
المركز الفلسطيني للإعلام
في غزة، لم يعد البحث عن الوقود مجرد حاجة لتشغيل مركبة أو مولد كهرباء، بل تحول إلى رحلة شاقة للبحث عن أي بديل يبقي الحياة ممكنة في ظل الحصار ومنع دخول شاحنات المحروقات.
وبينما تتوقف آليات البلديات وتهدد أزمة الوقود خدمات المياه والصرف الصحي، يضطر فلسطينيون إلى ابتكار وسائل بدائية لاستخراج وقود من بقايا البلاستيك، رغم كلفته المرتفعة ومخاطره الصحية والبيئية.

بدائل من بين النفايات
في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، أقام سهيل أبو أحمد ورشة بدائية لإنتاج ما يسميه “الديزل الصناعي”، بعد انقطاع السولار والبنزين عن القطاع لفترات طويلة.
ويشرح أبو أحمد أن العملية تبدأ بجمع البلاستيك والملابس والأقمشة التالفة وغيرها من المواد القابلة للحرق، ثم وضعها في براميل وتسخينها حتى تذوب وتتحول إلى مواد خام، قبل تكريرها مجددا لإنتاج سائل يستخدم لتشغيل المولدات.
ويعمل في الورشة أربعة أشخاص، بينهم أبو أحمد وثلاثة عمال، في محاولة لتوفير مصدر رزق في ظل انعدام فرص العمل ونقص الوقود والكهرباء.
ويروي أبو أحمد أن تكلفة هذا الوقود ارتفعت بصورة كبيرة، موضحا أن سعر السولار قبل الحرب كان يتراوح بين خمسة وستة شواكل، بينما يصل سعر السولار الصناعي حاليا إلى نحو 25 شيكلا، فضلا عن ارتفاع تكلفة شراء البلاستيك والمواد المستخدمة في إنتاجه.
ويؤكد أن العمل محفوف بالمخاطر، خصوصا مع استخدام النار والحرارة العالية في عملية التكرير، لكنه يقول إن الظروف القاسية والحاجة إلى تشغيل المولدات دفعته والعاملين معه إلى الاستمرار.

وقود شحيح وخدمات مهددة
تأتي هذه المحاولات الفردية في وقت تتفاقم فيه أزمة المحروقات في مختلف أنحاء القطاع، مع استمرار القيود على إدخال الوقود والمستلزمات التشغيلية.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دخلت القطاع سبع شاحنات محملة بالغاز التجاري و28 شاحنة محملة بالسولار المخصص للمؤسسات، وسط تحذيرات من استمرار تقليص إدخال الشاحنات الحيوية وشحنات الوقود.
وحذر اتحاد بلديات قطاع غزة من اقتراب القطاع من مرحلة “الانهيار الشامل” في الخدمات البلدية الحيوية، في ظل النقص الحاد في السولار والزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي ومولدات الكهرباء، إضافة إلى آليات فتح الطرق ورفع الركام.
وأوضح الاتحاد أن عددا من الآليات توقف بالفعل عن العمل، فيما باتت معدات أخرى مهددة بالتوقف الكامل، مع استمرار منع إدخال قطع الغيار وإطارات المركبات، الأمر الذي يستنزف ما تبقى من قدرات البلديات المحدودة.

ثمن البديل.. خطر لا يملك الغزيون رفاهية رفضه
وفي ظل هذا الواقع، يتحول جمع النفايات البلاستيكية إلى مهنة يومية لبعض الفلسطينيين، إذ يبدأ العاملون منذ ساعات الفجر بجمع البلاستيك من مكبات النفايات قبل حرقه وتكريره داخل براميل بدائية.
ويقول عاملون في هذا المجال إن الوقود الناتج يستخدم لتشغيل المولدات وبعض المركبات، فيما يضطر العاملون إلى قضاء ساعات طويلة في بيئة ترفع مخاطر الحروق والانفجارات والتعرض للملوثات.
ويشير أحد العاملين إلى أنه يعمل من السادسة صباحا حتى العاشرة مساء لإعالة أسرته، مؤكدا أن الظروف الاقتصادية وانعدام فرص العمل دفعاه إلى هذا العمل رغم مخاطره.

الوقود البدائي يشغل النسبة الأكبر
وبحسب العاملين في هذا المجال، اتسع استخدام هذا الوقود البدائي في القطاع، حتى بات يشغل نسبة كبيرة من المولدات والمركبات، فيما يستفيد منه أيضا بعض المستشفيات والأطباء والسيارات التي تحاول مواصلة عملها وسط الظروف الكارثية.
لكن ما يخرج من هذه البراميل ليس مجرد وقود بديل؛ فهو تعبير قاس عن واقع يدفع الناس إلى تحويل النفايات إلى مصدر للحياة، ولو بثمن باهظ من المال والصحة والسلامة والبيئة.
وفي غزة، حيث يصبح الوقود شرطا لاستمرار المستشفيات والمياه والصرف الصحي والمولدات والحركة اليومية، لا تبدو هذه الابتكارات خيارا طبيعيا بقدر ما هي نتيجة مباشرة لأزمة دفعت المدنيين إلى البحث عن أي وسيلة ممكنة للبقاء.

