عام على وقف إطلاق النار.. غزة بين استمرار القتل واتساع الدمار وتأجيل الإعمار

عام على وقف إطلاق النار.. غزة بين استمرار القتل واتساع الدمار وتأجيل الإعمار

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

بعد عام على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم تدخل الحياة مرحلة التعافي كما كان يفترض، بل بقي الفلسطينيون عالقين بين استمرار القتل، واتساع آثار الدمار، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، فيما لا يزال مئات الآلاف يعيشون في الخيام والمساكن المؤقتة، وتراوح عملية إعادة الإعمار مكانها.

فالهدوء النسبي الذي أعقب الاتفاق لم يتحول إلى نهاية فعلية للحرب وتبعاتها؛ إذ استمر سقوط الشهداء والجرحى، وبقيت المستشفيات تعمل في ظروف استثنائية، فيما لم تتمكن آلاف العائلات من العودة إلى منازلها، إما لأنها دُمرت بالكامل أو باتت غير صالحة للسكن.

ويكشف الواقع الإنساني في القطاع فجوة واسعة بين الإعلان عن وقف إطلاق النار وبين الانتقال الفعلي إلى مرحلة ما بعد الحرب؛ فبالنسبة لسكان غزة، لا يحتاج الأمر إلى مؤشرات سياسية لمعرفة ما إذا كانت الحرب انتهت، إذ تكفي مشاهدة الخيام الممتدة فوق أنقاض الأحياء، والبيوت التي لا تزال تنهار، والمستشفيات التي تعمل بقدرات محدودة، وعائلات لم تجد بعد مكانًا آمنًا تعود إليه.

1402 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار

ورغم توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق التي سبقت الاتفاق، فإن الموت لم يتوقف.

فمنذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى 23 أيلول/سبتمبر 2026، استشهد 1402 فلسطيني وأصيب 4881 آخرون، وفق بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة. وأكدت مصادر أخرى الأرقام ذاتها، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية للاتفاق.

وتوضح هذه الأرقام أن وقف إطلاق النار أوقف الحرب الشاملة، لكنه لم يتحول إلى وقف فعلي للقتل والاستهداف، إذ لا يزال الفلسطينيون عرضة للقصف وإطلاق النار والاغتيالات، فيما تتواصل الخروقات في مناطق مختلفة من القطاع.

وقال مدير عام مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، إن مرور عام على وقف إطلاق النار لم يضع حدًا لحرب الإبادة وتداعياتها، مشيرًا إلى استمرار سقوط الشهداء والجرحى وتدهور الأوضاع الصحية والإنسانية.

وأوضح أن القطاع الصحي لم ينتقل إلى مرحلة التعافي، وإنما لا يزال يعمل في إطار حالة طوارئ ممتدة، وسط نقص الأدوية والمستهلكات الطبية وقطع الغيار والوقود والمستلزمات الضرورية لتشغيل المستشفيات والمرافق الصحية.

وتتجاوز تداعيات ذلك الجرحى والمصابين، لتطال مرضى السرطان والكلى والقلب والأمراض المزمنة، والأطفال والنساء، ممن يحتاجون إلى علاج منتظم وفحوصات وتحويلات طبية لا تزال تواجه عراقيل كبيرة.

دمار لم يتوقف عند حدود الحرب

ولم تتوقف آثار الحرب عند الخسائر البشرية، إذ لا يزال الدمار حاضرًا في مختلف أنحاء القطاع، فيما تتسع الفجوة بين حجم الاحتياجات وإمكانات الاستجابة.

وبحسب المعطيات التي أوردها الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا لمراسلنا، ورصدتها الأمم المتحدة حتى منتصف حزيران/يونيو 2026، تضرر نحو 201 ألف مبنى، أي ما يقارب 82% من إجمالي مباني قطاع غزة، بينها أكثر من 134 ألف مبنى مدمر، إلى جانب تضرر أكثر من 328 ألف وحدة سكنية. كما ارتفع عدد المباني المصنفة مدمرة مقارنة بالتقييم الذي أُجري في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

وهذا يعني أن انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق لم يضع حدًا لأثر الحرب على العمران؛ فالبيوت المهدمة والمباني المتضررة ما تزال تشكل خطرًا على السكان، فيما تحتاج عملية إعادة بناء القطاع إلى موارد هائلة ووقت طويل وإدخال معدات ومواد بناء وقطع غيار بكميات كافية.

غزة ما زالت تعيش حالة طوارئ

وبعد عام كامل، لا تزال الأزمة الإنسانية تضغط على معظم سكان القطاع؛ إذ يحتاج 94% من سكان غزة إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والاحتياجات الأساسية، بينما تعيش 65% من الأسر في خيام أو مساكن مؤقتة.

ولا تعني هذه الأرقام مجرد استمرار الحاجة إلى المساعدات الغذائية، وإنما تعكس غياب مقومات الحياة الطبيعية لدى شريحة واسعة من السكان، من المسكن الآمن والمياه والكهرباء، إلى الخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل ومصادر الدخل.

وتقول وزارة التنمية الاجتماعية إن آلاف الأسر لا تزال تعتمد على المساعدات والتكايا ومراكز توزيع الطعام، في ظل فقدان مصادر الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.

وتؤكد الوزارة أن دخول بعض المساعدات أو السلع إلى القطاع لا يعني انتهاء الأزمة، لأن المعيار الحقيقي يتمثل في قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها بصورة منتظمة، دون الارتهان الدائم للمساعدات الطارئة.

النازحون.. عام آخر بلا مأوى

وتبقى أزمة النزوح واحدة من أبرز صور استمرار الكارثة الإنسانية، إذ يعيش نحو 1.5 مليون فلسطيني في أوضاع نزوح متفاوتة، بين الخيام ومراكز الإيواء والمباني المتضررة والمساكن المكتظة.

وتعتمد أعداد كبيرة من العائلات على خيام ومساكن مؤقتة لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، بعد تعرضها لفترات طويلة لعوامل الطقس، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى العودة إلى منازل متضررة أو غير آمنة نتيجة غياب البدائل.

وتزداد المخاوف مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل الحاجة إلى كميات كبيرة من الخيام ومواد العزل والفرش والوقود ومستلزمات الحماية من الأمطار والبرد.

وهكذا لم يعد النزوح حالة مؤقتة مرتبطة بمرحلة الحرب، بل تحول بالنسبة لقطاعات واسعة من السكان إلى واقع ممتد، في وقت لم تبدأ فيه عملية إعادة الإعمار بصورة قادرة على استيعاب حجم الدمار.

المستشفيات تعمل بنصف طاقتها

وفي القطاع الصحي، لا تزال آثار الحرب حاضرة بقوة؛ فالمستشفيات والمراكز الصحية تعمل في ظروف استثنائية، مع نقص في الأدوية والمستلزمات والوقود وقطع الغيار، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية الصحية.

ويقول أبو سلمية إن إعادة بناء القطاع الصحي لا يمكن أن تتم عبر المساعدات الطارئة وحدها، بل تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة للمستشفيات والمراكز الصحية، وتوفير الأجهزة الطبية والأدوية والمستهلكات وقطع الغيار، فضلًا عن ضمان خروج المرضى الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في غزة.

وتكشف أرقام الإجلاء الطبي استمرار حجم الحاجة؛ فقد جرى إجلاء آلاف المرضى ومرافقيهم منذ وقف إطلاق النار، في مؤشر على أن المنظومة الصحية لم تستعد قدرتها الطبيعية على الاستجابة لمختلف الحالات المرضية.

المياه والمدارس والخدمات.. طوارئ مستمرة

ولا يقتصر أثر الدمار على المنازل والمستشفيات، إذ لا تزال المدارس وشبكات المياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية تعمل بقدرات محدودة، وفي كثير من المناطق بمنطق الطوارئ بدلًا من العمل ضمن منظومات مستقرة.

وتعوق القيود المفروضة على دخول المعدات ومواد البناء وقطع الغيار والمولدات الانتقال من مرحلة الإغاثة العاجلة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ما يطيل عمر الأزمة ويجعل إصلاح القطاعات الحيوية أبطأ بكثير من حجم الاحتياجات.

وبذلك، بقيت عملية إعادة الإعمار معلقة بين حجم الدمار الهائل، وصعوبة إدخال مستلزمات البناء والتشغيل، وغياب القدرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

خطط سياسية.. وواقع لا يتغير

وعلى المستوى السياسي، لم تتحول الترتيبات التي طُرحت لإدارة قطاع غزة وإعادة إعمارها إلى واقع ملموس يلمسه السكان في حياتهم اليومية.

ويبرز في هذا السياق ما سُمّي “مجلس السلام”، الذي طُرح للإشراف على ترتيبات غزة وإعادة الإعمار، غير أن الخطط المعلنة لم تنتج حتى الآن تغييرًا جوهريًا في الواقع الإنساني والمعيشي داخل القطاع.

كما بقيت ملفات التمثيل الفلسطيني والسيادة وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من القضايا العالقة، في وقت تبدو فيه الاحتياجات اليومية للسكان أكبر بكثير من النتائج التي تحققت خلال عام كامل.

وهنا تظهر الفجوة بين الاتفاق بوصفه إطارًا سياسيًا، وبين أثره على الأرض؛ فالمواطن الذي لا يزال في خيمة، والمريض الذي ينتظر العلاج، والأسرة التي لا تستطيع العودة إلى منزلها، لا يلمس من الترتيبات السياسية تغييرًا يوازي حجم الكارثة التي يعيشها.

من وقف الحرب إلى إدارة الأزمة

ويرى القرا أن غزة انتقلت بعد عام من الاتفاق من الحرب المفتوحة إلى إدارة طويلة للأزمة؛ فحدة العمليات العسكرية تراجعت، لكن القتل لم يتوقف، والنزوح لم ينتهِ، والإعمار لا يزال مؤجلًا، فيما تعمل المساعدات على منع الانهيار دون أن تكون قادرة على إعادة الحياة إلى طبيعتها.

وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة فقط في احتمال عودة الحرب إلى نطاق أوسع، وإنما في أن آثارها وقيودها قد تتحول إلى واقع دائم تحت عنوان “وقف إطلاق النار”.

فوقف الحرب لا يكتمل بمجرد توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، وإنما عندما يتوقف الموت، ويتمكن النازحون من العودة إلى منازلهم، ويبدأ الإعمار، وتستعيد المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء قدرتها على العمل بصورة طبيعية.

وبعد عام، تبدو غزة أمام اختبار يتجاوز مجرد بقاء اتفاق وقف إطلاق النار من الناحية الشكلية؛ فالمطلوب هو الانتقال من وقف مؤقت للعمليات إلى نهاية فعلية للحرب وتبعاتها، حتى لا تتحول آثار الدمار والنزوح والفقر والأزمة الإنسانية إلى واقع دائم يحمل اسم “وقف إطلاق النار”.

غزة لا تحتاج إلى إدارة معاناتها.. بل إلى إنهائها

عام كامل لم يكن كافيًا لإخراج غزة من حالة الطوارئ، ولم يكن كافيًا لإعادة النازحين إلى بيوتهم أو تشغيل المستشفيات والمدارس والخدمات بصورة طبيعية أو فتح طريق حقيقي أمام الإعمار.

وبينما تتراجع حدة الحرب المفتوحة، تبقى آثارها اليومية حاضرة في كل تفاصيل الحياة: شهيد جديد، جريح جديد، خيمة بدل المنزل، مستشفى يعمل بإمكانات محدودة، وأسرة تنتظر المساعدة بدل أن تستعيد مصدر رزقها.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار سيستمر، بل ما إذا كان سيقود فعلًا إلى نهاية الحرب وتبعاتها، أم أن غزة ستبقى عالقة في منطقة رمادية بين الحرب والسلام؛ لا قصف شامل، ولا حياة طبيعية، ولا إعمار حقيقي، ولا قدرة على طي صفحة الكارثة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest