
المركز الفلسطيني للإعلام
في تطور جديد يكشف تعثر مشروع التلفريك الإسرائيلي في القدس المحتلة، انسحبت شركة هندسية إيطالية من المشاركة فيه، لتصبح خامس شركة أجنبية تتراجع عن المشروع الذي يواجه اعتراضات فلسطينية وحقوقية وعمرانية، وسط تحذيرات من تهديد ممتلكات عشرات العائلات الفلسطينية في بلدة سلوان، وتغيير المشهد التاريخي المحيط بالبلدة القديمة.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الأربعاء، إن شركة الاستشارات الهندسية المتخصصة في أنظمة التلفريك «ROPES»، ومقرها إقليم جنوب تيرول الإيطالي، رفضت تولي الأعمال الاستشارية للمشروع، بعدما أعلنت “سلطة تطوير القدس” الإسرائيلية اعتزامها إسناد العقد إليها دون طرح مناقصة عامة.
ونقلت الصحيفة عن المدير التنفيذي للشركة، شتيفان أوبيكسر، قوله إن شركته اعتذرت عن العمل بسبب التزامات أخرى في الهند، دون أن يؤكد أن الاعتبارات السياسية أو القانونية المتعلقة بالمشروع كانت وراء الانسحاب.
ويأتي هذا التطور بعد انسحاب أربع شركات أجنبية أخرى من المشروع خلال السنوات الماضية، ثلاث منها فرنسية وواحدة سويسرية، في ظل الجدل الذي يحيط بمساره وتداعياته على السكان الفلسطينيين والتراث التاريخي للقدس.
مسار يربط غرب القدس بمجمع استيطاني
ويبلغ طول مسار التلفريك المخطط له نحو 1.4 كيلومتر، ومن المفترض أن يربط أجزاء من غربي القدس بمجمع سياحي تبلغ مساحته نحو 16 ألف متر مربع، تعمل جمعية «إلعاد» الاستيطانية على الترويج له عند مدخل بلدة سلوان، قرب البلدة القديمة.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أقرت المشروع عام 2019، فيما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الالتماسات المقدمة ضده عام 2022، لكن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، رغم محاولات السلطات الإسرائيلية دفعه مجددًا.
وتزعم سلطات الاحتلال أن المشروع يهدف إلى تسهيل وصول الزوار إلى البلدة القديمة وحائط البراق، وتخفيف الازدحام المروري في محيطها، بينما تحذر منظمات فلسطينية وحقوقية ومؤسسات معنية بالتراث من أن مساره يخدم مخططات استيطانية، ويعزز السيطرة الإسرائيلية على مناطق فلسطينية في القدس المحتلة.
ونقلت «الغارديان» عن منظمة «عيمق شافيه»، المعنية بمواجهة توظيف الآثار والتراث لأغراض سياسية، تحذيرها من أن المشروع يهدد التجمعات الفلسطينية في سلوان، ويسهم في تغيير المشهد الثقافي والتاريخي للقدس، وترسيخ نفوذ المستوطنين في محيط البلدة القديمة.
54 منزلًا فلسطينيًا في دائرة التهديد
وتتمثل إحدى أبرز المخاطر التي يثيرها المشروع في تأثيره المباشر على الممتلكات الفلسطينية في حي وادي حلوة بسلوان، حيث تشير تقديرات منظمات حقوقية وتخطيطية إلى أن نحو 54 منزلًا فلسطينيًا قد تتأثر بأعمال المصادرة أو الاستيلاء على حقوق استخدام الأراضي والحيز الهوائي فوقها.
وبحسب التقرير البريطاني، أصدرت السلطات الإسرائيلية 17 إخطارًا بالاستيلاء على أراضٍ تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 8.7 دونمات، لإقامة الأعمدة والمنشآت اللازمة لمسار التلفريك.
ونقلت الصحيفة عن ساري كرونيش، مديرة قسم “القدس الشرقية” في منظمة «بمكوم» المعنية بحقوق التخطيط، أن المنازل الواقعة مباشرة أسفل المسار تضم نحو 450 فلسطينيًا، وأن عربات التلفريك قد تمر على ارتفاع لا يتجاوز أربعة أمتار فوق بعض الأسطح، وبالقرب من نوافذ المنازل.
وحذرت كرونيش من أن ذلك قد يمس خصوصية السكان، ويقيد إمكانات التوسع العمراني مستقبلًا، في منطقة تواجه أصلًا قيودًا على البناء والتخطيط.
ولا تقتصر المخاوف على الأضرار التي قد تلحق بالمنازل، إذ يعترض مختصون في الآثار والعمارة على إقامة منشآت كبيرة حول النسيج التاريخي للبلدة القديمة، لما قد تسببه من تشويه للمشهد العمراني وتغيير لطبيعة المنطقة المحيطة بالأسوار والمواقع التاريخية.
كما أثار المشروع اعتراضات من جهات معنية بحماية البيئة والتراث، ومن سكان فلسطينيين في سلوان، إلى جانب اعتراض الطائفة اليهودية القرائية على مرور المسار فوق مقبرتها.
شركات تتراجع
وسبق أن انسحبت شركات أجنبية من المشروع، وسط اعتراضات على موقعه وحساسيته السياسية والقانونية. ووفق «الغارديان»، فإن بعض حالات الانسحاب ارتبطت بالمخاوف المتعلقة بالمشاركة في مشروع يقع في القدس المحتلة.
وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة الفرنسية كانت قد طلبت عام 2015 من إحدى الشركات عدم المشاركة في المشروع، فيما انسحبت شركة «CNA» الفرنسية خلال العام الماضي، وتراجعت لاحقًا شركة «Histec Engineering» السويسرية، قبل انسحاب الشركة الإيطالية.
ورغم هذه الانسحابات، تتمسك ما تسمى بسلطة تطوير القدس بالمضي في المشروع، وتقول إن إجراءاته تسير وفق الجداول الزمنية المعتمدة. ونقلت الصحيفة عن متحدث باسمها قوله إن إعداد المناقصة يُتوقع أن يكتمل خلال الأشهر المقبلة، تمهيدًا لنشرها.
ولم ترد سلطة تطوير القدس على طلب «الغارديان» التعليق على انسحاب الشركة الإيطالية، كما لم تقدم جمعية «إلعاد» ردًا على أسئلة الصحيفة بشأن المشروع.
ويعيد تجدد الدفع بالمخطط تسليط الضوء على الصراع حول مستقبل القدس حيث تتداخل مشاريع النقل والسياحة والآثار مع قضايا الأرض والملكية والوجود الفلسطيني.

