تحت خيام غزة.. حفر الصرف تحاصر النازحين بين المرض والموت والتلوث طويل الأمد

تحت خيام غزة.. حفر الصرف تحاصر النازحين بين المرض والموت والتلوث طويل الأمد

المركز الفلسطيني للإعلام

في المسافة القصيرة بين خيمة وأخرى، لا يفصل النازح الغزي عن مياه الصرف الصحي سوى بضعة أمتار. حفرة محفورة في الرمال، خزان مياه منصوب إلى جوارها، ممر ضيق يسلكه الأطفال، وأرض امتصت خلال أشهر طويلة كميات هائلة من المياه العادمة؛ هكذا تشكلت حياة يومية جديدة في مخيمات النزوح، حيث لم يعد الخطر يأتي فقط من السماء أو من ركام البيوت، بل من باطن الأرض أيضًا.

ما بدأ كحل اضطراري للتعامل مع انهيار شبكات الصرف الصحي، تحول إلى واحدة من أكثر الأزمات صمتًا وخطورة في قطاع غزة.

فالحفر الامتصاصية المنتشرة بين الخيام لا تؤدي وظيفة خدمية فحسب، وإنما أصبحت نقاطًا مفتوحة لتسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية، ومصدرًا محتملاً للأمراض، وخطرًا مباشرًا على الأطفال والعاملين في حفرها، فيما تتجاور معها خزانات المياه التي يعتمد عليها النازحون للبقاء.

وبحسب تقارير، يوجد نحو 320 ألف حفرة امتصاصية عشوائية وغير مبطنة هندسيًا في محيط خيام النازحين في القطاع.

ويؤكد مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة، نضال غنيم، أن انتشار هذه الحفر يخلق خطرًا مزدوجًا: تماس مياه الصرف الصحي مع السكان من جهة، ووصول الملوثات إلى المياه الجوفية من جهة أخرى.

حين تصبح الحفرة قبرًا

لا تختصر المشكلة في التلوث والأمراض؛ فالحفرة نفسها يمكن أن تتحول إلى مصيدة موت.

رفيق العمودي، عامل يبلغ 42 عامًا ونازح في مخيم الصمود بمواصي خان يونس، كان واحدًا من العمال الذين شاركوا في حفر حفرة امتصاصية لخيمة سكنية، كانت الحفرة بعمق مترين ونصف وعرض متر واحد، فيما كانت التربة خليطًا من الرمل والطين.

يروي العمودي أنه أثناء العمل نزل أحد العمال إلى قاع الحفرة لتنظيف جوانبها وتسوية أرضيتها، من دون وجود تدعيم فعلي للجدران الترابية. وبعد ساعات من الحفر، انهار أحد الجوانب فجأة، وانهالت الرمال على العامل.

حاول زملاؤه إخراجه بأيديهم، ثم استُدعيت فرق الإنقاذ، لكن الرمال واصلت الانهيار، وانتهى الأمر بوفاة العامل اختناقًا تحتها.

يقول العمودي إن الحادثة غيرت نظرته إلى هذه المهنة بالكامل، بعدما أدرك أن “أي حفرة غير مدعمة قد تتحول في لحظات إلى قبر لمن بداخلها”، وفق شهادته التي نقلها التقرير.

وهنا تتكشف مفارقة قاسية: النازح الذي يبحث عن وسيلة بسيطة لتصريف مياه منزله المؤقت، قد يضطر إلى إنشاء حفرة في أرض لا يعرف خصائصها الجيولوجية، ومن دون معدات أو وسائل حماية، لتصبح عملية توفير خدمة أساسية مصدرًا لخطر آخر.

320 ألف حفرة.. ومدينة كاملة تحت الأرض

تكتسب أرقام الحفر معناها الحقيقي عندما توضع في سياق انهيار منظومة الصرف الصحي.

فوفق سلطة المياه الفلسطينية، توقفت محطات المعالجة الرئيسية الخمس في قطاع غزة عن العمل، فيما تعرضت عشرات محطات الضخ وشبكات الصرف لأضرار جسيمة. وتراجع عدد السكان المخدومين بشبكات الصرف الصحي من أكثر من 85% قبل الحرب إلى نحو 45%.

وفي سبتمبر/أيلول الحالي، قالت سلطة المياه إن نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تصرف يوميًا من دون معالجة؛ يذهب قرابة 40 ألف متر مكعب منها إلى البحر، بينما تتسرب نحو 15 ألف متر مكعب إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات.

وهذا يعني أن الحفر المنتشرة حول الخيام ليست حوادث منفصلة، بل جزء من منظومة واسعة انهارت فيها قدرة القطاع على جمع مياه الصرف ونقلها ومعالجتها.

كل يوم يمر يعني كمية جديدة من المياه العادمة التي تبحث عن طريق إلى الأرض أو الشوارع أو البحر.

من الحفرة إلى المائدة

الأخطر في هذه الأزمة أن مسار التلوث لا يتوقف عند سطح الأرض.

يشرح مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة نضال غنيم أن مياه الصرف والفضلات تحتوي على النيتروجين الذي يمكن أن يتحول إلى نيترات تتراكم في باطن الأرض وتصل إلى المياه الجوفية، بما يرفع مخاطر التسمم الكيميائي للمياه بصورة تراكمية. كما أن الحفر توفر بيئة مناسبة لتكاثر القوارض والحشرات.

ويحذر غنيم في حديث لمراسلنا من ارتباط التلوث بمياه الصرف بمجموعة من الأمراض، بينها التهابات الكبد، والنزلات المعوية الحادة، والالتهابات البكتيرية للأمعاء، والدوسنتاريا والأميبا، والتيفوس، والجرب والالتهابات الجلدية البكتيرية.

ويضع الأطفال والرضع والنساء الحوامل ضمن الفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر، لكن أخطر ما في المسألة أن المياه الجوفية لا ترى حدود الخيام.

فإذا تسربت الملوثات إلى الطبقات الجوفية، فإن آثارها لا تبقى محصورة في المخيم الذي حفرت فيه الحفرة.

وتؤكد هذه النقطة تصريحات أستاذ العلوم البيئية المشارك في الجامعة الإسلامية بغزة، عبد الفتاح عبد ربه، الذي يوضح أن الملوثات والمواد العضوية والميكروبات يمكن أن تنتقل من التربة إلى المياه الجوفية، بما يرفع مستويات النترات ويهدد الصحة العامة.

خزان الماء بجوار الصرف

في المخيم، تبدو المفارقة أكثر قسوة، خزان مياه للشرب أو الاستخدام المنزلي يقف فوق الأرض، وحفرة صرف تختبئ تحتها أو بجوارها.

في الظروف الطبيعية، يفترض أن تفصل شبكات المياه والصرف الصحي بين مصدر الحياة ومصدر التلوث، وأن تحدد المعايير الهندسية المسافات والمواقع وطرق العزل والتصريف. أما في مخيمات النزوح، فقد انهارت هذه الفواصل تحت ضغط الحرب والتهجير والاكتظاظ ونقص الأراضي والمعدات.

وهكذا أصبح النازح مطالبًا بأن يحمي مياه أسرته من التلوث في بيئة لا يملك السيطرة عليها.

والخطر لا يتعلق فقط بما يراه الناس بأعينهم. فالمياه قد تبدو صافية، لكنها ليست بالضرورة آمنة، خصوصًا مع تسجيل مؤشرات على اختلاط مياه الشرب ببكتيريا القولون البرازي، وفق ما أورده مصدر اعلامي نقلاً عن مدير دائرة الطب الوقائي.

كما أشار المصدر إلى ارتفاع حالات الإسهالات الحادة والتهاب الكبد الألفي، وتزايد تكاثر القوارض والحشرات.

المرض لا يحتاج إلى قصف

في بيئة مكتظة، لا يحتاج المرض إلى حدث كبير حتى ينتشر.

يكفي مصدر تلوث قريب، ومياه غير مأمونة، وحفرة ممتلئة، وحشرات تتكاثر حولها، وأطفال يلعبون في ممرات ضيقة، وأسر لا تستطيع شراء مواد التنظيف أو تأمين مياه بديلة.

وهنا يصبح الصرف الصحي جزءًا من سلسلة أوسع من المخاطر الصحية.

فالنازح الذي فقد منزله، قد يفقد بعد ذلك مصدر المياه الآمن، ثم يجد نفسه محاصرًا بمياه الصرف، ثم يواجه مرضًا كان يمكن الوقاية منه لو بقيت منظومة الصرف والمياه تعمل.

لهذا فإن أزمة الحفر الامتصاصية ليست مسألة “نظافة” بالمعنى التقليدي، ولا مجرد مشكلة خدماتية تنتظر عودة الشبكات إلى العمل. إنها أزمة صحة عامة وبيئة ومياه وأمان إنساني في آن واحد.

ما يبقى بعد انتهاء الحرب

الأخطر أن جزءًا من آثار هذه الأزمة قد يستمر حتى بعد إزالة الخيام.

ويحذر عبد ربه من أن استمرار الاعتماد على الحفر غير الآمنة يمكن أن يؤدي إلى تراكم الملوثات في التربة والمياه الجوفية لسنوات، بما يحول المشكلة من أزمة مؤقتة إلى أزمة بيئية طويلة الأمد. كما يشير إلى أن آثار التلوث قد تمتد إلى البيئة البحرية الساحلية.

ويقول إن مؤشرات الخطر تظهر بالفعل على الأرض: مياه عادمة تصل إلى السطح، روائح مستمرة، انتشار الحشرات، تغير في نوعية المياه القريبة، وامتلاء الحفر بسرعة.

ولذلك فإن إغلاق الملف لا يكون بردم الحفر فقط. المطلوب هو تفريغها بصورة دورية وآمنة، وعزلها، وإبعادها عن مصادر المياه، وإنشاء حلول صرف مؤقتة وشبكات قابلة للعمل في مناطق النزوح، إلى جانب وحدات معالجة متنقلة حيثما أمكن.

وتشير سلطة المياه في أحدث بياناتها إلى أن الاستجابة تتضمن أعمال شفط وضخ طارئة، وإصلاح محطات وشبكات حرجة، ومعالجة مئات النقاط ذات الأولوية البيئية والصحية، مع الحاجة إلى مزيد من شاحنات الشفط والمعدات الثقيلة وحلول الصرف المؤقتة في مواقع النزوح.

خيام فوق أرض ملوثة

في النهاية، تختصر الحفر الامتصاصية جانبًا بالغ القسوة من حياة غزة خلال الحرب.

الخيمة التي يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا أصبحت محاطة بمخاطر لا تظهر كلها في الصور: حفرة يمكن أن تنهار، مياه عادمة يمكن أن تتسرب، حشرات وقوارض يمكن أن تتكاثر، ومياه جوفية قد تحمل أثر التلوث إلى ما هو أبعد من حدود المخيم.

وفي الوقت الذي يبحث فيه النازح عن ماء يشربه، وعن مكان آمن لأطفاله، وعن دورة مياه تحفظ الحد الأدنى من كرامته، يجد نفسه داخل دائرة مغلقة: المياه قليلة، والصرف الصحي منهار، والحفر تتكاثر، والتلوث يتسلل إلى الأرض التي يعيش فوقها.

لهذا فإن قصة الحفر الامتصاصية في غزة ليست قصة حفر متناثرة بين الخيام؛ إنها قصة بنية تحتية انهارت، وبيئة تتشبع بالملوثات، وصحة عامة تواجه خطرًا يتجاوز زمن الحرب.

وقد يكون أخطر ما فيها أن بعض آثارها لن تختفي عندما تختفي الخيام؛ لأن ما تسرب إلى الأرض والمياه الجوفية لا يمكن جمعه بسهولة، وما دخل دورة التلوث البيئي قد يحتاج إلى سنوات طويلة من الرصد والمعالجة.

في غزة، لم يعد الصرف الصحي مجرد خدمة غائبة؛ لقد أصبح أحد الوجوه الخفية للأزمة الإنسانية، خطرًا مدفونًا تحت أقدام النازحين، يكبر كلما طال الانتظار.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest