
المركز الفلسطيني للإعلام
عاد أحمد عبد الكريم السيقلي إلى خان يونس جنوب قطاع غزة، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام، لكنه لم يعد إلى البيت الذي تركه، ولا إلى أطفاله الذين كان يحلم بأن يراهم من جديد؛ عاد إلى مدينة مثقلة بالركام، وإلى عائلة مزقها القصف، حاملاً في قلبه مأساة لا يشبهها شيء.
يقول السيقلي إن فرحة الإفراج عنه اختلطت منذ اللحظة الأولى بألم الفقد، بعدما علم خلال احتجازه أن أطفاله الستة استشهدوا في قصف إسرائيلي استهدف منزلًا نزحت إليه عائلته، فيما نجت زوجته وابنته بعد إصابتهما بجروح.
ويستعيد الأب تفاصيل يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 2023، حين وصلته في بداية الحرب أنباء استشهاد أطفاله، ليتلقى الخبر كصدمة اقتلعت ما تبقى من طمأنينة في داخله.

كان السيقلي قد أوصى والدته، مع بداية الحرب، بأن تنزح عائلته إلى منزل أقاربه في شارع الصحابة، بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، فغادرت الأسرة منزلها، لكن القصف ظل يلاحقها حتى المكان الذي لجأت إليه.
نزحت العائلة لمسافة نحو 500 متر، قبل أن تستقر في منزل كان يؤوي عشرات النازحين، ثم لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى استهدف القصف المنزل الذي ظنوا أنه سيكون ملاذًا لهم.
استشهد أطفال السيقلي الستة في القصف، وبينهم ثلاثة توائم في الثامنة من أعمارهم، إلى جانب طفلة في الثانية، فيما كان أكبر أبنائه يبلغ 16 عامًا، بينما نجت زوجته وابنته بعد إصابتهما.
يسأل الأب، وهو يستعيد أسماء أطفاله وملامحهم، عن ذنب طفل في الثانية من عمره، وعن ذنب ثلاثة توائم لم يعرفوا من الحرب سوى الخوف والنزوح، وعن ذنب طفل لم يتجاوز السادسة عشرة، لتكون الإجابة الوحيدة التي بقيت أمامه هي صمت الفقد.
لم يكن السيقلي يعلم، وهو يعيش ألم فقد أطفاله، أن محنته ستتخذ وجهًا آخر؛ إذ وقع أسيرًا في قبضة قوات الاحتلال خلال محاولته النزوح من منطقة جحر الديك، بعدما أُجبر مع آخرين على الاستسلام.
ويصف السيقلي ما تعرض له خلال الاعتقال بأنه سلسلة من الانتهاكات والإذلال والضرب، مشيرًا إلى أن الجنود طرحوه ومن معه أرضًا، واعتدوا عليهم بالضرب، قبل نقلهم إلى سجن عوفر.
ويقضي المعتقل أيامًا طويلة في ظروف قاسية داخل السجن، وسط اكتظاظ شديد وغياب أبسط مقومات الحياة، قبل أن يُنقل لاحقًا باتجاه قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم.
ويستعيد السيقلي لحظة الإفراج عنه، حين فُكت القيود عن يديه وأُشير إليه بالسير في الطريق باتجاه الصليب الأحمر، لكنه لم يكن يتخيل أن الطريق إلى غزة سيقوده إلى مشهد يفوق كل ما يمكن أن يتخيله إنسان.

وصل الأب إلى غزة، لكنه لم يصل إلى أبنائه.
وجد السيقلي أمامه مدينة تغيرت ملامحها، وركامًا وخيامًا ونازحين، بعدما كان يتخيل أن يعود إلى القطاع ويلتقي أطفاله ويحتضنهم بعد سنوات الغياب.
ويقول إنه لم يتوقع حجم الدمار الذي شاهده بعد الإفراج عنه، وإن الصور التي كان يراها خلال فترة احتجازه لم تكن قادرة على نقل حقيقة ما حل بالقطاع.
استقر السيقلي في خيمة بمنطقة المواصي في خان يونس، يحمل ما تبقى له من عائلته، وينتظر لحظة وداع أطفاله الستة، بعدما حُرم من احتضانهم للمرة الأخيرة.
يحاول الأب أن يستجمع ما تبقى من قوته استعدادًا لدفن أبنائه وقراءة الفاتحة على أرواحهم، فيما تختصر قصته مأساة آلاف العائلات الفلسطينية التي فرقت الحرب أبناءها بين الخيام والركام والمقابر.
يعود أحمد السيقلي إلى غزة بجسد أُنهك في سجون الاحتلال، وبقلب أنهكه فقد أبنائه؛ خرج من الأسر، لكنه وجد نفسه أسيرًا لذكرى ستة أطفال لن يعودوا إلى البيت، ولحكاية أبٍ نجا من السجن ليواجه سجنًا آخر اسمه الفقد.

