فاطمة العجم.. حين تحمل أنفاس أمها لعالم يحاصر أوكسجين غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

«أمي بتنخنق 24 ساعة.. بس كل الهوا بنحاول نوفره إلها، وإذا خلص الأوكسجين شو بدنا نعمل؟»، بهذه الكلمات الموجوعة، وبدموع لم تستطع فاطمة العجم حبسها، تختصر حكاية أمها المسنة الحاجة حنان العجم؛ امرأة أنهكها المرض وفقدان جميع أبنائها في الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة، وأصبح بقاؤها على قيد الحياة معلقًا بما تبقى من أسطوانة أكسجين في مستشفى بمدينة غزة.

لا تتحدث فاطمة عن رفاهية ضائعة، ولا عن علاج يمكن تأجيله إلى الغد، بل عن الهواء نفسه؛ عن الشيء الذي يحتاجه الإنسان كي يستمر قلبه في النبض، ورئتاه في العمل، وعيناه في البقاء مفتوحتين على الحياة.

تروي فاطمة كيف ابتلعت الحرب والدتها شيئًا فشيئًا، وكيف بدأت الأمراض تتراكم عليها بعد انتهاء الحرب، بينما كانت المستلزمات الطبية تتناقص من حولها حتى أصبح كل شيء شحيحًا: الأدوية، والألبومين، والأسرة، والمعدات، والأكسجين.

وتقول إن والدتها باتت تعاني الاختناق على مدار الساعة، وإن العائلة تحاول توفير الأكسجين لها بكل ما تستطيع، لأن انقطاعه يعني أن أنفاسها قد تتوقف في أي لحظة.

وتستعيد فاطمة مشاهد الأيام الأخيرة بمرارة، وهي تتحدث عن الحاجة حنان التي لم يعد جسدها يحتمل مزيدًا من النقص والمرض، وعن محاولات الأطباء توفير ما يلزمها وسط مستشفى يعاني هو الآخر من نقص كل شيء.

وتقول فاطمة إن والدتها تحتاج إلى أجهزة ومستلزمات طبية أساسية، لكن حتى أبسط الاحتياجات لم تعد متاحة بسهولة، وإن الأسرة تجد نفسها في كل مرة أمام السؤال ذاته: من أين نأتي بما تحتاجه أمنا؟

ثم تصمت لحظة، قبل أن يخرج السؤال من قلبها أثقل من كل الكلام: «مين يجيبها؟».

ذلك السؤال ليس سؤال فاطمة وحدها، إنه سؤال آلاف المرضى الذين يعيشون في غزة على حافة انقطاع الأكسجين والدواء، فيما تتراجع قدرة المستشفيات على إنقاذهم يومًا بعد يوم.

ففي مستشفى الشفاء بمدينة غزة، يتلقى المرضى علاجهم وسط تحذيرات من تفاقم أزمة إمدادات الأكسجين، بينما تشير مصادر فلسطينية إلى توقف 22 محطة من أصل 34 محطة لإنتاج الأكسجين عن العمل، وسط مخاوف متزايدة من توقف المحطة المركزية في المستشفى.

ولا تبدو الأزمة مجرد عطل فني عابر؛ فالمحطات المتبقية تعمل فوق طاقتها، بينما تتراكم الأعطال وتغيب قطع الغيار ومستلزمات الصيانة، في وقت تحتاج فيه المستشفيات إلى الأكسجين كما يحتاج الغريق إلى طوق نجاة.

وحذرت وزارة الصحة الفلسطينية من تداعيات كارثية جراء تعطل معظم محطات توليد الأكسجين في مستشفيات قطاع غزة، مؤكدة أن استمرار منع إدخال قطع الغيار ومستلزمات الصيانة اللازمة لإعادة تشغيلها يهدد بانهيار منظومة الإمداد.

وتؤكد مصادر طبية أن أزمة الأكسجين تستنزف ما تبقى من القدرة التشغيلية للمستشفيات، وتضع حياة عشرات المرضى والجرحى على حافة الخطر، خصوصًا في الأقسام التي لا يمكن أن تعمل من دونه.

وتطال الأزمة 72 وحدة عناية مركزة، و54 وحدة لرعاية الأطفال الخدّج وحديثي الولادة، إضافة إلى 19 وحدة عناية مخصصة للأطفال، وسط عجز متزايد عن توفير الدعم التنفسي الضروري.

وتحذر وزارة الصحة من أن خروج معظم محطات إنتاج الأكسجين عن الخدمة، مع إرهاق المحطات المتبقية وتشغيلها بما يتجاوز قدرتها القصوى، يقرب القطاع الصحي من لحظة انهيار لا يمكن تدارك نتائجها بسهولة.

وسبق أن حذرت الوزارة من خطر الشلل التام الذي يتهدد إمدادات الأكسجين في القطاع، مشيرة إلى أن المحطات المتبقية استُنزفت طاقتها التشغيلية، فيما تتواصل الأعطال دون قدرة فرق الصيانة على إجراء التدخلات اللازمة.

هناك أم مثل حنان العجم تتشبث بكل نفس، وابنة مثل فاطمة تجلس إلى جوارها وهي تحسب الوقت بقلق، وتراقب كمية الأكسجين كما لو أنها تعد الدقائق المتبقية من عمر أمها.

هناك طفل يحتاج إلى الحضانة، ومريض في العناية المركزة، وجريح ينتظر أن تساعده الآلات على التقاط أنفاسه، ومريض آخر لا يملك إلا أن ينتظر أسطوانة جديدة قد تصل وقد لا تصل.

في غزة، لم يعد السؤال: كيف نعالج المرضى؟ بل أصبح في بعض الحالات: كيف نوفر لهم الهواء كي يبقوا أحياء؟

وحين يُمنع الأكسجين عن مستشفى محاصر، فإن الحرب لا تضرب الجسد بالقصف وحده؛ إنها تحاصره حتى في أبسط شروط بقائه، وتترك المريض أمام معادلة قاسية لا يملك منها مخرجًا.

وتقف فاطمة أمام هذه الحقيقة عاجزة، لا تملك لوالدتها سوى الدعاء ومحاولة توفير ما يمكن توفيره، بينما يتراجع مخزون الأكسجين، وتتراجع معه مساحة الأمل.

وتقول بصوت يختلط فيه الغضب بالانكسار: «هذا ظلم.. ظلم كبير».

وفي الجهة الأخرى، يقف العالم متفرجًا على أنفاس غزة وهي تضيق.

لا تطلب فاطمة معجزة لوالدتها؛ تطلب أكسجينًا، دواءً، سريرًا، ومستلزمات طبية تمنحها فرصة أخرى للحياة.

لكن حتى هذه المطالب البسيطة باتت في غزة أمنيات ثقيلة، في وقت تستمر فيه القيود على إدخال المعدات وقطع الغيار والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة.

وهكذا تتحول أسطوانة الأكسجين إلى ساعة رملية؛ كل دقيقة تنقص منها لا تعني مجرد انخفاض مخزون طبي، بل قد تعني اقتراب النهاية لمريض ينتظر نفسًا جديدًا.

وفي غزة المحاصرة، لا يزال المرضى ينتظرون أن يتحرك العالم قبل أن ينفد الهواء تمامًا، وقبل أن يصبح سؤال فاطمة: «منين أجيب الهوا؟» شاهدًا جديدًا على مأساة كان يمكن إنقاذ أصحابها لو وصلتهم أبسط حقوق الإنسان.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest