تسريح موظفي الأونروا.. سلاح مالي يهدد خدمات اللاجئين ويستهدف شاهد حق العودة

وكالة الأونروا

لم تعد المخاوف من تسريح أعداد كبيرة من موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد هواجس مرتبطة بأزمة مالية أو إجراءات إدارية لتقليص النفقات، بل باتت تهدد استقرار آلاف العائلات، وتنذر بتراجع الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين، في وقت تتفاقم فيه الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وتتواصل فيه المساعي الإسرائيلية لتقويض الوكالة وإنهاء دورها.

وتتجاوز خطورة هذه التوجهات حدود الوظيفة والراتب، لتطال قدرة الأونروا على مواصلة تقديم خدماتها التعليمية والصحية والإغاثية، وتثير مخاوف من أن تتحول الأزمة المالية إلى مدخل لتفكيك مؤسسة أممية ارتبط تأسيسها بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها.

وفي ظل هذه المخاطر، تتجه اتحادات العاملين المحليين في الوكالة إلى بحث خيارات المواجهة، وسط تحذيرات نقابية من أن تحميل الموظفين وحدهم كلفة العجز المالي سيعمق الأزمة، ويضعف قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها تجاه اللاجئين.

وجاءت التحذيرات النقابية الأخيرة عقب إبلاغ رئيس المؤتمر العام لاتحادات العاملين، رياض زيدان، بأن المفوض العام يدرس تسريح أعداد كبيرة من الموظفين في مناطق عمليات الوكالة، بسبب عدم توفر التمويل اللازم لسد العجز المالي، مع منحه مهلة أسبوع للتفكير في حلول بديلة تساعد على العدول عن القرار.

وكشف المؤتمر العام، في بيان صدر في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن توجهات لتسريح آلاف العاملين، معلناً رفضه تحميل الموظفين تبعات الأزمة المالية، ومحذراً من تداعيات اجتماعية واقتصادية وإنسانية واسعة. وأشار إلى أن العاملين يعانون اقتطاعات بنسبة 20% من رواتبهم للشهر التاسع على التوالي، إلى جانب إجراءات تقشفية أثرت في أوضاعهم المعيشية.

من جهته، رفض التجمع الديمقراطي لموظفي الأونروا في قطاع غزة بصورة قاطعة أي توجهات لتقليص الكادر على حساب الأمان الوظيفي، مؤكداً أن معالجة العجز المالي مسؤولية تقع على عاتق إدارة الوكالة والدول المانحة والمجتمع الدولي، ولا يجوز أن يدفع الموظفون وعائلاتهم ثمن الإخفاق في توفير التمويل.

وتكشف هذه التطورات أن الأزمة لم تعد تقتصر على تأخر الرواتب أو تقليص ساعات العمل، بل باتت تهدد مستقبل العاملين وقدرة الوكالة على مواصلة عملياتها، خصوصاً أن الموظفين يمثلون العمود الفقري لخدماتها في مختلف مناطق اللجوء.

بدوره أكد المستشار القانوني عبد الله محمد أبو لولي أن تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في قطاع غزة لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إداريًا أو ماليًا عابرًا، مشددًا على أن الوكالة هيئة أممية أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن تعديل ولايتها أو إنهاءها يرتبط بالجهة الأممية المختصة، وليس بقرارات أحادية من الدول.

وقال أبو لولي، في تصريحات صحفية إن تقليص خدمات الأونروا بقرار إسرائيلي يمثل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، موضحًا أن الوكالة تستند في عملها إلى قرارات أممية، وأن المساس بمهامها لا يمكن فصله عن الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم.

 وأوضح أن الأونروا أُنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، لتقديم المساعدة والإغاثة للاجئين الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن الجمعية العامة جددت ولايتها في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 حتى 30 يونيو/حزيران 2029، بأغلبية 151 دولة بحسب “فلسطين أونلاين”.

تواجه الأونروا أزمة تمويل متفاقمة، إذ حذّر القائم بأعمال المفوض العام، كريستيان ساوندرز، في 20 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، من عجز مالي يبلغ نحو 70 مليون دولار، مؤكداً أن عدم توفير تمويل إضافي خلال فترة قريبة قد يضطر الوكالة إلى اتخاذ إجراءات مؤلمة لضمان دفع الرواتب واستمرار العمل حتى نهاية العام.

وفي قطاع غزة وحده، يعمل أكثر من 10 آلاف موظف لدى الوكالة، التي تواصل تقديم المساعدات والخدمات لنحو 1.7 مليون شخص، وفق بيانات أعلنتها إدارتها في أيلول/سبتمبر الماضي. وتشمل عملياتها إدارة أكثر من 80 مركزاً للإيواء، وتقديم نحو 70 ألف استشارة طبية أسبوعياً، إلى جانب خدمات المياه والصرف الصحي والتعليم والمساعدات الإنسانية.

وعلى المستوى الإقليمي، تقدم الأونروا خدماتها لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأردن ولبنان وسوريا. ويعني تقليص الكادر الوظيفي أن ملايين اللاجئين قد يواجهون تراجعاً إضافياً في الخدمات التي يعتمدون عليها، في ظل محدودية البدائل المتاحة، ولا سيما للفئات الأكثر فقراً واحتياجاً.

وفي غزة، حيث دمرت الحرب قطاعات واسعة من البنية التحتية، وتفاقمت أزمات الغذاء والمياه والسكن والرعاية الصحية، تبدو تداعيات أي تقليص إضافي للخدمات أكثر قسوة، إذ تتزامن مع احتياجات إنسانية هائلة، بينما لا تزال جهود التعافي وإعادة الإعمار تواجه عراقيل متعددة.

لا يمكن فصل الأزمة المالية التي تواجه الأونروا عن حملة إسرائيلية متواصلة تستهدف وجود الوكالة ودورها، عبر التشريعات والقيود الميدانية والضغوط السياسية والمالية، في مسعى لتقويض المؤسسة التي تشكل أحد أبرز الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.

ففي 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونين يستهدفان وقف أنشطة الأونروا في المناطق التي تعتبرها إسرائيل خاضعة لسيادتها، ومنع المسؤولين الإسرائيليين من التواصل معها. ودخلت الإجراءات الأساسية حيز التنفيذ في 30 كانون الثاني/يناير 2025، بما قيّد قدرة الوكالة على العمل في القدس الشرقية والأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولم يتوقف الأمر عند التشريعات؛ ففي 20 كانون الثاني/يناير 2026، استولت السلطات الإسرائيلية على مقر الوكالة في القدس، وأشرفت على هدم أجزاء من منشآته، في خطوة عكست انتقال الاستهداف إلى المقرات والبنية المؤسسية نفسها.

كما تعرضت منشآت الوكالة في قطاع غزة للتدمير والاستهداف خلال الحرب، واستشهد مئات من موظفيها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفق بيانات أممية. وواجهت عملياتها قيوداً على إدخال المساعدات وحركة العاملين، بالتزامن مع اتهامات إسرائيلية للوكالة، أثارت أزمة تمويل دولية بعدما علّقت دول مانحة مساهماتها أو خفضتها قبل أن يستأنف بعضها التمويل.

وتكتسب هذه الإجراءات دلالة سياسية تتجاوز الخلاف حول أداء مؤسسة إنسانية؛ فالأونروا تأسست بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، لتقديم الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين، وأصبح استمرارها مرتبطاً ببقاء قضيتهم حاضرة في النظام الدولي.

ومن هنا، فإن إضعاف الوكالة أو تفكيك قدرتها على العمل لا ينهي صفة اللجوء، ولا يسقط الحقوق الفلسطينية، لكنه يهدد بإضعاف المؤسسة التي توثق أوضاع اللاجئين وتقدم لهم الخدمات وتحمل ملفهم عبر الأجيال، بما يجعلها شاهداً حياً على قضية التهجير وحق العودة.

في مواجهة هذه المخاطر، تتجه اتحادات العاملين إلى توحيد موقفها النقابي والبحث في خطوات احتجاجية للدفاع عن الوظائف والخدمات، فيما يطالب التجمع الديمقراطي لموظفي الأونروا بتوفير بدائل حقيقية عن التسريح، ورفض تحميل العاملين وحدهم تبعات العجز المالي.

وتضع هذه المواجهة المجتمع الدولي والدول المانحة أمام مسؤولية تتجاوز سد فجوة مالية طارئة، لتشمل حماية مؤسسة أممية تؤدي دوراً لا يمكن تعويضه بسهولة في حياة ملايين اللاجئين الفلسطينيين.

فخسارة الموظف وظيفته تعني تهديد مصدر رزق أسرته، أما تسريح آلاف العاملين فيعني إضعاف شبكة واسعة من الخدمات التي يعتمد عليها اللاجئون في التعليم والصحة والإغاثة، وفتح الباب أمام تدهور إنساني أشد قسوة.

وبين ضغوط التمويل ومساعي تقويض الوكالة، يبقى الرهان على تحرك دولي جاد يضمن استمرار عمل الأونروا ويحمي حقوق موظفيها، بعيداً عن سياسات التقشف التي تنقل كلفة الأزمة إلى الفئات الأضعف. فالدفاع عن الوكالة لا ينفصل عن الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وفي مقدمتها حق العودة الذي لا تسقطه الأزمات المالية ولا تمحوه محاولات إنهاء الشاهد الأممي عليه.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest