تصاعد إرهاب المستوطنين يثير مخاوف إسرائيلية من تداعيات استراتيجية على الاستيطان

تصاعد إرهاب المستوطنين يثير مخاوف إسرائيلية من تداعيات استراتيجية على الاستيطان

المركز الفلسطيني للإعلام

حذّرت أوساط في المنظومة الأمنية الإسرائيلية من أن تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة قد يُلحق أضرارًا استراتيجية خطيرة بإسرائيل ومشروعها الاستيطاني، في ظل اتساع نطاق الهجمات وتزايد حدتها، واستمرار الاعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، بما في ذلك خلال موسم قطف الزيتون.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتواصل فيه هجمات المستوطنين في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وتشمل حرق الأشجار وسرقة المحاصيل والاعتداء على المزارعين، إلى جانب اقتحام التجمعات الفلسطينية ومحاولات دفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، وسط انتقادات متزايدة لعدم اتخاذ إجراءات رادعة لوقف هذه الاعتداءات.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، ونقله موقع «العربي الجديد» الأربعاء، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سجلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية 950 اعتداءً للمستوطنين منذ بداية العام وحتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مقارنة بنحو 800 اعتداء خلال عام 2025، و600 اعتداء في عام 2024، و980 اعتداءً في عام 2023.

وتستند هذه الأرقام إلى معطيات إسرائيلية رسمية، ما يفتح المجال لاحتمال أن يكون العدد الفعلي للاعتداءات على الأرض أكبر من المسجل، في ظل صعوبة توثيق جميع الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في القرى والتجمعات والأراضي الزراعية.

مئات المستوطنين خارج السيطرة

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قوله إن الاعتداءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة محدودة أو مجموعة صغيرة من الأفراد، مؤكدًا أن من يصفها بذلك «فإنه ببساطة لا يريد حل المشكلة».

وأشار المسؤول إلى وجود نواة صلبة تضم ما بين 300 و500 مستوطن شاب، يرى أنهم خرجوا عن السيطرة، في حين تحدثت تقديرات نشرتها وسائل إعلام عبرية أخرى خلال الأيام الماضية عن احتمال وصول عدد المشاركين في هذه الاعتداءات إلى نحو ألف مستوطن.

ووفق التقرير، شهدت الاعتداءات تحولًا ملحوظًا منذ 28 فبراير/شباط الماضي، بالتزامن مع بدء العدوان الإسرائيلي على إيران، الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم «زئير الأسد»، إذ ارتفع عدد الهجمات وحدّتها.

وقال المسؤول الأمني إن المستوطنين لم يعودوا، وفق تقديره، يكتفون بتبرير اعتداءاتهم باعتبارها ردودًا على عمليات ينفذها فلسطينيون، بل باتوا يبادرون إلى اقتحام المناطق الفلسطينية بهدف طرد السكان وتهجيرهم، بالتوازي مع مواصلة إقامة بؤر استيطانية في المناطق المصنفة «أ» و«ب» في الضفة الغربية.

دعم سياسي يعرقل مواجهة الاعتداءات

وتواجه الحكومة الإسرائيلية انتقادات من داخل مؤسستها الأمنية بسبب الدعم السياسي الذي يحظى به المستوطنون المعتدون، إذ أشار مسؤول أمني إلى أن أعضاء في الكنيست ووزراء يزورون بؤرًا استيطانية غير قانونية ويقدمون دعمًا كاملًا للقائمين عليها.

وفي المقابل، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي القول إن قدرته على التعامل مع الظاهرة محدودة بسبب عدم امتلاكه الأدوات الكافية لمواجهتها.

وأوضح المسؤول الأمني، في مقارنة بين تعامل الجيش مع الفلسطينيين والمستوطنين، أنه تُستخدم ضد الفلسطينيين مختلف الوسائل العسكرية والاستخباراتية، بدءًا من بنادق «إم 16» وصولًا إلى طائرات «إف 16»، إلى جانب جمع معلومات استخباراتية واسعة، بينما يواجه الجيش قيودًا على جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالمستوطنين، وتبدو الأدوات المتاحة له في هذا المجال أقل بكثير.

ورغم ذلك، تقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إنها تستخدم الوسائل المتاحة لديها، لكنها ترى أن معالجة الظاهرة تتطلب العمل عبر مسارات متعددة تشمل التربية والتوعية وفرض العقوبات، إلى جانب توسيع الصلاحيات والأدوات الممنوحة للأجهزة الأمنية.

انتقادات للقضاء ومطالب بزيادة القوات

وفي سياق متصل، نقل التقرير عن مسؤولين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية انتقاداتهم لقرارات قضائية تقضي بالإفراج عن مستوطنين متهمين بارتكاب مخالفات خطيرة، بينها مهاجمة قوات الأمن الإسرائيلية أو انتهاك الأوامر العسكرية.

ويرى هؤلاء المسؤولون أن بعض القضاة لا يدركون حجم الظاهرة وخطورتها، في حين أشاروا إلى أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» بدأ يستخدم أدوات لم يكن يلجأ إليها سابقًا في التعامل مع المستوطنين.

كما يطالب جيش الاحتلال بتخصيص مزيد من القوات لمواجهة الاعتداءات، التي يصفها بالمعقدة، فيما تتصاعد داخل المؤسسة العسكرية دعوات إلى مطالبة قادة المستوطنين باتخاذ مواقف أكثر وضوحًا إزاء الهجمات التي ينفذها أفراد من مجتمعاتهم.

لكن هذه المطالب تأتي في وقت وثقت فيه مشاهد وشهادات متعددة مشاركة جنود إسرائيليين في اعتداءات للمستوطنين على الفلسطينيين، أو وقوفهم دون تدخل لمنعها، ما يثير تساؤلات بشأن جدية الإجراءات الإسرائيلية المعلنة لمواجهة هذه الظاهرة.

وزادت حالة الإفلات من العقاب، وفق ما يطرحه التقرير، بعد قرار سابق لوزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس منع الاعتقالات الإدارية بحق المستوطنين، الأمر الذي يعزز شعور المشاركين في الاعتداءات بإمكانية مواصلة هجماتهم دون التعرض لإجراءات رادعة.

ونقل التقرير عن مسؤول أمني رفيع قوله إن «هؤلاء الفتية يشعرون بأنه لا يمكن المساس بهم»، في إشارة إلى شعورهم بالحماية والثقة في ظل غياب المساءلة الفعلية.

مخاوف من خسارة مكاسب الاستيطان

ولا تقتصر المخاوف التي عبّرت عنها الأوساط الأمنية الإسرائيلية على تداعيات الاعتداءات داخل الضفة الغربية، بل تمتد إلى انعكاساتها السياسية والدولية، وإمكانية تقويض ما تعتبره إسرائيل إنجازات أمنية واستيطانية تحققت خلال السنوات الماضية.

وحذّر مسؤولون في المنظومة الأمنية من أن الثمن الحقيقي لهذه الاعتداءات قد يتجاوز آثارها المباشرة، ليصل إلى إلحاق ضرر استراتيجي بإسرائيل وبالمشروع الاستيطاني برمته.

وأشاروا إلى أن تصاعد الهجمات قد يؤدي إلى خسارة المكاسب الأمنية التي حققتها إسرائيل، بالتزامن مع تنامي أصوات داخل الولايات المتحدة تنتقد سياساتها وممارسات المستوطنين، وهي أصوات قالوا إنها لم تكن تظهر بهذا الوضوح في السابق.

وبحسب التقرير، يخشى مسؤولون إسرائيليون أن يؤدي الضغط الأميركي المتزايد على خلفية الاعتداءات إلى خسارة الاستيطان بعض المواقع والمكاسب التي عمل على ترسيخها خلال السنوات الأخيرة، وأسهمت في تغيير الواقع على الأرض في الضفة الغربية.

وتكشف هذه التحذيرات عن قلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار اعتداءات المستوطنين، وما يصاحبها من تهجير للفلسطينيين وتوسع في البؤر الاستيطانية، قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني على إسرائيل، في وقت تتواصل فيه الهجمات على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، ويظل وقفها مرهونًا بمدى اتخاذ إجراءات فعلية لمحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرارها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest