
رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام
في التاسعة عشرة من عمره، انتهت حياة بهاء النتشة برصاص المستوطنين في بلدة كوبر، وبقي جثمانه محتجزاً، ووراء اسمه تتكشف حصيلة أوسع من القتل، تمتد عبر قرى الضفة الغربية وأطراف بلداتها، حيث تتكرر الاعتداءات ويتسع أثرها ليطال المنازل والأراضي والمدارس، ويضيّق على الفلسطينيين شروط الحياة والبقاء.
وتأتي واقعة استشهاد الشاب القادم من كفر عقب شمال القدس المحتلة وسط تصاعد غير مسبوق في الحصيلة التي ترصدها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد وثقت استشهاد 30 فلسطينيا على يد المستوطنين حتى الثاني من أكتوبر الجاري، بزيادة تقارب 114% مقارنة بالعام الماضي بأكمله، لم ينتهِ عام 2026 بعد، لكن عدد الشهداء تجاوز بالفعل حصيلة كل عام شمله الرصد منذ 2022.
وبين الرصاص الذي يقتل، والهجمات التي تدفع العائلات إلى مغادرة أرضها، تظهر المعطيات الفلسطينية والأممية إجراما تتزايد خطورته وتتسع جغرافيته، ليصبح تهديدا متكررا للحياة والمأوى ومصدر الرزق.
قتل ثم منع الإسعاف
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد بهاء سامي أمين النتشة، البالغ من العمر 19 عاماً، مساء الجمعة، متأثراً بجروح حرجة أصيب بها برصاص المستوطنين في كوبر شمال غربي رام الله، مع احتجاز جثمانه.
وبحسب جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أطلق مستوطنون الرصاص الحي تجاه مواطنين في البلدة، فيما منعت قوات الاحتلال طواقم الإسعاف من الوصول إلى المصابين واستلامهم وتقديم العلاج لهم.
وقالت مصادر محلية، إن قوات الاحتلال اقتحمت البلدة وأطلقت قنابل الغاز صوب المواطنين، ما أدى إلى إصابة أحدهم بقنبلة في الرأس، ونقله إلى عيادة البلدة.
وتضع هذه التفاصيل واقعة كوبر ضمن خطر يتجاوز إطلاق النار نفسه، إذ يمتد إلى قدرة المصابين على الحصول على إسعاف، في وقت تحذر فيه مؤسسات إنسانية من أن قيود الحركة والعنف تعرقل الاستجابة الطبية في الضفة.
حصيلة تتضاعف قبل نهاية العام
وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا على يد المستوطنين خلال الأشهر المنقضية من 2026 ضعف حصيلة العام الماضي، فيما تركز نحو 73% من الشهداء في محافظتي رام الله والبيرة ونابلس.
وسجلت الهيئة 15 شهيداً في رام الله والبيرة، وسبعة في نابلس، مقابل ثلاثة في الخليل، وشهيدين في كل من القدس وسلفيت، وشهيد واحد في قلقيلية.
وتوثق المعطيات هجمات أوقعت أكثر من شهيد في واقعة واحدة، كما حدث في أبو فلاح وتل، واعتداءات طالت مدرسة المغير وأطراف البلدات.
واعتبرت الهيئة أن هذه الوقائع تظهر كيف بات عنف المستوطنين يهدد الفلسطينيين في أماكن سكنهم وتعليمهم وعملهم، ويضاعف الضغوط الرامية إلى اقتلاعهم من أرضهم.
وتكشف المقارنة السنوية حجم التصاعد: فالحصيلة المسجلة حتى مطلع أكتوبر تجاوزت عاماً كاملاً، بينما ما يزال الفلسطينيون يواجهون الاعتداءات خلال الأشهر المتبقية من العام.
هجمات أكثر وفي تجمعات أوسع
وتتقاطع الحصيلة القاتلة مع معطيات أممية توثق زيادة الاعتداءات واتساع نطاقها، ففي تقرير صدر في 11 سبتمبر المنصرم، سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات بين يناير وأغسطس 2026.
وبلغ المعدل اليومي 6.7 هجمات، مقابل خمسة خلال العام الماضي، وطالت الاعتداءات 275 تجمعاً فلسطينياً خلال ثمانية أشهر، مقارنة بـ279 تجمعاً طوال عام 2025، بما يظهر اقتراب نطاقها الجغرافي من حصيلة العام السابق قبل انتهاء العام الجاري.
ويعني اتساع الاعتداءات تعرض مزيد من التجمعات لخطر يطال تفاصيل الحياة اليومية، من الوصول إلى الحقول والمراعي إلى حماية المنازل والممتلكات.
البؤر الاستيطانية توسّع دائرة الخطر
ويربط مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها “أكليد”، في تحليل حديث، تصاعد العنف بانتشار البؤر الاستيطانية، خصوصاً الزراعية والرعوية، قرب التجمعات الفلسطينية، وزيادة تسليح المستوطنين وضعف المساءلة.
ووثق المشروع 203 وقائع استخدم فيها مستوطنون الأسلحة النارية منذ مطلع 2026 وحتى 11 سبتمبر، مقارنة بـ185 خلال العام الماضي بأكمله، وتشمل هذه الوقائع إطلاق النار المباشر واستخدام الأسلحة أثناء الهجمات الجماعية.
وبحسب التحليل، أدى إنشاء بؤر جديدة قرب القرى إلى ظهور مواقع اعتداء متكررة، فيما شملت الهجمات استهداف المزارعين والرعاة، وتدمير الأشجار والمحاصيل، والاستيلاء على الأراضي والمواشي.
ويشير المشروع إلى أن فقدان الوصول إلى الأرض يضعف مصادر الرزق ويزيد خطر النزوح، لتصبح الاعتداءات وسيلة ضغط اقتصادي على التجمعات الريفية، إلى جانب تهديدها المباشر لحياة السكان.
وتظهر بيانات “أوتشا” أن هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها باتت المحرك الرئيسي للتهجير في الضفة خلال الفترة التي يغطيها تقرير 11 سبتمبر.
فمن بين أكثر من أربعة آلاف فلسطيني هُجّروا منذ مطلع العام بفعل الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين وقيود الوصول، ارتبطت أكثر من 60% من الحالات باعتداءات المستوطنين والقيود المصاحبة لها.
وامتد الأثر إلى التعليم؛ إذ أُهملت عشر مدارس في المنطقة المصنفة “ج”، كانت تخدم أكثر من 360 طالباً، بعد تهجير التجمعات التي تخدمها بالكامل نتيجة الاعتداءات المتكررة وقيود الوصول.
هكذا، لا ينتهي أثر الهجوم بانسحاب المعتدين، فالأرض التي يتعذر الوصول إليها تفقد دورها مصدراً للرزق، والتجمع الذي يغادره سكانه يفقد مدرسته وروابط حياته اليومية، بينما تتراكم الخسائر لتجعل العودة والبقاء أكثر صعوبة.

