
واشنطن – المركز الفلسطيني للإعلام
للمرة الأولى منذ أكثر من ربع قرن، يتقدم الفلسطينيون على الصهاينة في ميزان التعاطف لدى الرأي العام الأميركي، في تحول لافت ارتبط بصورة أساسية بحرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل والتهجير، وما أثارته من انتقادات متصاعدة داخل الولايات المتحدة للدعم السياسي والعسكري الأميركي لكيان الاحتلال.
وأظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته جامعة “كوينيبياك” الأميركية أن 38% من المشاركين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 35% يميلون إلى التعاطف مع الصهاينة، فيما لم يحسم 27% موقفهم، وهذه هي المرة الأولى منذ بدء الجامعة طرح السؤال في ديسمبر 2001 التي تتجاوز فيها نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين نظيرتها لدى الصهاينة.
ولا تكتسب النتيجة أهميتها من فارق النقاط الثلاث فحسب، وإنما من موقعها في مسار طويل ظل فيه الصهاينة يتقدمون على الفلسطينيين في هذا المؤشر، فقد سجل التعاطف مع الفلسطينيين أعلى مستوياته في تاريخ قياسات الجامعة، في حين هبط التعاطف مع الصهاينة إلى أدنى مستوى له منذ بدء الاستطلاع.
ويبدو أن الحرب على غزة شكلت نقطة التحول الأبرز في هذا المسار، إذ لم تعد القضية الفلسطينية في نظر قطاعات متزايدة من الأميركيين مجرد ملف في صراع ممتد في الشرق الأوسط، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بمشاهد القتل والدمار والنزوح والأزمة الإنسانية التي تصدرت التغطية الإعلامية والنقاش السياسي والشعبي في الولايات المتحدة.
غزة في قلب التحول
على مدى الحرب، تصاعد الجدل الأميركي بشأن طبيعة الدعم الذي تقدمه واشنطن لدولة الاحتلال، بالتوازي مع اتساع الاحتجاجات الشعبية والطلابية المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة الصهاينة على الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة.
ويعكس استطلاع “كوينيبياك” هذا التحول بصورة أخرى، إذ قال 48% من الأميركيين إن الولايات المتحدة تقدم لدولة الاحتلال دعماً أكبر من اللازم، مقابل 34% رأوا أن مستوى الدعم مناسب، بينما اعتبر 8% أن الدعم غير كافي.
وتزداد دلالة هذه الأرقام عند وضعها في سياق التحول في التعاطف، فارتفاع عدد الأميركيين الذين يرون أن بلادهم تبالغ في دعم كيان الاحتلال يتزامن مع انتقال الفلسطينيين إلى صدارة مؤشر التعاطف للمرة الأولى منذ عام 2001، بما يعكس اتساع المسافة بين قطاعات من الرأي العام والسياسة الأميركية التقليدية تجاه دولة الاحتلال.
ولا يبدو هذا التغير متساوياً بين جميع الأميركيين، إذ تكشف النتائج عن انقسام حزبي عميق، ففي حين يميل غالبية الديمقراطيين إلى الفلسطينيين، يحتفظ الجمهوريون بموقف أكثر تأييداً للاحتلال، فيما يظهر المستقلون اتجاهاً أقرب إلى الفلسطينيين.
من صور غزة إلى السياسة الأميركية
وخلال سنوات الحرب، تحولت غزة إلى حاضر دائم في النقاش الأميركي، سواء في الجامعات والشوارع أو داخل الكونغرس ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
ورافق ذلك تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارة واشنطن بسبب استمرار تزويد الاحتلال بالأسلحة والدعم السياسي، في وقت كانت فيه صور الضحايا والدمار والأزمة الإنسانية في القطاع تصل يومياً إلى الجمهور الأميركي.
وكان لافتاً في هذا السياق بروز احتجاجات طلابية واسعة في الجامعات الأميركية، وتحول الحرب إلى قضية سياسية داخلية تؤثر في مواقف الناخبين، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين والتيارات التقدمية.
ومع استمرار الحرب، لم يعد النقاش يقتصر على سؤال “من يؤيد؟”، بل انتقل بصورة متزايدة إلى سؤال آخر يتعلق بحدود الدور الأميركي وهل ينبغي لواشنطن الاستمرار في تقديم هذا المستوى من الدعم لدولة الاحتلال، أم أن حجم الخسائر الفلسطينية والكارثة الإنسانية في غزة يستدعي تغيير السياسة الأميركية؟
ويأتي استطلاع “كوينيبياك” ليقدم مؤشراً جديداً على أن الحرب على غزة لم تترك آثارها في القطاع وحده، وإنما انعكست أيضاً على صورة دولة الاحتلال داخل المجتمع الأميركي وعلى الطريقة التي ينظر بها جزء متزايد من الأميركيين إلى الفلسطينيين وقضيتهم.
ومع أن فارق التعاطف المسجل في الاستطلاع لا يزال ضمن هامش الخطأ الإحصائي، فإن القيمة السياسية للنتيجة تكمن في كسرها نمطاً استمر أكثر من عقدين، فأن يصل التعاطف مع الفلسطينيين إلى أعلى مستوى له، فيما يهبط التعاطف مع الصهيانة إلى أدنى مستوياته، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب على غزة، يمثل مؤشراً يصعب فصله عن التحولات التي أحدثتها الحرب في الوعي والنقاش العام الأميركي.
وبهذا المعنى، قد لا يكون استطلاع “كوينيبياك” مجرد لقطة عابرة لاتجاهات الرأي، بل علامة على تبدل أعمق في النظرة الأميركية إلى الصراع، كانت غزة، بما حملته الحرب من مشاهد إنسانية وسياسية غير مسبوقة، أحد أهم محركاته وأبرز نقاط التحول فيه.

