
المركز الفلسطيني للإعلام
قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن نتائج الفحوص التي أعلنها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن خمس وقائع قتل فيها 35 شخصا، بينهم أطفال وعاملون في المجالين الإنساني والطبي، لا ترقى إلى مستوى تحقيقات جنائية مستقلة وفعالة، معتبرا أنها تعيد إنتاج نمط يقوم على تأخير التحقيق، وإنكار الوقائع أو تقديم روايات متغيرة بشأنها، ثم حصر المسؤولية في أخطاء عملياتية وإغلاق الملفات دون مساءلة جنائية حقيقية.
وأوضح المرصد في بيان صدر عقب إعلان جيش الاحتلال نتائج فحوصه في 19 أغسطس/آب 2026، أن الوقائع الخمس تشمل استهداف قافلة المطبخ المركزي العالمي في أبريل/نيسان 2024، وقتل الطفلة هند رجب وأفراد من عائلتها ومسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني في يناير/كانون الثاني 2024، وقتل 15 من طواقم الهلال الأحمر والدفاع المدني وموظف في الأمم المتحدة في تل السلطان برفح في مارس/آذار 2025، وقصف مأوى تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في المواصي، وإطلاق النار على قافلة للمنظمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وبحسب المرصد، قرر الجيش فتح تحقيق جنائي في واقعة هند رجب وتحقيق آخر في إطلاق النار على طواقم الإنقاذ في تل السلطان، بينما رفض فتح تحقيقات جنائية في الوقائع الثلاث الأخرى. وقال إن ما نشره الجيش بعد مرور ما بين 17 و33 شهرا على الوقائع لا يمثل نتائج تحقيقات جنائية مكتملة، بل خلاصات فحص وقائعي أجرته آلية تابعة لهيئة الأركان وأحالت نتائجه إلى النيابة العسكرية لاتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق جنائي من عدمه.
انتقادات لمعايير الاستقلال والتحقيق
اعتبر المرصد أن بقاء مراحل الفحص والإحالة والتحقيق داخل أجهزة الجيش يثير إشكالات تتعلق بالاستقلال والحياد، ولا سيما عندما تمتد المسؤولية المحتملة إلى كبار القادة أو السياسات والأوامر العملياتية. وأشار إلى أن الخلاصات المنشورة لا تتيح التحقق من الأساس الواقعي والقانوني لقرارات إغلاق الملفات الثلاثة، كما لا توضح النطاق الفعلي للتحقيقين اللذين أعلن الجيش فتحهما.
وشدد المرصد على أن التحقيق في حالات القتل المحتمل غير المشروع يجب أن يستوفي معايير الاستقلال والحياد والسرعة والشمول والفعالية والمصداقية والشفافية، وأن يحدد المسؤولية الفردية والقيادية، بدلا من الاكتفاء بإجراءات إدارية أو تأديبية. واعتبر أن الفحص الوقائعي الذي تجريه آلية تابعة لهيئة الأركان يمكن أن يمثل خطوة أولية، لكنه لا يكفي وحده للوفاء بواجب التحقيق أو لتبرير إغلاق ملف من دون نشر أساس واقعي وقانوني يسمح بتقييم القرار.
قافلة المطبخ المركزي العالمي
في واقعة قافلة المطبخ المركزي العالمي، قال الجيش الإسرائيلي إن مقتل سبعة من موظفي المؤسسة في 1 أبريل/نيسان 2024 وقع بعدما اعتقدت قواته أن عناصر من حركة حماس سيطروا على القافلة. واستند الجيش إلى رصد شخص مسلح وتحركات اعتبرها مريبة، إضافة إلى وجود حراسة مسلحة وانحراف المركبات عن المسار المتفق عليه.
ورغم إقرار الجيش بوجود إخفاقات جسيمة في العملية التي قادت إلى هذا الاعتقاد، خلص إلى عدم وجود شبهة جنائية تستوجب التحقيق. وانتقد المرصد هذه النتيجة، مشيرا إلى أن الجيش سبق أن وصف الضربات الثلاث بأنها مخالفة جسيمة للأوامر وإجراءات التشغيل العسكرية، واتخذ إجراءات بحق ضابطين وثلاثة قادة، قبل أن يستبعد لاحقا وجود شبهة جنائية من دون نشر التحليل الذي استند إليه في هذا الاستنتاج.
وقال المرصد إن تنفيذ ثلاث ضربات متتالية على مركبات القافلة كان يستوجب إعادة التحقق من طبيعة الهدف قبل كل ضربة، خصوصا بعدما انتقل الناجون من المركبة الأولى إلى الثانية ثم الثالثة، مؤكدا أن وجود شخص مسلح أو حراسة مسلحة، حتى لو ثبت، لا يجعل جميع أفراد القافلة أهدافا مشروعة ولا يسقط عن المركبات صفتها المدنية.
هند رجب وتحقيق يثير تساؤلات
وفي قضية الطفلة هند رجب، أقر الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى بإطلاق قواته النار على سيارة عائلة حمادة، ما أدى إلى استشهاد خمسة من ركابها، بينما بقيت هند وابنة عمها ليان على قيد الحياة بعد إطلاق النار الأول. كما أقر بمشاركة الطفلتين في اتصال مع طواقم الإنقاذ، وبأن حركة سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني نسقت للوصول إليهما.
لكن جيش الاحتلال وصف إطلاق القذيفة على سيارة الإسعاف واستشهاد المسعفين يوسف الزينو وأحمد المدهون بأنه ادعاء لم يثبت في الفحص، رغم العثور عليهما شهيدين داخل السيارة وعلى مسافة قريبة من سيارة العائلة. وقرر فتح تحقيق جنائي، إلا أن المرصد انتقد عدم إعلان نطاقه، مشيرا إلى أنه لم يتضح ما إذا كان سيشمل إطلاق النار على سيارة العائلة واستشهاد ليان وهند واستهداف سيارة الإسعاف.
وأشار المرصد إلى أن الجيش كان قد نفى في وقت سابق وجود قواته قرب السيارة أو ضمن مدى إطلاق النار عليها، قبل أن تتعارض هذه الرواية مع أدلة فنية. وبحسب المراجعة التي استند إليها المرصد، وثقت تحقيقات مستقلة مئات آثار الطلقات على السيارة، ورجحت أن مصدرها القوات الإسرائيلية من مسافة قريبة، كما رجحت إصابة سيارة الإسعاف بذخيرة أطلقتها دبابة إسرائيلية.
وطالب المرصد بأن يشمل التحقيق جميع مراحل الواقعة، وأن يحدد ما كان معلوما للقوات والقادة قبل كل عملية إطلاق نار، ومن أصدر الأوامر وأجازها ونفذها، وألا يختزل القضية في إخفاقات إدارية مرتبطة بتنسيق حركة سيارة الإسعاف.
تل السلطان وأدلة تناقض الرواية الإسرائيلية
وفي واقعة تل السلطان، أقر الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار في ثلاث وقائع متتابعة على مركبات تبين أنها سيارات إسعاف وسيارة إطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة، ما أدى إلى استشهاد 15 شخصا من طواقم الهلال الأحمر والدفاع المدني وموظف في الأونروا. وقرر جيش الاحتلال فتح تحقيق جنائي بعدما خلص إلى وجود شبهة معقولة بارتكاب مخالفة جنائية.
وقال المرصد إن الأدلة المصورة والفنية تناقض الرواية الإسرائيلية الأولى التي زعمت أن المركبات اقتربت من القوات من دون أضواء أو إشارات طوارئ. وأشار إلى تسجيل عثر عليه في هاتف أحد المسعفين يظهر المركبات بعلاماتها وأضوائها التحذيرية قبل إطلاق النار، إضافة إلى تحقيق فني صدر في فبراير/شباط 2026 وثق مئات الطلقات وخلص إلى أن الجزء الأكبر من النيران خلال الفترة التي جرى تحليلها كان موجها نحو مركبات الطوارئ والعاملين فيها.
كما انتقد المرصد الاستناد إلى ادعاء انتماء ستة من القتلى إلى حركة حماس من دون نشر أدلة تحدد طبيعة هذا الانتماء، مشددا على أن الصلة السياسية أو الإدارية لا تجعل المدني هدفا عسكريا، وأن أي معلومات ظهرت بعد الهجوم لا يمكن استخدامها لتبرير قرار الاستهداف بأثر رجعي.
وطالب المرصد بأن يفحص التحقيق كل عملية إطلاق نار على حدة، وأن يحدد مواقع القوات والأسلحة المستخدمة والأوامر الصادرة قبل كل هجوم، والأساس الذي استند إليه الجيش في اتهام بعض الضحايا بالانتماء إلى حماس، إضافة إلى أسباب استمرار إطلاق النار وعدم تقديم العناية الطبية للمصابين.
كما دعا إلى التحقيق في سحق المركبات ودفن الجثامين وإعادة تشكيل موقع الهجوم، باعتبار هذه الأفعال قد تثير شبهة إخفاء الأدلة أو العبث بها.
مأوى أطباء بلا حدود
وفي واقعة قصف مأوى أطباء بلا حدود في المواصي، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته أطلقت قذيفة على نافذة في مبنى كان يؤوي موظفين وعائلاتهم، ما أدى إلى مقتل امرأتين وإصابة سبعة أشخاص. وبرر الجيش الهجوم باعتقاده أن موقع المبنى المرتفع قد يتيح مراقبة تحركات قواته أو مهاجمتها.
وأكدت أطباء بلا حدود أن المبنى كان يؤوي 64 من موظفيها وأفراد عائلاتهم، وأن القوات الإسرائيلية أبلغت مسبقا بموقعه، فيما كان علم المنظمة مثبتا على واجهته. واعتبر المرصد أن إقرار الجيش بعدم امتلاك الوحدة المعلومات المحدثة حول ارتباط المبنى بالمنظمة يثير أسئلة بشأن آليات تحديث بيانات المواقع الإنسانية وإيصالها إلى القوات والتحقق منها قبل إطلاق النار.
وقال المرصد إن الخلاصة العسكرية لم تثبت وجود هدف عسكري، وإنما قامت على افتراض أن ارتفاع المبنى وإطلال إحدى نوافذه على مسار القوات يجعلانها مصدرا محتملا للخطر. واعتبر أن هذا التقدير لا يعفي من ضرورة التحقق من الأساس الواقعي للهدف العسكري ومن المعلومات التي كانت متاحة للقوة عند اتخاذ قرار إطلاق القذيفة.
ورفضت النيابة العسكرية فتح تحقيق جنائي في الواقعة، واكتفت بتوجيه القادة المعنيين إلى تقييم الحاجة إلى إجراءات قيادية بسبب ما أقر به الفحص من عيوب في عملية الهجوم.
قافلة أطباء بلا حدود
وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تعرضت قافلة إجلاء تابعة لأطباء بلا حدود، تضم خمس مركبات تحمل شعار المنظمة وتنقل 137 شخصا بينهم 65 طفلا، لإطلاق نار أثناء عودتها إلى مدينة غزة. وأسفر الهجوم عن استشهاد أحد أفراد أسر موظفي المنظمة وإصابة آخر توفي متأثرا بجروحه بعد أربعة أيام.
وقال جيش الاحتلال إن القافلة حصلت على موافقة نهائية للتحرك جنوبا، لكن الموافقة لم تصل إلى الجنود عند الحاجز، وإن عودتها إلى مدينة غزة أثارت الاشتباه. وأضاف أن القوات أطلقت طلقات تحذيرية على الطريق، وأن الضحيتين ربما قتلتا نتيجة ارتداد الرصاص أو تناثر شظاياه.
ورأى المرصد أن الرواية الإسرائيلية تحمل ركاب القافلة نتائج إخفاق وقع داخل الجيش نفسه، مؤكدا أن عدم وصول الموافقة إلى الجنود لا يلغي صدورها، كما أن السير في اتجاه غير منسق لا يسقط الحماية عن المدنيين.
وأشار إلى أن شهادات ناجين أفادت برؤية دبابات وقناصة يوجهون أسلحتهم إلى القافلة، فيما لم ينشر الجيش فحصا باليستيا أو تحليلا لمسارات الرصاص يحسم التعارض بين هذه الشهادات والرواية الرسمية. وطالب بفتح تحقيق جنائي يفحص مواقع الوحدات والأسلحة وأوامر إطلاق النار ومسافات الرمي واتجاهاته والإصابات والأضرار التي لحقت بالمركبات.
المرصد يحذر من نمط مؤسسي للإفلات من العقاب
اعتبر المرصد الأورومتوسطي أن الوقائع الخمس تمثل امتدادا لنمط أوسع يحول فيه الجيش شبهات الجرائم إلى فحوص عملياتية بطيئة تجريها المؤسسة العسكرية، ثم يجري حصر المسؤولية في مستويات ميدانية وإغلاق الملفات أو اتخاذ إجراءات قيادية لا تطال المسؤولية الجنائية للقادة وصناع السياسات.
وأشار إلى أن الجيش أعلن فحص نحو 150 واقعة منذ بدء الحرب وإحالة خلاصاتها إلى النيابة العسكرية، لكنه لم ينشر قائمة هذه الوقائع أو مدد فحصها أو مصيرها أو عدد الملفات التي انتهت إلى تحقيقات جنائية أو لوائح اتهام، ما يحول دون تقييم فعالية هذه الآلية.
واستند المرصد كذلك إلى سجل سابق يتعلق بالحرب على غزة عام 2014، قال إن الجيش أقر خلاله بتلقي نحو 500 شكوى وبلاغ تتعلق بنحو 360 واقعة، وإحالة نحو 220 واقعة إلى آلية الفحص، ثم إغلاق نحو 160 منها من دون تحقيق جنائي. وحتى تحديث عام 2018، كانت الإدانات التي أعلنها الجيش تتعلق بثلاثة جنود في قضية نهب، من دون إعلان إدانات تتعلق بقتل المدنيين أو قرارات الاستهداف التي أوقعت أعدادا كبيرة من الضحايا.
المرصد: التحقيقات الإسرائيلية لا تمنع المساءلة الدولية
وأكد المرصد أن هذه الإجراءات لا تلغي اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، موضحا أن مبدأ التكاملية المنصوص عليه في المادة 17 من نظام روما الأساسي يرتبط بمقبولية قضية محددة، ولا يمنع المحكمة من النظر فيها إلا عندما تحقق السلطات الوطنية أو تلاحق الشخص نفسه عن السلوك نفسه بصورة فعلية، أو تكون قد حققت فيه بجدية واتخذت قرارا بشأن الملاحقة لأسباب لا ترتبط بعدم الرغبة أو القدرة على إجراء تحقيق حقيقي.
وقال المرصد إن الفحص الوقائعي الذي لا يستهدف تحديد المسؤولية الجنائية لا يستوفي هذا المعيار، وكذلك التحقيق الذي يقتصر على أخطاء تنسيق أو أفعال منفذين ميدانيين بينما تتعلق القضية الدولية بمسؤولية قادة أو بسياسات وجرائم لم تشملها الإجراءات الوطنية.
وطالب المجتمع الدولي بعدم التعامل مع خلاصات الفحص العسكري الإسرائيلي باعتبارها تحقيقات مستقلة أو دليلا على تحقق المساءلة، وألا تستخدم هذه الخلاصات لتعطيل التحقيقات الدولية أو تقييد عمل المحكمة الجنائية الدولية.
ودعا المرصد لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وغيرها من جهات التحقيق الدولية إلى الوصول غير المقيد إلى قطاع غزة وإسرائيل، ومعاينة المواقع والأدلة ومقابلة الشهود والمسؤولين، وإجراء تحقيق مستقل في الوقائع الخمس وفي النمط الأوسع لاستهداف المدنيين والعاملين والمنشآت والمركبات الإنسانية والطبية.
كما حث المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على فحص الوقائع الخمس ضمن التحقيق في الحالة في دولة فلسطين باعتبارها قد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتوسيع نطاق التحقيق ليشمل جريمة الإبادة الجماعية، والتحقق من المسؤولية الفردية والقيادية لكل من تتوافر أدلة كافية على مسؤوليته.
وطالب الدول بالتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية وتنفيذ أوامرها وحماية استقلالها، وتفعيل ولايتها القضائية الوطنية، بما في ذلك الاختصاص العالمي، للتحقيق في الجرائم وملاحقة المشتبه فيهم الموجودين على أراضيها. كما دعا إلى تعليق نقل الأسلحة والذخائر والمكونات والتكنولوجيا والمعلومات الاستخبارية وأعمال الصيانة إلى إسرائيل عندما يوجد خطر واضح من استخدامها في ارتكاب جرائم دولية أو تسهيلها.

