
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يكن المشهد الأخير في حياة الفتى الفلسطيني صهيب لباد، البالغ من العمر 16 عاما، مجرد صورة لفتى يحمل سلاحا ويقترب من آلية عسكرية إسرائيلية؛ بل كان، في نظر كثيرين ممن تفاعلوا مع قصته، اختصارا قاسيا لحياة جيل كامل من أطفال غزة الذين كبروا تحت القصف، وفقدوا عائلاتهم وبيوتهم وأمانهم، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة حرب لم يختاروها، بعد أن خذلهم مليارا مسلم والعالم أجمع ولم يقفوا إلى جانبهم لوقف الجريمة.
وأعاد مقطع مصور ظهر فيه لباد وهو يقترب من آلية عسكرية إسرائيلية ويطلق قذيفة مضادة للدروع، إلى الواجهة قصة طفل فلسطيني سبقت لحظة ظهوره في الميدان مأساة طويلة من الفقد والدمار.
فخلف الصورة التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، كانت هناك عائلة فقدت أفرادا منها، وبيت دمرته الحرب، وطفولة انقطعت مبكرا تحت وطأة القصف والنزوح والخوف.
قصة الفقد المروعة
وكشفت روايات وتغريدات صحفية وإعلامية متداولة أن صهيب فقد والدته وشقيقته ناصرة وثلاثة من إخوته، محمد وهاني وأنس، إلى جانب عدد من أقاربه، خلال قصف طال منزل أفراد من عائلته في حي الدرج شرقي مدينة غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ليبقى، وفق هذه الروايات، أصغر أفراد أسرته وأكثرهم تعلقا بوالدته.
وأعاد الإعلامي خالد صافي طرح السؤال الذي يتجاوز المشهد العسكري ذاته: كيف يصل طفل في السادسة عشرة إلى ساحة حرب؟ ورأى أن اختزال صهيب في كونه “مقاتلا” أو “طفلا” لا يجيب عن حقيقة ما صنعته الحرب في حياته، موضحا أن الصورة المتداولة لا تظهر المنزل الذي دُمر، ولا الأم التي فقدها، ولا الإخوة الذين رحلوا، ولا سنوات الخوف والتهجير التي سبقت تلك اللحظة.
وربط الصحفي محمد هنية قصة صهيب بمأساة أوسع يعيشها أطفال وشبان قطاع غزة، مشيرا إلى أن الفتى فقد والدته وشقيقته وثلاثة من إخوته وعددا من أقاربه في مجزرة عام 2023، وأنه كان “آخر العنقود” في أسرته والمدلل لدى والدته. واعتبر هنية أن قصة صهيب ليست حالة منفردة، بل صورة من صور جيل كامل عاش فقدان أفراد عائلاته وتحول البيت والمدرسة والشارع إلى أماكن مرتبطة بالقصف والخوف والموت.
محاولة للفهم
وأثارت القصة نقاشا واسعا على منصة “إكس”، إذ تجاوزت ردود الفعل تفاصيل المقطع المصور إلى محاولة فهم الظروف الإنسانية التي أحاطت بطفل وجد نفسه وسط حرب مدمرة.
وكتب الصحفي يحيى بشير أن التفاعل مع صورة صهيب أعاد طرح سؤال الأطفال الذين استشهدوا في غزة، متسائلا عما فعله العالم لوقف الحرب، وما الذي يمكن أن ينتظره مجتمع يتعرض للموت والدمار سوى أن يترك وراءه أجيالا تحمل آثار ما عاشته.
ورأى الناشط عبود بطاح أن المشهد لا يمكن فصله عن البيئة التي عاش فيها الطفل، متسائلا عما يمكن توقعه من طفل استشهد أهله ودُمر بيته وهُجّر وحُرم من طفولته. وأشار إلى أن جيلا جديدا نشأ وسط الألم والفقدان والدمار، محذرا من أن تجاهل هذه التجربة الإنسانية يعني تجاهل الآثار العميقة التي تتركها الحروب في ذاكرة الأطفال ومستقبلهم.
واستحضرت الناشطة سوزان حلحولي في تفاعلها اسم الفتى الفلسطيني فارس عودة، الذي أصبح رمزا لطفولة فلسطينية واجهت الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية، وربطت بين أجيال متعاقبة انتقلت من مواجهة الاحتلال بالحجارة إلى واقع أكثر قسوة فرضته سنوات الحرب على غزة.
أين المواثيق الدولية؟
واستشهدت تغريدات أخرى بقصة صهيب باعتبارها دليلا على أن الحرب لم تقتل الأطفال فحسب، وإنما انتزعت منهم أيضا المساحات الطبيعية للطفولة، من الأسرة إلى البيت والمدرسة والأصدقاء والأحلام.
وركزت هذه التفاعلات على المفارقة بين المواثيق الدولية التي تتحدث عن حماية الأطفال في النزاعات، وبين واقع أطفال غزة الذين عاشوا تحت القصف والحصار والنزوح وفقدان ذويهم، في ظل عجز دولي عن وضع حد للحرب.
ووصف الصحفي أحمد حمدان صهيب في تغريدة له بأنه فتى في السادسة عشرة واجه آلية عسكرية مدججة بالسلاح، مستحضرا في قراءته صورة أسامة بن زيد في التاريخ الإسلامي، فيما اتجهت تفاعلات أخرى إلى التركيز على صغر سن الفتى وما حملته قصته من دلالات مرتبطة بجيل كامل نشأ في بيئة الحرب.
وتداول ناشطون وكتاب أبياتا شعرية وتعليقات تستحضر صغر سن صهيب أمام حجم الفعل الذي ظهر في المقطع، بينما ركزت منشورات أخرى على أنه كان واحدا من أطفال وشبان عاشوا سنوات الحرب تحت القصف والفقدان، قبل أن ينخرط، في صفوف كتائب القسام، في مشهدٍ وثقته الكتائب في سلسلة أقمار الطوفان.
وأظهر المقطع المصور صهيب برفقة عدد من المقاتلين خلال تنفيذ كمين، قبل أن يقترب من دبابة إسرائيلية متوغلة ويطلق عليها قذيفة “الياسين”، وسط إطلاق مكثف للنيران.
وجاءت اللقطات ضمن سلسلة “أقمار الطوفان”، وهي إصدارات مرئية تنشرها كتائب القسام لتوثيق مسيرة مقاتليها الذين قتلوا خلال معركة “طوفان الأقصى” والمواجهات التي تلتها.
الحرب في ذاكرة الناجين
لكن الصورة التي بقيت عالقة في ذاكرة المتابعين لم تكن صورة السلاح وحده، وإنما صورة طفل كان من المفترض أن يكون في السادسة عشرة من عمره منشغلا بمدرسته وأصدقائه وأحلامه، لا أن يحمل في ذاكرته قائمة من أسماء أفراد أسرته الذين فقدهم في الحرب.
وتكشف قصة صهيب، بعيدا عن الموقف من العمل العسكري نفسه، واحدة من أكثر النتائج قسوة للحرب على غزة: أن الطفل الذي يفقد أسرته وبيته وأمانه ومستقبله في وقت واحد، لا يخرج من الحرب كما دخلها.
فالحرب لا تنتهي عند لحظة القصف أو سقوط الضحية، وإنما تواصل حضورها داخل الناجين، وفي ذاكرتهم وسلوكهم ونظرتهم إلى العالم.
وأعادت مأساة صهيب إلى الواجهة أيضا سؤال المسؤولية الدولية تجاه أطفال غزة، بعدما وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع لا يشبه ما تقوله الاتفاقيات الدولية عن حماية الطفولة في زمن الحرب.
فالأرقام التي تتحدث عن آلاف الأطفال الذين قتلوا أو أصيبوا أو فقدوا عائلاتهم لا تختصر حكاياتهم، كما أن صورة طفل يحمل سلاحا لا تختصر وحدها قصة طفولته التي سُلبت منه.
وبينما انشغلت منصات التواصل بالمشهد الأخير من حياة صهيب، بقيت الأسئلة الأهم معلقة خلف الصورة: ماذا فعلت الحرب بطفل فقد أمه وإخوته؟ وكيف يمكن لجيل كامل أن يتجاوز ذاكرة القتل والنزوح والدمار؟ وماذا سيبقى من طفولة أطفال غزة بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة آلة حرب واسعة، بينما عجز العالم عن حمايتهم ووقف المأساة التي عاشوها؟
وتحمل قصة صهيب لباد، في هذا السياق، أكثر من معنى؛ فهي ليست فقط حكاية فتى ظهر في تسجيل مصور وهو يواجه آلية عسكرية، وإنما حكاية طفل تشكلت ملامحه تحت وقع الحرب، وجزء من جيل فلسطيني عاش سنوات من الخوف والفقدان والدمار، ليترك رحيله سؤالا إنسانيا أكبر من المشهد نفسه: كم طفلا آخر في غزة ما زال يحمل داخله آثار الحرب، وكم منهم سيدفع ثمنها النفسي والإنساني لسنوات طويلة قادمة؟

(@AbwYl10389) 