
المركز الفلسطيني للإعلام
في قطاع غزة الذي أثقلته الحرب ودمّرت غارات الاحتلال منازله ومدارسه، لم تعد صناديق المساعدات الخشبية مجرد أغلفة تنقل المواد الإغاثية، بل تحولت إلى مادة أولية يحاول الفلسطينيون من خلالها ترميم ما تبقى من حياتهم، وصناعة مأوى يحميهم من الشارع، ومقاعد تتيح لأطفالهم استئناف التعليم وسط ركام الدمار.
وبينما يحول الحصار دون توافر مواد البناء والأخشاب ومستلزمات النجارة، يبتكر الغزيون حلولًا من أبسط المتاح، في مواجهة واقع يفتقر إلى أدنى مقومات العيش.
قرب أنقاض منزله المدمر غرب مدينة غزة، قرر هشام حميد أن يبني بيتًا من ألواح الخشب التي تُعرف محليًا باسم «المشاطيح»، وهي القواعد الخشبية التي تحمل شحنات المساعدات.
لم يكن أمامه خيار سهل؛ فإعادة البناء بالمواد التقليدية باتت بعيدة المنال، بسبب شحها وارتفاع أسعارها، فيما تحولت تكاليف استئجار منزل إلى عبء يفوق قدرة كثير من العائلات النازحة.

بيت من خشب المساعدات.. بديل اضطراري عن جدران الإسمنت
يستعيد حميد مشهد تدمير منزله، موضحًا أن محاولته إنشاء مأوى بديل بدأت بأدوات بسيطة، مثل المطرقة والمعول والمجرفة، قبل أن تدفعه ندرة مواد البناء إلى استخدام الطين والحجارة، رغم ارتفاع تكلفتهما وصعوبة الحصول عليهما.
ومع تعذر توفير الإسمنت بأسعار مناسبة، اتجه إلى شراء الأخشاب المستخدمة في نقل المساعدات، فصنع منها بيتًا يقيه وعائلته قسوة البقاء في العراء.
ويقول إن الخيارات المتاحة لا تسمح بأكثر من ذلك، في ظل ارتفاع إيجارات المنازل وغياب المأوى البديل، فضلًا عن أن الخيام لا توفر حماية كافية من مياه الأمطار، ولا تعوض الاستقرار الذي يحتاج إليه الإنسان.
حتى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، مثل البراغي والمسامير، أصبحت عقبات أمام إنجاز البناء؛ فالمشكلة لا تقتصر على غياب الأخشاب، بل تمتد إلى مستلزمات تثبيتها وتجهيزها، في ظل الحصار وصعوبة إدخال المواد الأساسية إلى القطاع.
بالنسبة إلى حميد، لا يمثل البيت الخشبي حلًا مثاليًا، بقدر ما يجسد محاولة للتمسك بالحد الأدنى من الحياة، بدل البقاء فوق أنقاض المنزل أو في الشارع، انتظارًا لمواد قد لا تصل قريبًا.

النجارون يعيدون تدوير الخشب لصناعة أثاث الحياة
لم يقتصر استخدام «المشاطيح» على بناء المآوي، بل امتد إلى صناعة الأبواب والأثاث والكراسي والمقاعد المدرسية، بعدما بات الخشب التقليدي نادرًا وباهظ الثمن.
ويقول النجار أحمد أبو الكاس إن سعر لوح الخشب الذي كان يُباع بنحو 80 شيكلًا ارتفع إلى قرابة ألفي شيكل، مع صعوبة العثور عليه، ما دفع العاملين في المهنة إلى البحث عن بدائل.
ويشير أبو الكاس إلى أن خشب صناديق المساعدات أصبح يوفر مواد تدخل في صناعة الأثاث والكراسي ومقاعد الأطفال والمدارس، بل إن ورشته تواصل العمل رغم شح الإمكانات وارتفاع تكاليف التشغيل.
ويعمل لديه نحو 12 عاملًا يعيلون أسرهم من هذا النشاط، ما يجعل استمرار الورشة مصدر رزق لعائلات عدة، وليس مجرد محاولة لتلبية احتياجات السوق.
لكن هذا البديل نفسه بات مهددًا مع تعثر دخول المساعدات وإغلاق المعابر؛ فحين تتراجع الشحنات، يقل الخشب المتاح لإعادة التدوير.
كما تثقل أسعار البراغي والغراء وغيرها من مستلزمات النجارة كاهل العاملين، فيما يزيد شح الوقود وارتفاع تكلفة الكهرباء من أعباء الإنتاج، لتنعكس هذه التكاليف في نهاية المطاف على أسعار المنتجات التي يحتاج إليها السكان.
أرقام أممية تكشف حجم القيود على مواد الإيواء
وتظهر بيانات أممية حجم القيود المفروضة على دخول المواد اللازمة لإصلاح المساكن وتجهيز المآوي في غزة.
ففي تقرير صدر مطلع أيلول/سبتمبر 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن سلطات الاحتلال رفضت إدخال شحنة تضم 36,960 قطعة خشب و660 حزمة إيواء طارئة، رغم الموافقة عليها مسبقًا، فيما ظلت أكثر من 442 ألف قطعة خشب، تمثل نحو 80% من إجمالي الأخشاب المتاحة ضمن خط إمدادات مجموعة المأوى، بانتظار التخليص الجمركي عبر المسار الأردني.
وأوضح التقرير أن سلطات الاحتلال تصنف الأخشاب والأدوات ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، وتسمح بدخول 15 حمولة شاحنة أسبوعيًا فقط من المواد المعتمدة ضمن هذه الفئة، مع فرض قيود على أيام تفريغها.
وحذر من أن تأخر وصول هذه المواد يعرقل إصلاح المآوي والاستعداد لفصل الشتاء.
وتعني هذه القيود أن مواد أساسية لبناء سقف أو تثبيت لوح خشبي قد تبقى خارج القطاع، بينما يحاول السكان استغلال كل قطعة متاحة لتوفير مأوى أو أثاث ضروري.
وفي ظل اتساع الدمار والحاجة إلى إعادة تأهيل المنازل، لا تمثل هذه المواد ترفًا أو احتياجات ثانوية، بل جزءًا من متطلبات الحماية والعيش بكرامة.

مقاعد من المشاطيح تعيد الأطفال إلى التعليم
وفي المدارس، انتقلت رحلة البحث عن البدائل من البيوت إلى مقاعد الدراسة؛ فبعد انقطاع طويل فرضته الحرب، تحاول المعلمة إيمان استئناف العملية التعليمية في ظروف استثنائية، داخل أماكن لا تشبه المدارس التي عرفها الأطفال قبل الحرب، وسط اكتظاظ الطلاب ونقص التجهيزات الأساسية.
وتقول إيمان إن المعلمين اضطروا إلى بدء العملية التعليمية من الصفر تقريبًا، بعدما غابت المقاعد والطاولات والكراسي، فلجؤوا إلى المواد المتاحة، وفي مقدمتها أخشاب «المشاطيح» التي تصل مع شاحنات المساعدات.
ويعيد النجارون تشكيل هذه الأخشاب وصناعة مقاعد يمكن للطلاب استخدامها، رغم أنها لا تعوض التجهيزات المدرسية المناسبة.

وبين بيت هش يصنعه هشام حميد قرب أنقاض منزله، وورشة تكافح لتوفير مصدر رزق لعمالها، ومقاعد خشبية تتيح للأطفال مواصلة التعلم، تتجلى قدرة الغزيين على تحويل مخلفات المساعدات إلى أدوات للحياة.
غير أن هذا الإبداع، على أهميته، لا يلغي مسؤولية توفير مواد البناء ومستلزمات الإيواء والتعليم، ولا يعوض الحاجة إلى رفع القيود عن دخولها.
فأهل غزة لا يحتاجون إلى أن يصنعوا بيوتهم ومدارسهم من بقايا صناديق المساعدات، بل إلى أن تتوافر لهم المواد الأساسية التي تتيح لهم إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة حياة لا يكون فيها الخشب المستعمل بديلًا اضطراريًا عن أبسط مقومات السكن والتعليم.

