خطة أمريكية لمراقبة أحاديث المعلمين في مدارس غزة بالذكاء الاصطناعي

خطة أمريكية لمراقبة أحاديث المعلمين في مدارس غزة بالذكاء الاصطناعي

المركز الفلسطيني للإعلام

كشفت وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية عن خطة تعتزم مؤسسة خيرية أمريكية تعمل في قطاع غزة تنفيذها، تقوم على تسجيل الأحاديث داخل الفصول الدراسية وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف رصد العبارات التي تصنفها المؤسسة على أنها «تحريضية» أو «كراهية» أو معادية للسامية، في خطوة أثارت مخاوف أخلاقية وأمنية وحقوقية بشأن مراقبة المعلمين والطلبة، والحد من حرية التعبير، والتدخل في تشكيل وعي الأجيال الفلسطينية.

وقالت الوكالة، في تقرير نشرته الجمعة، إن الخطة عرضها مؤسس مؤسسة «قرية أطفال غزة» (Gaza Children Village)، خلال ندوة إلكترونية عقدت في سبتمبر/أيلول الماضي، موضحة أن المبادرة تهدف، وفق ما يعلنه القائمون عليها، إلى ضمان التزام المعلمين بمنهاج تعليمي تقول المؤسسة إنه يعزز السلام والتسامح.

وتأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه منظومة التعليم في قطاع غزة تعاني تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ ثلاث سنوات، وما خلفته من دمار واسع في المدارس وحرمان مئات آلاف الأطفال من التعليم المنتظم، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن أولويات التدخلات التعليمية والجهات التي تتولى تحديد مضمون التعليم ومستقبله في القطاع.

مراقبة الأحاديث وتصنيف العبارات بالذكاء الاصطناعي

وبحسب «أسوشيتد برس»، فإن الخطة تقوم على تسجيل المحادثات داخل الفصول الدراسية، ثم إخضاع التسجيلات لنظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي، للكشف عن عبارات تصنفها المؤسسة ضمن فئات تشمل «معاداة السامية» و«التحريض» و«الكراهية».

وفي حال رصد عبارات تعتبرها المنظومة إشكالية، يتلقى مؤسس المؤسسة ورئيسها التنفيذي، الطبيب الأمريكي من أصل فلسطيني ديفيد حسن، تنبيهاً يتيح له التواصل مع المعلم المعني، لفهم سياق الحديث وتقديم ملاحظات بشأنه.

وأوضح حسن، خلال الندوة الإلكترونية التي عقدت في سبتمبر/أيلول، أن التسجيلات ستُحفظ لمدة 72 ساعة، فيما أشار إلى أن تقنية المراقبة خضعت للاختبار، وأن المؤسسة تعتزم نشرها في عشرات الفصول الدراسية، وفق رسالة نصية أرسلها قبل أغسطس/آب واطلعت عليها الوكالة.

ومع ذلك، لم يتضح موعد بدء تنفيذ الخطة، أو طبيعة العبارات المحددة التي سيجري تصنيفها على أنها مخالفة، كما لم تتوافر معلومات تؤكد إبلاغ المعلمين والطلبة وأسرهم مسبقاً بهذه الإجراءات.

ولفت التقرير إلى أنه لا توجد مؤشرات على أن المؤسسة تعتزم مشاركة تسجيلات الفصول الدراسية مع جهات أخرى، غير أن غياب الوضوح بشأن آليات استخدام البيانات والضمانات المحيطة بها يزيد المخاوف من احتمالات إساءة استخدامها.

«إزالة التطرف» هدف معلن للمؤسسة

ويقود المؤسسة ديفيد حسن، وهو جراح أعصاب وُلد في الكويت لأبوين فلسطينيين، ويعمل حالياً بالتدريس في كلية الطب بجامعة ديوك في مدينة دورهام بولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية.

وقال حسن إنه استلهم فكرة إنشاء المؤسسة بعد تطوعه في مستشفيات داخل قطاع غزة خلال الحرب، وإنه يسعى إلى إنهاء أجيال من العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عبر تغيير المضامين التعليمية التي يرى أنها تسهم في ترسيخ مواقف عدائية.

وأضاف، وفق ما نقلته الوكالة، أنه نشأ على النظر بصورة سلبية إلى اليهود والإسرائيليين، وأنه لم يتعرف إلى وجهات نظر مختلفة إلا بعد التحاقه بالجامعة في الولايات المتحدة، معرباً عن رغبته في إتاحة الفرصة للأطفال في غزة للتعرف إلى وجهات نظر أخرى في سن مبكرة.

وتقول المؤسسة إنها جمعت الجزء الأكبر من تمويلها من متبرعين أفراد، بينهم أمريكيون يهود، وإنها تتعاون مع منظمات إغاثية ومستشفيات في أمريكا الشمالية وأوروبا وإسرائيل.

وتقدم مدارسها، التي تحمل اسم «أكاديميات الأمل» (Academies of Hope)، وجبات غذائية ورعاية طبية ونفسية للأطفال، فيما افتُتحت أولى مدارسها خلال الصيف الماضي. وتقول المؤسسة إن مدارسها في وسط القطاع وجنوبه تخدم آلاف الأطفال، بينهم كثيرون فقدوا آباءهم أو أقاربهم خلال الحرب.

وتعتمد الدروس، في معظمها، على المنهاج الفلسطيني، غير أن حسن سبق أن قال إن المؤسسة حذفت منه عبارات ومضامين اعتبر أنها تمجد العنف أو تشجع على مواقف معادية لإسرائيل أو معادية للسامية.

ورفض حسن التعليق على التقرير، كما لم يقدم أمثلة على التعديلات التي أُدخلت على المناهج، بحسب الوكالة.

وأشار التقرير إلى تقرير أصدره مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي عام 2026، تناول ما وصفه بمحتوى إشكالي في الكتب المدرسية، استناداً إلى مواد رصدتها الأمم المتحدة في غزة. ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير استخدام عبارة «عدد الشهداء» في شرح مفهوم رياضي، والإشارة إلى القدس باعتبارها عاصمة فلسطين، ووصف طفل أُصيب برصاص الاحتلال خلال مشاركته في احتجاج تضامني مع فلسطينيين معتقلين في السجون الإسرائيلية.

وخلال الندوة الإلكترونية، برر حسن اللجوء إلى مراقبة الفصول بالرغبة في تدريب المعلمين على الالتزام بالمنهاج الذي يقول إنه يستهدف «إزالة التطرف»، قائلاً إن الإجراء مثير للجدل، لكنه، بحسب تعبيره، الوسيلة الوحيدة التي ترى المؤسسة أنها تتيح لها مواصلة تطبيق هذا المنهاج.

اعتراضات على الرقابة ومخاوف من تقييد حرية التعبير

وأثارت الخطة تحفظات لدى شخصيات مرتبطة بالمؤسسة ومنظمات حقوقية وجهات إغاثية تتعاون معها، وسط مخاوف من أن تتحول مراقبة الأحاديث إلى أداة لتقييد النقاش داخل الصفوف الدراسية، أو فرض تصورات محددة بشأن التاريخ والهوية والرواية الفلسطينية.

وقال بشارة بحبح، وهو ناشط سياسي أمريكي من أصل فلسطيني وعضو في مجلس إدارة المؤسسة، إنه لم يكن على علم بخطط مراقبة الأحاديث، وإنها لم تُطرح على المجلس.

وأوضح أن استخدام الكاميرات لمراقبة أداء الطلبة والمعلمين أمر يمكن قبوله، لكنه رفض استخدامها لإسكاتهم ومنعهم من تبادل الآراء بحرية داخل الفصول الدراسية.

وشدد بحبح على أن الأولوية في ظل العدد المحدود جداً من المدارس العاملة في غزة يجب أن تتمثل في إدخال مزيد من الأطفال إلى الصفوف الدراسية، وتوفير فرص التعليم لهم.

كما أعرب مسؤول في إحدى المنظمات الإغاثية الشريكة للمؤسسة عن مخاوف من استخدام هذه التقنية، مشيراً إلى أن المنظمة قد تعيد النظر في تعاونها معها بسبب خطة المراقبة.

وحذر المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خشية تعريض عمل منظمته في غزة للخطر، من أن استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة كلمات الناس يفتح «صندوق باندورا»، في إشارة إلى مخاطر وتداعيات يصعب التحكم بها بعد إطلاق مثل هذه التقنيات.

ووفق التقرير، رفض ستة معلمين حاليين وسابقين في «أكاديميات الأمل» التعليق على الخطة.

مخاوف فلسطينية من توظيف تقنيات المراقبة

وتكتسب المخاوف المتعلقة بالمراقبة أهمية خاصة في قطاع غزة، بعد ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية التي شهدت استخدام تقنيات متقدمة لجمع المعلومات وتحليلها.

وذكّرت الوكالة بأن الجيش الإسرائيلي استخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز الاتصالات المعترضة والبحث عن أحاديث اعتُبرت مثيرة للشبهات، بما في ذلك الاستعانة بالمعلومات لتحديد أهداف للضربات العسكرية.

وقال أمجد عراقي، كبير محللي شؤون إسرائيل والأراضي الفلسطينية في مجموعة الأزمات الدولية، إن إسرائيل وظفت المعلومات بصورة جعلت كثيراً من الفلسطينيين يشعرون بأن أي كلمة ينطقون بها، أو فكرة يكتبونها، أو حتى حركة تصدر عنهم، قد تتحول إلى مادة يمكن استغلالها ضدهم.

وترى جهات فلسطينية معارضة للمنهاج الذي تتبناه المؤسسة أن هذه المبادرة تتجاوز المسألة التعليمية إلى تقليص قدرة الفلسطينيين على تقرير ما يتعلمه أبناؤهم، في ظل استمرار تراجع دور المؤسسات المحلية والجهات الدولية التي تولت إدارة التعليم في القطاع لسنوات طويلة.

وقالت إيناس عبد الرازق، المشاركة في إدارة معهد فلسطين للدبلوماسية العامة، إن محاولات التحكم في عقول الأجيال الجديدة تثير قلقاً بالغاً، مشددة على ضرورة دعم السلطة الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في إعادة بناء المدارس بقطاع غزة.

وكانت «أونروا» قد واجهت بدورها تحديات في محاولات تعديل المنهاج الفلسطيني بما يتوافق مع معايير الحياد واللاعنف وعدم التمييز، وفق ما أورده تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، وسط اعتراضات من معلمين ومجتمعات محلية.

وأشار التقرير كذلك إلى أن أحد العاملين في مؤسسة «قرية أطفال غزة» أفاد بأن بعض المعلمين والموظفين يخشون التعرض للاستجواب من حركة حماس بشأن المنهاج، فيما يشعر آخرون بعدم الارتياح للعمل لدى مؤسسة تحظى بدعم جهات إغاثية إسرائيلية. وتحدث الموظف شريطة عدم الكشف عن هويته، لعدم امتلاكه تفويضاً بالتصريح لوسائل الإعلام.

من جهته، قال المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية محمد أبو الرب إن المنهاج الفلسطيني يركز على التسامح والعدالة، موضحاً أنه لا يمتلك معلومات كافية عن المنهاج الذي تعتمده المؤسسة تسمح له بالتعليق على تفاصيله، لكنه حذر من أن استخدام المراقبة داخل الفصول الدراسية يتجاوز حداً مهماً.

مستقبل التعليم في غزة بين إعادة البناء والوصاية على المناهج

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» إلى أن مئات آلاف الأطفال في غزة محرومون من الالتحاق بالمدارس، فيما تعرضت غالبية المدارس للتدمير أو الأضرار خلال الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، لا تقتصر الأسئلة التي تثيرها خطة المراقبة على مدى فاعلية الذكاء الاصطناعي في رصد العبارات وتصنيفها، بل تمتد إلى طبيعة المعايير التي ستحدد ما يُسمح للمعلمين والطلبة بمناقشته، والجهة المخولة بتفسير كلامهم وتقييمه، والضمانات التي تحميهم من التصنيف الخاطئ أو الاستخدام غير المناسب للتسجيلات.

كما تفتح المبادرة نقاشاً أوسع بشأن الجهات التي ينبغي أن تضطلع بإعادة بناء التعليم في غزة، ودور المؤسسات الفلسطينية والأممية في صياغة المناهج والإشراف عليها، في وقت يحاول فيه آلاف الأطفال استعادة حقهم في التعلم بعد فقدان المدارس والبيوت والأقارب.

وبينما تقدم المؤسسة مشروعها باعتباره محاولة لتعزيز السلام والتسامح، يرى منتقدوها أن إخضاع الأحاديث الصفية للمراقبة الآلية يثير مخاطر تتعلق بالخصوصية والأمان وحرية التعبير، فضلاً عن حق المجتمع الفلسطيني في المشاركة في تحديد مستقبل تعليم أطفاله، بعيداً عن فرض الوصاية على وعيهم وروايتهم الوطنية.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest