
المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، تبدأ العائلات الفلسطينية في سوريا رحلة جديدة مع الحسابات اليومية؛ فالتدفئة التي تبدو حاجة أساسية لمواجهة البرد، تتحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى بند ثقيل في ميزانية لا تحتمل مزيداً من الأعباء.
وبين مدافئ المازوت القديمة، والحطب، وقشور الفستق، تحاول الأسر اختيار الوسيلة الأقل كلفة والأكثر قدرة على الصمود طوال أشهر البرد، لكن القرار لا يرتبط بسعر الوقود وحده، بل بحالة المدفأة، ومساحة المنزل، وعدد أفراده، والأهم من ذلك كله، بقدرة الأسرة على توفير المال بصورة منتظمة.
وحددت وزارة الطاقة السورية سعر ليتر المازوت بالمواصفات القياسية بـ175 ليرة سورية جديدة، فيما أعلنت طرح نوع مخصص للتدفئة والفئات المستحقة بسعر 115 ليرة، على أن يجري تنظيم توزيعه وفق آلية تحدد المستفيدين.
وبحسب هذه الأسعار، فإن تعبئة 200 ليتر من المازوت تكلف نحو 35 ألف ليرة سورية جديدة بالسعر القياسي، بينما تنخفض الكلفة إلى نحو 23 ألف ليرة في حال تمكنت الأسرة من الحصول على المازوت المخصص للتدفئة.
لكن البدائل لا تقدم حلاً منخفض الكلفة دائماً؛ إذ وصل سعر طن الحطب إلى نحو 50 ألف ليرة جديدة في القنيطرة وريف دمشق الغربي، بينما تجاوز سعر طن قشور المكسرات 300 دولار في بعض الأسواق، مع اختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى، فضلاً عن كلفة النقل والتخزين.
ولا تتوقف رحلة الحساب عند شراء الوقود، فبعض الأسر تحتاج قبل ذلك إلى إصلاح المدفأة القديمة أو استبدالها بأخرى جديدة، ما يضيف عبئاً آخر إلى كلفة الشتاء.
أسماء.. حين تصبح التدفئة مرتبطة بما يدخل البيت
في جرمانا بريف دمشق، تعمل أسماء في الخياطة داخل منزلها وتعيل ثلاثة أطفال، فيما لا يأتي دخلها بصورة ثابتة؛ فقد تنجز عدة قطع خلال أسبوع، ثم تمر أيام لا تجد فيها عملاً.
وتملك أسماء مدفأة مازوت قديمة، إلا أن تشغيلها يبقى مرهوناً بما يدخل إلى المنزل من مال، بعد تأمين الطعام والمصاريف الأساسية.
وتفكر في مواجهة الشتاء بتقليص ساعات تشغيل المدفأة إلى فترة المساء، وجمع أطفالها في غرفة واحدة بدلاً من تدفئة المنزل طوال اليوم، في محاولة لتقليل استهلاك الوقود إلى الحد الممكن.
أما المازوت المخصص للتدفئة، فتنتظر معرفة شروط الحصول عليه والكمية التي يمكن أن تصل إلى أسرتها، فيما تستبعد حالياً شراء مدفأة جديدة تعمل على القشر، لأن ثمنها يمثل عبئاً إضافياً قبل تأمين أول كمية من الوقود.
عبد العزيز.. يشتري التدفئة على قدر أجره
وفي مخيم السبينة بريف دمشق، يعمل عبد العزيز في البناء ويعيل زوجته وأربعة أبناء، لكنه لا يملك دخلاً ثابتاً يتيح له شراء احتياجات الشتاء دفعة واحدة، خصوصاً مع تراجع فرص العمل في الأيام الماطرة.
لذلك، يميل إلى شراء كميات صغيرة من الحطب أو قشور الفستق كلما تقاضى أجراً، بدلاً من دفع مبلغ كبير لتعبئة المازوت مرة واحدة.
غير أن هذا الخيار يفتح أمامه حسابات أخرى؛ فأين سيخزن الحطب ويحافظ عليه جافاً؟ وهل تصلح المدفأة الموجودة لديه لاستخدامه؟ وكم يوماً يمكن أن تكفي الكمية التي يشتريها؟
يدرك عبد العزيز أن شراء كميات صغيرة بشكل متكرر قد يكلفه أكثر بسبب النقل وتعدد مرات الشراء، لكنه يحتاج إلى وسيلة تدفئة تتناسب مع دخله غير المنتظم، لا مع احتياجات الشتاء وحدها.
الحاج عبد الحميد.. المدفأة أولاً ثم الوقود
وفي مخيم خان دنون بريف دمشق، يبدأ الحاج عبد الحميد حساباته من مدفأته القديمة التي تحتاج إلى إصلاح.
ويعيش مع زوجته وابنته العاملة، ويواجه خياراً صعباً بين إصلاح المدفأة والاستمرار في تشغيلها بالمازوت، أو استبدالها بمدفأة جديدة، وهو ما يعني إضافة كلفة جديدة قبل أن يبدأ بشراء الوقود.
ويقدر الحاج عبد الحميد أن شراء مدفأة جديدة قد يكلف نحو 80 دولاراً، فضلاً عن ثمن الوقود اللازم لتشغيلها طوال الموسم، لذلك يرجح إصلاح مدفأته الحالية وتشغيلها خلال أشد ساعات البرد، مع جمع أفراد الأسرة في غرفة واحدة لتقليل الاستهلاك.
أما الانتقال إلى الحطب، فلا يبدو خياراً سهلاً بالنسبة إليه، بسبب ما يحتاجه من نقل وتخزين ومتابعة مستمرة للمدفأة.
شتاء الأسر.. معركة حسابات مفتوحة
وبين أسرة تنتظر معرفة حصتها من المازوت المخصص للتدفئة، وأخرى تشتري الحطب أو قشور الفستق على دفعات، وثالثة تبدأ استعدادها للشتاء بإصلاح مدفأة قديمة، تتعدد خيارات العائلات الفلسطينية في سوريا، لكن القاسم المشترك بينها هو محاولة تقليل كلفة البرد قدر الإمكان.
فكلفة التدفئة لا تتحدد بسعر الوقود عند شرائه للمرة الأولى، وإنما بما ستدفعه الأسرة على امتداد أشهر الشتاء، من وقود ونقل وتخزين، إلى جانب إصلاح المدافئ أو استبدالها عند الحاجة.
وبالنسبة للأسر التي تعتمد على أعمال موسمية أو دخول غير منتظمة، لا يكفي امتلاك المدفأة لتجاوز الشتاء؛ إذ تبقى قدرتها على تشغيلها مرتبطة بما يتوفر في جيوبها من مال، وبما تستطيع تأمينه من وقود في كل مرة.
وهكذا، تدخل العائلات الفلسطينية في سوريا موسم البرد بحسابات تتجاوز البحث عن وسيلة للتدفئة؛ فهي تحاول الموازنة بين الطعام والاحتياجات الأساسية من جهة، والحفاظ على قدر من الدفء داخل منازلها من جهة أخرى، فيما يبقى الشتاء اختباراً جديداً لقدرتها على تدبير ما لا يمكن الاستغناء عنه.

