
المركز الفلسطيني للإعلام
حذرت مؤسسة القدس الدولية من تصاعد سياسة الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى إحكام التعتيم على ما يجري داخل المسجد الأقصى المبارك، معتبرة أن تعطيل قدرة الأوقاف الإسلامية في القدس على نقل صورة العدوان والانتهاكات إلى الأمة العربية والإسلامية والعالم، يأتي في سياق مسعى أوسع لتفريغ دورها من مضمونه والتمهيد لإلغائه.
وأشارت المؤسسة في بيان صحفي صادر عنها، إلى أن أول أيام موسم العدوان الطويل على المسجد الأقصى، الأحد 13 أيلول/ سبتمبر الجاري، شهد اقتحام 593 مستوطناً للمسجد، في يوم يمثل عادة محطة متجددة لمحاولات فرض طقوس يهودية، وفي مقدمتها نفخ البوق، فيما غابت الصورة من داخل المسجد بصورة كاملة، الأمر الذي كشف، بحسب تقديرها، حجم العجز العربي والإسلامي عن معرفة ما يجري في الأقصى وتوثيقه، فضلاً عن توفير الحماية والدفاع عنه.
وقالت القدس الدولية إن حالة العجز الراهنة جاءت نتيجة سياسة تعتيم إعلامي شاملة عمل الاحتلال على فرضها بصورة تدريجية، مستهدفاً في مراحلها الأولى حراس المسجد الأقصى من خلال الإبعاد والاعتقال وهدم المنازل، إلى جانب إضعاف قدرتهم على القيام بدورهم في نقل ما يجري داخل المسجد إلى الرأي العام.
وفي هذا الإطار، توقفت المؤسسة عند التعميم الصادر عن مدير أوقاف القدس في 28 تموز/ يوليو 2020، والذي منع مديري وموظفي الأوقاف من التصريح والنشر الإعلامي إلا بعد الحصول على موافقته، معتبرة أن هذا التوجه أضعف إحدى الوظائف الأساسية للأوقاف في حماية صورة الأقصى وإبقاء ما يتعرض له حاضراً أمام الأمة العربية والإسلامية.
وأكدت أن موقفها من هذا التوجه كان واضحاً منذ صدوره، إذ سبق أن رفضته ودعت الأوقاف، عبر رسائل وبيانات متتالية، إلى التراجع عنه، باعتبار أن تقييد الدور الإعلامي للأوقاف لا يحد من الخطر الإسرائيلي، وإنما يضعف موقفها في مواجهة المساعي الرامية إلى إلغاء وجودها ودورها في المسجد الأقصى.
ومع بدء الاحتلال، منذ عام 2023، بمنع المرابطين والمصلين من التواجد في طريق المقتحمين أثناء اقتحاماتهم، تراجعت كذلك فرص التوثيق المباشر من داخل المسجد، رغم أن بعض المصلين تمكنوا في فترات سابقة من تجاوز تلك الإجراءات وإيصال جانب من الصورة إلى الخارج.
غير أن حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة وما رافقها من ترهيب وإجراءات أمنية مشددة، إلى جانب التوسع في سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى وتشديد الحصار على أبوابه ونشر الحواجز والدوريات في محيطه وداخله، أسهمت في تقليص قدرة الفلسطينيين على نقل ما يجري في المسجد، وصولاً إلى حالة التعتيم الحالية.
المنصات المقدسية في مرمى التعتيم
وبحسب مؤسسة القدس الدولية، بلغ مسار التعتيم ذروته مع حظر الاحتلال للمنصات المقدسية الإعلامية التي كانت تمثل الصوت المتبقي للمسجد الأقصى ومدينة القدس، في خطوة جاءت ضمن سياق التحضير لإغلاق المسجد بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران.
وأضافت أن ذلك الإغلاق استمر أربعين يوماً، وهو ما عطّل، بصورة غير مسبوقة، قدرة أي طرف فلسطيني أو عربي أو إسلامي على توثيق ما يشهده المسجد الأقصى من عدوان وانتهاكات، وسمح للمستوطنين، ولو بصورة مؤقتة، باحتكار الصورة من داخل المسجد عبر ما ينشرونه على منصاتهم الخاصة.
وترى المؤسسة أن غياب الصورة لا يعني غياب العدوان، بل يكشف نجاح الاحتلال في بناء منظومة متدرجة تمنع وصول صورة ما يحدث في الأقصى إلى الخارج، وتحد من قدرة الجهات الفلسطينية والعربية والإسلامية على فضح الانتهاكات والتصدي لمحاولات فرض وقائع جديدة في المسجد.
الأردن مطالب بحماية دوره في الأقصى
وفي مواجهة هذا المسار، وجهت مؤسسة القدس الدولية مطالبة مباشرة إلى الأردن الرسمي بضرورة تغيير نهج التعامل مع الخطر المتصاعد على دور الأوقاف الإسلامية في القدس، والعمل على حماية دوره في رعاية المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة.
وشددت المؤسسة على أن تعطيل الاحتلال الممنهج لوظائف الأوقاف، ومن بينها وظيفتها المركزية في نقل صورة ما يجري في الأقصى إلى الأمة العربية والإسلامية وإلى العالم، لا يستهدف وظيفة إعلامية فحسب، وإنما يندرج في مسعى لتفريغ وجود الأوقاف من معناه، وإضعاف شرعية دورها، والتمهيد لمحاولة إلغائه وفرض إدارة إسرائيلية على المسجد.
وحذرت من أن استمرار التعامل مع هذه الإجراءات بالنهج ذاته الذي اتبع خلال السنوات الماضية قد يتيح للاحتلال مواصلة تقليص مساحة عمل الأوقاف تدريجياً، وصولاً إلى فرض أمر واقع يجعل وجودها شكلياً ويضعف قدرتها على ممارسة دورها التاريخي والقانوني في المسجد الأقصى.
ودعت المؤسسة الأردن الرسمي إلى التحرك بصورة أكثر فاعلية لحماية هذا الدور، معتبرة أن الخطر لم يعد يقتصر على انتهاك حرمة المسجد أو التضييق على المصلين، بل بات يستهدف بصورة مباشرة الجهة التي تتولى رعاية المقدسات والحفاظ على هويتها الإسلامية.
الأقصى في مواجهة سياسة التطبيع مع الحصار
وفي الوقت ذاته، وجهت القدس الدولية نداءً إلى المرابطين وأبناء القدس والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، داعية القادرين منهم إلى شد الرحال إلى المسجد الأقصى والصلاة على أعتابه في حال منعهم الاحتلال من دخوله، وعدم الاستكانة لما يحاول فرضه من أيام منع وحصار خلال مواسم العدوان.
وأكدت أن تطبيع إجراءات المنع والحصار في الوعي العام، والتعامل معها باعتبارها أمراً اعتيادياً خلال الأعياد اليهودية، من شأنه منح الاحتلال مساحة أوسع لفرض قيود جديدة على الوصول إلى المسجد، فيما دعت المرابطين إلى مواصلة نقل الصورة من الأقصى ومحيطه بكل وسيلة ممكنة.
إعلامياً، طالبت المؤسسة وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والإسلامية والإعلاميين والناشطين بإطلاق حملة واسعة تضع المسجد الأقصى في مركز الاهتمام، خصوصاً خلال موسم العدوان الحالي الممتد حتى السبت 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2026.
وأكدت أن المطلوب لا يقتصر على تغطية الاقتحامات عند وقوعها، وإنما إبقاء المسجد الأقصى والخطر المحدق به في صدارة الوعي العربي والإسلامي، وتسليط الضوء على ما يتعرض له من انتهاكات ومحاولات لتغيير واقعه، بما يسهم في حشد الجهود والقوى من حوله وكسر طوق الحصار والتعتيم المفروض عليه وعلى مرابطيه.
وختمت مؤسسة القدس الدولية بالتشديد على أن حماية الأقصى تتطلب مواجهة المسار المتدرج الذي يسعى الاحتلال من خلاله إلى تغييب الصورة وإضعاف دور الأوقاف وتطبيع الحصار والاقتحامات، داعية إلى تحرك أردني رسمي يحمي دوره في رعاية المسجد، وإلى حضور فلسطيني وإعلامي عربي وإسلامي أكثر فاعلية في مواجهة محاولات فرض واقع جديد على الأقصى.

