
المركز الفلسطيني للإعلام
تتسع دائرة النقاش الفلسطيني حول آليات إعادة تشكيل المجلس الوطني، في ظل بدء إجراءات اختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في الخارج، وسط اعتراضات على اعتماد المجمعات الانتخابية كوسيلة لاختيار ممثلي الجاليات، بدلًا من الانتخاب المباشر.
ويأتي الجدل في وقت يفترض أن تشكل إعادة بناء المجلس الوطني فرصة لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وتوسيع المشاركة السياسية، ما يجعل طريقة اختيار الأعضاء جزءًا أساسيًا من النقاش حول شكل المجلس المقبل ومدى قدرته على تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
الزير: التعيينات لا تمثل الإرادة الشعبية
وفي أحدث موقف من الجدل، انتقد نائب رئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، د. ماجد الزير، الإجراءات والتعيينات التي تجريها قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في عدد من دول الخارج، معتبرًا أنها “باطلة ومرفوضة ولا تعبر إلا عمن يقف خلفها”.
وقال الزير، في تصريح صحفي، إن ما يجري من تعيينات مجتزأة في عدد من الدول مع تغييب إرادة الشعب يمثل، وفق وصفه، “قفزًا صريحًا على الإرادة الشعبية الفلسطينية”، داعيًا إلى الانتقال نحو انتخابات حرة ونزيهة ترفض الإقصاء والتعيين والتفرد.
وأكد أن تشكيل مجلس وطني جامع ينبغي أن يستند إلى انتخابات تتيح مشاركة مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، معتبرًا الانتخابات استحقاقًا وطنيًا لتجديد شرعية المؤسسات وتعزيز المشاركة الشعبية.
ويرفض الزير في الوقت ذاته القول باستحالة إجراء انتخابات للفلسطينيين في الخارج، مستشهدًا بإمكانية إعداد سجل انتخابي في أوروبا خلال فترة قصيرة، وإجراء انتخابات شفافة بإشراف هيئات دولية وأوروبية.
الكويت.. الاختبار الأول للمجمعات الانتخابية
ويأتي موقف الزير بعد الجدل الذي أثارته انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت، والتي جرت من خلال مجمع انتخابي لا عبر اقتراع مباشر لجميع أبناء الجالية.
ووفق ما نشرته مصادر إعلامية، اختار المجمع الانتخابي عضوين لتمثيل الجالية في المجلس الوطني الجديد، فيما أعلنت الجالية الفلسطينية في الكويت اعتراضها على الآلية، مطالبة بالكشف عن كيفية تشكيل المجمع ومعايير اختيار أعضائه وأعداد المشاركين وتفاصيل عملية التصويت.
وتكمن حساسية المسألة هنا في أن الخلاف لا يتعلق بالضرورة بالأشخاص الذين فازوا، بقدر ما يتعلق بالسؤال السابق على ذلك: من منح هؤلاء الناخبين حق اختيار ممثلي آلاف الفلسطينيين؟
ففي الانتخابات المباشرة، يكون المسار أكثر وضوحًا؛ إذ يختار أبناء الجالية ممثليهم بأنفسهم. أما في نظام المجمع الانتخابي، فتنتقل عملية الاختيار إلى دائرة أضيق، ما يجعل معايير تشكيل هذه الدائرة وشفافيتها جزءًا أساسيًا من شرعية النتيجة.
بين الحل العملي ومشكلة التمثيل
لا تبدو الإشكالية في فكرة المجمع الانتخابي بحد ذاتها بقدر ما تتعلق بضمان ألا يتحول إلى بديل دائم عن المشاركة الشعبية.
فالجاليات الفلسطينية موزعة على دول تختلف في قوانينها وظروفها، وقد تجعل الانتخابات المباشرة معقدة في بعض الحالات. لكن اللجوء إلى آلية غير مباشرة يطرح في المقابل أسئلة إضافية حول من يشارك، وكيف يتم اختياره، ومدى تمثيله للمجتمع الفلسطيني الأوسع.
وهنا تبرز الحاجة إلى قواعد معلنة مسبقًا، تشرح بوضوح آلية تشكيل المجمعات، ومعايير اختيار أعضائها، ونسب تمثيلهم، وآليات الرقابة والطعن، حتى لا تتحول الإجراءات التنظيمية إلى مصدر جديد للخلاف السياسي.
فالانتخاب غير المباشر قد يكون أداة تنظيمية في ظروف محددة، لكنه يفقد كثيرًا من قيمته التمثيلية إذا لم يكن قائمًا على قاعدة انتخابية واضحة وواسعة وشفافة.
بدوره، وصف عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، د. باسم نعيم، حراك السلطة في الشتات لتشكيل “مجمعات انتخابية” لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، بأنه “مسرحية بائسة شكلاً ومضمونًا، تشبه مسرحيات الأنظمة الدكتاتورية في القرن الماضي”.
وأكد نعيم، في تصريح الاثنين، أن جميع ما يجري “مرفوض وغير شرعي”، مشددًا على أن الشعب الفلسطيني يستحق قيادة أفضل، وأنه “لم يفوض أحدًا ليختار ممثليه بالنيابة عنه”.
وأثارت آلية اختيار ممثلي الجالية الفلسطينية في دولة الكويت لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني الجديد موجة من الانتقادات، في أعقاب إجراء العملية وفق نظام “المجمع الانتخابي”، وسط اعتراضات على محدودية المشاركة المباشرة لأبناء الجالية.
وتضم الجالية الفلسطينية في الكويت عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ما أثار تساؤلات بشأن مدى تعبير آلية المجمع الانتخابي عن الإرادة الفعلية لأبناء الجالية، وعن طبيعة المعايير التي جرى على أساسها اختيار المشاركين في العملية الانتخابية.
لماذا يكتسب الأمر أهمية أكبر الآن؟
تزداد أهمية هذا النقاش مع الحديث عن تشكيل مجلس وطني جديد يضم تمثيلًا للفلسطينيين في الداخل والخارج، إذ إن طريقة اختيار أعضاء الخارج ستؤثر بصورة مباشرة في طبيعة المجلس وتركيبته السياسية.
ولهذا، فإن أي ترتيبات انتخابية في الشتات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراءات فنية لاختيار عدد من المقاعد، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء المؤسسة الوطنية الجامعة.
ومن هذه الزاوية، فإن اعتراضات الجاليات والقوى السياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد إعلان نتائج الانتخابات؛ فالمطلوب أن تكون شرعية العملية نفسها مقنعة للمشاركين فيها، وأن يشعر الفلسطيني في الخارج بأن له دورًا حقيقيًا في اختيار من يمثله.
المطلوب: توسيع المشاركة لا تضييقها
المجلس الوطني الذي يُراد له أن يمثل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم يحتاج إلى قاعدة شرعية واسعة، خصوصًا في ظل الحاجة المتزايدة إلى إعادة تفعيل المؤسسات الوطنية وتجاوز حالة الانقسام.
ومن هنا، فإن النقاش حول المجمعات الانتخابية يمكن أن يتحول من خلاف سياسي إلى فرصة لوضع قواعد أكثر وضوحًا لانتخابات الخارج، بحيث تكون الأولوية للانتخاب المباشر حيثما أمكن، وتُستخدم البدائل في الحالات التي يتعذر فيها ذلك، وفق ضوابط معلنة وتوافق وطني واسع.
فالغاية في النهاية ليست فقط إنجاز تشكيل المجلس الوطني، وإنما تشكيل مجلس يشعر الفلسطينيون في الداخل والشتات بأنه يعبر عنهم فعلًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل دعوة الزير إلى انتخابات حرة ونزيهة تتجاوز الخلاف على آلية إجرائية بعينها، لتطرح السؤال الأوسع: هل تكون إعادة تشكيل المجلس الوطني مدخلًا لتجديد التمثيل الفلسطيني وتوسيع المشاركة، أم أن آليات الاختيار نفسها ستصبح سببًا جديدًا للخلاف حول شرعيته؟
والإجابة عن هذا السؤال ستتحدد بقدر كبير من خلال مدى وضوح قواعد العملية، واتساع المشاركة فيها، وقدرة القائمين عليها على إقناع الفلسطينيين بأن أصواتهم هي التي تصنع ممثليهم.

