
المركز الفلسطيني للإعلام
في خيمة نزوح ضيقة بمدينة غزة، لم يعد الحلاق شادي البرعاوي يملك صالونه الذي اعتاد أن يفتح أبوابه للزبائن، ولا ساقه اليمنى التي بُترت فوق الركبة إثر إصابته بشظايا قصف إسرائيلي استهدف حي الشيخ رضوان شمال قطاع غزة، لكنه أبقى رغم كل ما فقده على شيء لم تستطع الحرب انتزاعه منه: إرادته في العمل وتأمين حياة كريمة لأسرته.

من صالون في الشيخ رضوان إلى خيمة نزوح
يواصل البرعاوي عمله داخل الخيمة التي نزح إليها مع عائلته في مدينة غزة، بعدما تحولت مهنته من مصدر رزق مستقر إلى محاولة يومية للبقاء.
ويقول البرعاوي إن صالونه كان في الشيخ رضوان، قبل أن يفقد مكان عمله بسبب الحرب، ليجد نفسه اليوم يفتح صالونا صغيرا داخل الخيمة التي يعيش فيها في مخيم المقوسة، آملا في أن يوسع مصدر رزقه ويتمكن من إعالة أسرته وتلبية احتياجاتها.
ويصف البرعاوي صعوبة توفير متطلبات أطفاله في ظل محدودية الدخل، مشيرا إلى أن ما يكسبه في يوم كامل لا يكاد يكفي لتلبية أبسط احتياجات الأسرة.
قصف غيّر حياته
كان البرعاوي في منزله عندما أصابته شظية جراء القصف الإسرائيلي، لتنقلب حياته خلال لحظات. وخضع للعلاج والعمليات، قبل أن يصدر القرار ببتر ساقه اليمنى فوق الركبة.
ويقول إن الإصابة لم تسلبه ساقه فحسب، بل جعلت تفاصيل حياته اليومية أكثر صعوبة، بعدما أصبح عاجزا عن الحركة والعمل كما كان من قبل.
ويحمل البرعاوي مسؤولية أسرة كبيرة، بعدما استشهد والده في بداية الحرب، ليصبح المعيل الوحيد لخمس شقيقات، إلى جانب أسرة مكونة من ستة أفراد يعيلها.

حين تصبح الخيمة مكانا للعمل
يقضي البرعاوي يومه في خيمته بين أدوات الحلاقة وأعباء النزوح، محاولا أن يحافظ على مصدر رزقه بما يستطيع، بعدما أصبح الخروج للعمل وحمل معدات المهنة والتنقل بها مهمة شاقة بالنسبة إليه.
ويؤكد أن العمل داخل الخيمة لم يكن خيارا مثاليا، لكنه الحل المتاح أمامه، إذ يجنبه مشقة التنقل، ويمنحه فرصة للاستمرار في مهنته وتأمين ما يستطيع من احتياجات أسرته.
ويصف حياته في الخيمة بأنها قاسية، فلا سرير ولا مقومات حياة طبيعية، فيما يقضي ساعات طويلة على الفرشة، وتتضاعف معاناته مع احتياجات العلاج والكهرباء والحركة.

إرادة في مواجهة اليأس
يقر البرعاوي بأن اليأس كان حاضرا بقوة بعد الإصابة والبتر، وأن فقدان ساقه جعله يواجه واقعا جديدا لم يكن مستعدا له، لكنه قرر ألا يسمح للإعاقة بأن تنهي قدرته على إعالة أسرته.
ويحاول اليوم استعادة قوته تدريجيا، مستندا إلى إرادته في العمل، رغم الصعوبات المادية والجسدية التي تحيط به من كل جانب.
وبين مقص وماكينة حلاقة، يستعيد البرعاوي جزءا من حياته التي تغيرت بفعل الحرب، فيجلس أمام زبائنه ويمارس مهنته داخل خيمته، بينما تحمل يداه أدوات العمل وتحمل روحه مسؤولية أسرة تنتظر منه الاستمرار.
آلاف المبتورين في غزة
ولا تقف مأساة مبتوري الأطراف في قطاع غزة عند حدود الألم الجسدي، إذ أعلنت وزارة الصحة تسجيل أكثر من 6 آلاف حالة بتر منذ بدء الحرب، في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات الطبية والتأهيلية للجرحى، وسط صعوبات كبيرة تواجه خدمات تصنيع الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل.
ويقول مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في مركز الأطراف الصناعية والشلل في غزة حسني مهنا إن الأطفال يشكلون نحو 25% من المستفيدين من خدمات المركز، ما يتطلب برامج تأهيل متخصصة وأطرافا صناعية قابلة للتكيف مع احتياجاتهم ومراحل نموهم.
وتعرقل القيود والحصار المفروضان على إدخال المواد والمستلزمات الطبية والفنية قدرة المركز على الاستجابة للأعداد المتزايدة من حالات البتر، في ظل نقص حاد في المواد والمعدات المستخدمة في تصنيع الأطراف، من بينها الجبس اللازم لمراحل أساسية من عملية التصنيع.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أنه جرى تقييم حالة 2277 شخصا من مبتوري الأطراف في غزة بين سبتمبر 2024 ومايو 2026، بينهم 18% من الأطفال، فيما بلغت نسبة حالات البتر في الأطراف السفلية 76%.

الحرب التي لم تستطع بتر الإرادة
وخلفت الحرب على قطاع غزة أعدادا كبيرة من الإصابات والإعاقات الدائمة، في ظل تدمير أو تضرر مرافق صحية وتعطل جزء من خدمات التأهيل، بالتزامن مع استمرار القيود على إدخال المعدات والمواد الطبية والفنية.
لكن خلف هذه الأرقام حكايات إنسانية لا تختصرها الإحصاءات؛ حكاية شادي البرعاوي واحدة منها، فقد ساقه ومكان عمله وبيته، لكنه لم يفقد إرادته.
وفي خيمته، حيث اجتمع المأوى والصالون، يحاول البرعاوي أن يصنع من القليل الكثير، وأن يحول ما تبقى لديه من قدرة إلى مصدر حياة لعائلته. فالساق التي فقدها لن تعود، والحياة التي عرفها قبل الحرب تبدلت، لكن يديه ما زالتا تمسكان أدوات مهنته، وإرادته ما زالت تبحث عن باب للرزق، لأن خلف ذلك الباب أسرة كبيرة تنتظر منه أن يستمر.

