرتكبوها.

هدم منازل وتحويل أخرى إلى ثكنات عسكرية

ولم تقتصر العملية العسكرية على إخلاء المنازل وتفتيشها، بل امتدت إلى هدم منشآت سكنية وتجارية وصناعية، والاستيلاء على منازل فلسطينية وتحويلها إلى مواقع عسكرية.

وفي منطقة فرش الهوى، هدمت قوات الاحتلال عمارة سكنية تضم ثلاث شقق، وأغلقت المدخل الرئيسي للمنطقة، فيما تحدث سكان عن إخلاءات طالت منازل ومحال ومنشآت تجارية وصناعية، دفعت أصحابها إلى الإسراع في نقل بضائعهم خشية فقدانها بفعل الهدم أو الاستيلاء على الممتلكات.

كما استولت قوات الاحتلال على عدد من المنازل في أحياء مختلفة من المدينة، وحولتها إلى ثكنات ومقار عسكرية، ورفعت الأعلام الإسرائيلية فوق أسطحها، في مشهد يعكس حجم التغيير الذي فرضته القوات على طبيعة الأحياء السكنية واستخداماتها.

وبالتوازي مع ذلك، باشرت جرافات الاحتلال عمليات هدم وتجريف طالت ممتلكات ومباني، في وقت تواصلت فيه المداهمات والتفتيشات داخل الأحياء والمناطق المحيطة.

وكانت قوات الاحتلال قد هدمت، الجمعة، مبنى سكنيًا من ثلاثة طوابق يعود لعائلة أمريش قرب موقع عملية إطلاق النار، بعدما أُخلي سكانه قسرًا قبل الهدم بوقت قصير. وأفادت تقارير إعلامية بأن إخطار الهدم سبق العملية العسكرية بعدة أشهر، بذريعة البناء دون ترخيص.

حصار يشلّ المدينة ويعطل حياة السكان

ومنذ عصر الجمعة، فرضت قوات الاحتلال إغلاقًا مشددًا على الخليل، وأغلقت مداخل المدينة وطرقًا رئيسية تصلها بالبلدات والقرى والمخيمات المجاورة، مع انتشار مكثف للآليات العسكرية وإقامة الحواجز، ما أدى إلى تكدس المركبات وتعطيل حركة المواطنين ومنعهم من الدخول إلى المدينة أو الخروج منها بصورة طبيعية.

وقال رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، إن المدينة محاصرة بالكامل بعشرات الآليات والمدرعات العسكرية، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال تمنع حركة الدخول والخروج، وتنفذ عمليات هدم واسعة للمنازل والمتاجر باستخدام عشرات الجرافات.

وفي ظل الإغلاق، اضطر مواطنون إلى ترك مركباتهم ومتابعة طريقهم سيرًا على الأقدام، بينما توقفت الحركة التجارية والاقتصادية، وتعذر على السكان الوصول إلى وجهاتهم المعتادة، بما في ذلك المرافق الصحية والخدمات الأساسية.

وبرزت التداعيات الإنسانية للحصار في حالة طفلة تبلغ 11 عامًا، مصابة بمرض السرطان، اضطرت إلى عبور بوابة مغلقة سيرًا على الأقدام لمواصلة رحلتها إلى موعد طبي في مستشفى دورا، بعد تعذر وصولها بالسيارة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأثر المباشر للإغلاقات العسكرية على المرضى والأطفال، إذ لا يقتصر الأمر على تأخير حركة السكان، بل يمتد إلى تهديد قدرتهم على الوصول إلى العلاج والرعاية الصحية في الوقت المناسب.

وفي موازاة ذلك، اعتقلت قوات الاحتلال 13 فلسطينيًا على الأقل في محافظة الخليل، واحتجزت عشرات آخرين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية، فيما تواصلت الاقتحامات في بلدات ومناطق أخرى من الضفة الغربية المحتلة.

عملية عسكرية عقب مقتل جنديين إسرائيليين

وجاءت التطورات عقب عملية إطلاق نار استهدفت موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في محيط الخليل، صباح الجمعة، وأسفرت، وفق المعلومات الواردة في التقارير، عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة عدد آخر من الجنود، فيما استشهد منفذا العملية برصاص قوات الاحتلال.

وتحدثت تقارير عن إصابة ثلاثة جنود، فيما أوردت تقارير أخرى إصابة أربعة، كما أشارت مصادر محلية إلى اندلاع اشتباك مسلح استمر نحو عشرين دقيقة، قبل أن ينتهي باستشهاد الشابين.

وعقب العملية، أعلنت قوات الاحتلال بدء حملة عسكرية واسعة في المنطقة التي انطلق منها المنفذان، تشمل مداهمة المنازل وتفتيشها وإجراء تحقيقات ميدانية، إلى جانب تشديد الطوق الأمني وفرض قيود على حركة المواطنين.

وأعلنت قوات الاحتلال أن العملية قد تستمر عدة أيام، فيما ترافقت الإجراءات الميدانية مع تهديدات بإخلاء أحياء سكنية وهدم مبانٍ قالت سلطات الاحتلال إنها مرتبطة بالهجوم.

لكن نطاق الإجراءات تجاوز ملاحقة المشتبه بهم وتفتيش المنازل، ليشمل إخلاء عائلات فلسطينية من مساكنها، وهدم منشآت، وإغلاق طرق ومداخل رئيسية، وتعطيل حياة السكان في مناطق واسعة من المحافظة.

خطة طوارئ لإيواء العائلات النازحة

ومع استمرار عمليات الإخلاء، أعلنت بلدية الخليل تفعيل خطة طوارئ لمساعدة العائلات النازحة والسكان العالقين، وبدأت جهودًا لتوفير أماكن إيواء واستقبال المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم.

كما بادرت عائلات فلسطينية إلى فتح أبوابها لاستقبال عائلات أخرى، في محاولة لتوفير مأوى مؤقت لمن فقدوا القدرة على البقاء في منازلهم أو الوصول إليها.

وتواجه العائلات التي أُجبرت على النزوح مخاوف متزايدة بشأن مصير مساكنها وممتلكاتها، ولا سيما في ظل استمرار الهدم والاستيلاء على المنازل وتحويل بعضها إلى مواقع عسكرية، وعدم وضوح موعد انتهاء العملية أو إمكانية عودة السكان إلى أحيائهم.

وتتفاقم هذه المخاوف مع تعطل الأعمال التجارية والصناعية، وما يترتب عليه من خسائر لأصحاب المحال والمنشآت، فضلًا عن صعوبة تنقل المواطنين والوصول إلى الخدمات الأساسية في ظل الإغلاق المشدد.

مخاوف من اتساع التهجير والعقاب الجماعي

وتثير عمليات الإخلاء والهدم والحصار تساؤلات بشأن مدى التناسب بين الإجراءات العسكرية المفروضة على السكان وطبيعة العملية التي أعلنت قوات الاحتلال تنفيذها عقب إطلاق النار.

فبينما تقدم سلطات الاحتلال حملتها باعتبارها إجراءً أمنيًا يستهدف المنطقة التي انطلق منها منفذا الهجوم، يرى فلسطينيون أن إجبار العائلات على إخلاء منازلها، ومنعها من اصطحاب ممتلكاتها، وتعطيل حياة المرضى والأطفال، والاستيلاء على المنازل وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، يتجاوز ملاحقة المشتبه بهم ليطال السكان ومصادر رزقهم بصورة جماعية.

ويحذر الأهالي من أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤدي إلى اتساع نطاق النزوح القسري، خصوصًا في ظل التهديدات بإخلاء أحياء أخرى واستمرار عمليات الهدم والتفتيش، بما يفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المحافظة.

كما تأتي التطورات في سياق تصاعد الاقتحامات والاعتقالات والقيود على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع استمرار اعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم.

وامتدت المداهمات الإسرائيلية، بالتزامن مع العملية في الخليل، إلى 26 موقعًا في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وشملت مدنًا وبلدات ومخيمات للاجئين، وسط حملات دهم وتفتيش واعتقال.

وتبقى العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها أمام مصير غير واضح، بين انتظار انتهاء العملية العسكرية والأمل في العودة إلى مساكنها، والخشية من أن تجد منازلها مهدمة أو مستولى عليها، في وقت تتواصل فيه جهود الإيواء وسط حصار يعطل الحياة اليومية ويعمق الأزمة الإنسانية في الخليل.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest