
المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقرر في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يتسع النقاش داخل الجاليات الفلسطينية في أوروبا حول الطريقة التي سيُختار بها ممثلو الشتات، في وقت بدأت فيه حراكات شعبية في السويد والدنمارك، بالتوازي مع تحركات في هولندا ولندن وبرلين، تطرح سؤالًا يتجاوز تفاصيل العملية الانتخابية إلى جوهر التمثيل الفلسطيني: من يملك حق اختيار من يمثل الفلسطينيين في المجلس الوطني؟
الحراك الذي بدأ من السويد خلال يوليو/تموز الماضي لا يطرح نفسه مشروعًا سياسيًا بديلًا، وفق القائمين عليه، ولا يستهدف فصيلًا فلسطينيًا بعينه، وإنما يركز على مبدأ انتخاب ممثلي الجاليات بصورة مباشرة كلما كان ذلك ممكنًا، ويرفض أن يتحول التعيين أو التوافق أو المجمعات الانتخابية إلى بديل دائم عن إرادة الناخبين.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن المجلس الوطني ليس مجرد هيئة تمثيلية للجاليات الفلسطينية، بل هو أحد الأطر المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولذلك فإن طريقة تشكيله ترتبط بصورة مباشرة بسؤال الشرعية والتمثيل داخل النظام السياسي الفلسطيني.
خلاف على الآلية لا على أصل الانتخابات
المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن النظام الانتخابي الذي صودق عليه في يونيو/حزيران 2026 ينص على انتخاب أعضاء المجلس الوطني في الوطن والشتات بانتخابات عامة وحرة ومباشرة وبالاقتراع السري، ويحدد عدد أعضاء المجلس بـ350 عضوًا، بينهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات.
لكن النظام نفسه يضع استثناءً للمناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، إذ يسمح باختيار الأعضاء من خلال المجمع الانتخابي أو التوافق الذي يضم مكونات الساحة الفلسطينية في تلك المنطقة، أو عبر التوافق والتعيين وفق أحكام النظام.
وهنا تحديدًا يبدأ الخلاف الذي يطرحه الحراك في أوروبا، فالمشكلة، من وجهة نظر القائمين عليه، ليست في وجود آلية بديلة عندما يستحيل إجراء الانتخابات، وإنما في متى يصبح التعذر قائمًا، ومن يحدد وجوده، وما إذا كان البديل سيظل استثناءً أم يتحول عمليًا إلى قاعدة.
ويطالب الحراك بأن يكون الاقتراع المباشر هو الأصل في الدول التي تسمح ظروفها القانونية والعملية بذلك، وألا يتم الانتقال إلى المجمع الانتخابي أو التوافق إلا بعد إثبات تعذر الانتخابات المباشرة.
وهذا الطرح يضع معيارًا واضحًا للخلاف: ليس رفض المجمع الانتخابي بوصفه فكرة في كل الحالات، وإنما الاعتراض على استخدامه قبل استنفاد إمكانية الاقتراع المباشر.
السويد.. نقطة الاشتعال
تظهر السويد بوصفها الحالة الأوضح التي فجّرت هذا النقاش، ففي 28 أغسطس/آب، أعلنت لجنة انتخابات المجلس الوطني الاتفاق على اعتماد المجمع الانتخابي آلية لاختيار ممثلي الجالية الفلسطينية في السويد، مع تشكيل لجان فنية وانتخابية لاستكمال الترتيبات وضمان عملية وصفتها اللجنة بالديمقراطية والشفافة والنزيهة.
لكن هذا القرار واجه اعتراضًا من الحراك الشعبي الفلسطيني في السويد، الذي يقول إن الظروف في البلاد تسمح، وفق تقديره، ببحث خيارات أخرى، وفي مقدمتها الانتخاب المباشر أو التصويت الإلكتروني.
ويقول الناشط الفلسطيني الدكتور خليل عاصي إن جوهر الاعتراض يتمثل في أن قرار اعتماد المجمع الانتخابي اتُّخذ قبل وصول وفد لجنة الانتخابات إلى ستوكهولم، وإن الوفد أبلغ الحراك بعدم إجراء انتخابات مباشرة في السويد حتى في حال سماح السلطات السويدية بذلك.
وبحسب روايته، فإن المشكلة ليست في المجمع الانتخابي من حيث المبدأ، وإنما في استبعاد الانتخاب المباشر مسبقًا بدل بحث إمكانية إجرائه أولًا.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها؛ لأن السؤال لم يعد فقط: «هل سننتخب؟»، وإنما أصبح: من سيحدد شكل الانتخاب، وعلى أي أساس؟
من يمثل الجالية.. الناخب أم النخب؟
ينطلق الحراك في السويد من فكرة أن الجالية الفلسطينية في أوروبا ليست مجرد كتلة سكانية خارج الوطن، وإنما جزء من الشعب الفلسطيني الذي يفترض أن تكون له القدرة على المشاركة في تحديد ممثليه.
ويقول عاصي إن المبادرة التي انطلقت في السويد تقوم على ثلاث ركائز: أن تكون شعبية ووطنية ومفتوحة أمام الفلسطينيين في أوروبا، وأن تلتزم بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مع الدعوة إلى تطوير دورها وإصلاح مؤسساتها، وأن تتعاون مع مختلف المكونات والمؤسسات الفلسطينية على قاعدة الشراكة والتكامل بعيدًا عن الإقصاء.
ومن هنا، فإن الحراك لا يطرح نفسه ضد منظمة التحرير، بل يقول إن إصلاح المنظمة وتجديد مؤسساتها يمران، في أحد جوانبهما، عبر إعادة إشراك الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.
ويضع ذلك المجلس الوطني أمام اختبار مختلف عن مجرد استكمال عدد المقاعد؛ فالسؤال بالنسبة إلى هؤلاء الناشطين هو ما إذا كان المجلس سيعكس فعلًا الوزن الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين، أم سيبقى أسيرًا لترتيبات التمثيل التي نشأت في مراحل تاريخية مختلفة.
أزمة أقدم من انتخابات 2026
في خطاب الحراك، لا يتعلق الأمر بانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني وحدها.
فالاعتراض على المحاصصة والتعيين والمجمعات الانتخابية يعكس نقاشًا أوسع حول طبيعة منظمة التحرير نفسها، وآليات تجديد مؤسساتها، وعلاقة الفصائل بالتمثيل الشعبي.
ويقول عاصي إن آليات كانت مقبولة أو متوافقًا عليها في ظروف سابقة من القرن الماضي لم تعد، من وجهة نظره، مناسبة لتشكيل المجلس الوطني في الوقت الراهن، داعيًا إلى مجلس يتسع للجميع ويعكس الواقع الفلسطيني الحالي ويستمد شرعيته من الشعب.
كما ينتقد ما يصفه بتحول المجلس الوطني إلى إطار للتمثيل الفصائلي تحدد فيه أحجام الحضور وفق المحاصصة بين القوى، بدل أن تعكس العملية الانتخابية حجم التأييد الشعبي الحقيقي.
لكن هذا الطرح يفتح في المقابل سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف يمكن الجمع بين الدور التاريخي للفصائل في منظمة التحرير وبين مبدأ التمثيل الشعبي المباشر؟
الحراك نفسه يحاول تقديم إجابة عن ذلك، إذ يؤكد أن الدعوة إلى الانتخاب لا تعني إلغاء دور الفصائل والحركات والقوى الوطنية، وإنما تعني أن تكون هذه القوى جزءًا من عملية سياسية أوسع، لا أن تحل التوافقات بينها محل الناخبين.
المجمع الانتخابي.. متى يكون حلًا ومتى يصبح بديلًا؟
لا يقول الحراك في السويد إن المجمع الانتخابي مرفوض في جميع الأحوال.
بل يطرح معيارًا آخر: إذا تعذر الانتخاب المباشر، فمن الممكن البحث عن آلية بديلة، لكن يجب أن تكون هذه الآلية نفسها نابعة من الإرادة الشعبية.
وبحسب عاصي، يمكن أن يكون المجمع الانتخابي مقبولًا إذا اختار الفلسطينيون أعضاءه وكان ممثلًا لمختلف مكونات الجالية، بينما تكمن المشكلة في أن يتم تشكيله من خلال جهات محدودة أو فئات متنفذة، بما يجعل المجمع في هذه الحالة قناة لإعادة إنتاج التعيين بدل أن يكون أداة انتخابية.
وهذا هو الفارق الذي يريد الحراك إبرازه بين «المجمع الانتخابي» بوصفه آلية ديمقراطية استثنائية، وبين «المجمع الانتخابي» بوصفه طريقًا مختصرًا لتحديد ممثلي الجالية من خارج عملية الاقتراع المباشر.
التصويت الإلكتروني.. محاولة للخروج من معادلة الصندوق أو التعيين
أحد أكثر المقترحات إثارة في الحراك الأوروبي هو التصويت الإلكتروني.
فبدل أن تكون الخيارات محصورة بين إقامة مراكز اقتراع تقليدية أو الانتقال إلى المجمعات والتوافقات، يطرح الحراك إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا في الدول التي قد تواجه صعوبات لوجستية أو قانونية في تنظيم انتخابات تقليدية.
ويؤكد عاصي أن التصويت الإلكتروني يمكن أن يحافظ على خصوصية الناخب ويوسع دائرة المشاركة، فيما يوضح جهاد أبو راضي عزام، من الحراك الشعبي الفلسطيني في الدنمارك، أن التصويت الإلكتروني لم يكن أصلًا طرح الحراك هناك، لكنه لا يعارضه إذا توفرت ضمانات تقنية وقانونية تمنع الاختراق والتلاعب وتحمي سرية التصويت.
وبذلك، يصبح السؤال التقني جزءًا من سؤال سياسي أكبر: هل يمكن توظيف التكنولوجيا لتوسيع قاعدة المشاركة الفلسطينية في الشتات بدل استخدامها ذريعة لتقليصها؟
لكن التصويت الإلكتروني نفسه لا يلغي الحاجة إلى ضمانات دقيقة تتعلق بالهوية، وسرية الاقتراع، وأمن النظام، والتحقق من النتائج، والإشراف المستقل. ولذلك فإن طرحه يبقى مرتبطًا بمدى القدرة على توفير إطار قانوني وتقني يحظى بالثقة.
الدنمارك.. الحراك يطالب بإثبات التعذر
في الدنمارك، يتركز الموقف الشعبي الذي ينقله أبو راضي عزام على الانتخابات المباشرة عبر صناديق الاقتراع، ضمن سجل انتخابي واضح، ومراكز معلنة، وإشراف مستقل يضمن حرية الناخب وسرية صوته ونزاهة الفرز وإعلان النتائج.
ويقول إن الحراك لا يريد أن يقدم تفسيرًا قانونيًا من تلقاء نفسه بشأن مدى سماح القانون الدنماركي بإجراء اقتراع فلسطيني لاختيار ممثلي المجلس الوطني، بل يطالب السفارة الفلسطينية والجهات الرسمية بالتحقق من الأمر مع السلطات الدنماركية المختصة.
وفي حال وجود مانع قانوني، يطالب الحراك بأن يكون هذا المانع واضحًا ومعلنًا من الجهة الرسمية المختصة، بدل أن يبنى النقاش على افتراضات أو تفسيرات غير موثقة.
وهذه النقطة تمنح النقاش بعدًا مختلفًا؛ فالحراك لا يكتفي بالقول إن الانتخاب المباشر ممكن، بل يطالب أيضًا بتحديد الجهة التي تقرر أنه غير ممكن، وتقديم الأساس القانوني لذلك.
حراك يتجاوز حدود السويد والدنمارك
لم يعد النقاش محصورًا في بلدين أوروبيين.
فوفق المادة الأصلية، يجري التنسيق مع تجمعات وحراكات فلسطينية في هولندا ولندن وبرلين، فيما يشير القائمون على المبادرة إلى رغبتهم في بناء إطار شعبي فلسطيني أوروبي عابر للحدود.
كما يتقاطع هذا النقاش مع اعتراضات فلسطينية في الكويت ولبنان وتركيا وسوريا وأميركا اللاتينية حول التعيين والمحاصصة وآليات اختيار ممثلي الشتات.
وفي ألمانيا، عقدت لجنة المتابعة للتحضير لانتخابات المجلس الوطني لقاءات مع فصائل منظمة التحرير والاتحادات والمنظمات الشعبية ومؤسسات الجاليات وشخصيات مستقلة، لمناقشة أوضاع الجالية وخطوات انتخاب ممثليها وفق صيغة ديمقراطية وبما يراعي الظروف المتاحة.
وهذا يعني أن أوروبا تتحول إلى إحدى الساحات الأساسية للنقاش حول الشكل الذي ستتخذه مشاركة الفلسطينيين في الخارج في انتخابات المجلس الوطني.
المعركة الحقيقية: الشرعية بعد الصندوق
ربما يكون الجانب الأكثر عمقًا في هذا النقاش هو أن الحراك لا يرى الانتخابات نهاية القضية.
فبحسب عاصي، فإن إجراء الانتخابات لن يحل وحده الأزمة السياسية الفلسطينية المتراكمة، لكنه يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات الوطنية. والأهم من ذلك، أنه يرى أن ضمان الانتخابات لا يتوقف عند عملية الاقتراع، وإنما يبدأ بعدها من خلال الالتزام الفلسطيني الداخلي باحترام النتائج وحمايتها.
وهنا تتجاوز المسألة قضية «كيف ننتخب؟» إلى سؤال «ماذا سيحدث بعد أن ننتخب؟».
فإذا أُجريت انتخابات حرة، ثم لم تحظ نتائجها بالقبول السياسي، فإن العملية الانتخابية قد تنتج أزمة جديدة بدل أن تنهي أزمة الشرعية.
أما إذا جرى احترام النتائج، فقد تتحول الانتخابات إلى أداة لإعادة بناء العلاقة بين الفلسطينيين ومؤسساتهم الوطنية، وخصوصًا في الشتات الذي ظل لعقود جزءًا أساسيًا من بنية منظمة التحرير، لكنه يواجه اليوم أسئلة متزايدة حول حجم مشاركته الفعلية في صناعة القرار.
بين النص الانتخابي والممارسة.. أين يقف الخلاف؟
المفارقة الأساسية التي تكشفها الحالة الأوروبية أن النص الرسمي نفسه يضع الانتخاب المباشر أساسًا للعملية، لكنه يترك باب المجمع الانتخابي والتوافق مفتوحًا في الحالات التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع.
لذلك فإن الخلاف الحالي لا يبدو، في جوهره، خلافًا على مبدأ الانتخابات، بل على تفسير شرط التعذر وتحديد حدوده وآلية إثباته.
الجهات الرسمية تقول إن صيغة «الانتخابات حيثما أمكن، والتوافق حيثما تعذر» تراعي الظروف السياسية والقانونية والأمنية المختلفة للتجمعات الفلسطينية في الخارج، وقد أعلنت لجنة المتابعة أنها تعمل على تنفيذ الانتخابات في إطار منسق مع الوطن، مع مراعاة أوضاع الدول المضيفة.
أما الحراك الأوروبي فيطالب بأن تكون قاعدة «حيثما أمكن» واسعة قدر الإمكان، وألا يتم الانتقال إلى الاستثناء قبل التحقق بصورة واضحة من عدم إمكانية الاقتراع المباشر.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية النقاش؛ لأن الفرق بين الآليتين ليس تقنيًا فقط، بل يمس طبيعة مصدر التمثيل نفسه.
نحو اختبار جديد لتمثيل فلسطينيي الشتات
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يبدو أن الجدل حول المجلس الوطني يتجه إلى اختبار أكبر من مجرد اختيار عدد من الأعضاء في دول الشتات.
إنه اختبار لعلاقة الفلسطينيين بمؤسساتهم الوطنية، وللقدرة على إعادة بناء تمثيل يستوعب التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني خلال العقود الماضية، بما فيها اتساع انتشار الفلسطينيين في أوروبا وتغير أجيال الجاليات وظهور أطر شعبية ومدنية جديدة إلى جانب البنية الفصائلية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، فإن حراك السويد والدنمارك يطرح سؤالًا واضحًا أمام العملية الانتخابية: إذا كان الانتخاب المباشر هو الأصل في النظام الانتخابي، فهل ينبغي أن يكون اللجوء إلى المجمعات استثناءً ضيقًا تثبته الضرورة، أم آلية يمكن اعتمادها بمجرد تقدير الجهات القائمة على الانتخابات أن الظروف لا تسمح؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، شكل مشاركة الفلسطينيين في أوروبا في المجلس الوطني المقبل.
وفي جميع الأحوال، فإن القضية التي يرفعها الحراك لا تتوقف عند صندوق الاقتراع؛ إذ تتعلق بما بعده أيضًا: بمن يمثل الفلسطينيين، وكيف تُبنى الشرعية، وكيف تُحترم نتائج الاختيار الشعبي، وكيف يمكن لمنظمة التحرير أن تعيد وصل مؤسساتها بجمهورها في الوطن والشتات.
وبذلك، تتحول انتخابات المجلس الوطني من استحقاق إجرائي إلى نقاش أوسع حول إعادة تعريف التمثيل الفلسطيني وتجديد المؤسسات الوطنية على أساس مشاركة شعبية أوسع، دون إلغاء الدور التاريخي للفصائل أو تجاوز منظمة التحرير، وإنما عبر إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة والناخب والقوى السياسية على قاعدة أكثر اتساعًا وتمثيلًا.

