
المركز الفلسطيني للإعلام
فوق تلال الضفة الغربية، لا تبدو المشاهد في ظاهرها مختلفة كثيرًا عن حياة ريفية بسيطة؛ فتيات يعشن في خيام ومساكن بدائية، يزرعن الأرض، يطبخن وينظفن، ويظهرن في مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن خلف هذه الصورة، يتشكل مشروع استيطاني يسعى إلى تثبيت وجود إسرائيلي جديد على الأرض الفلسطينية، يبدأ من مجموعة صغيرة وينتهي ببؤرة سكنية قابلة للتوسع.
هؤلاء يُعرفن باسم “فتيات التلال”، وهن امتداد نسائي لظاهرة “فتية التلال” التي ظهرت في الضفة الغربية منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وقامت على إقامة نقاط استيطانية فوق التلال والمرتفعات، ثم العمل على تثبيتها وتوسيعها تدريجيًا.
من “فتية التلال” إلى “فتيات التلال”
ظهرت ظاهرة “فتية التلال” باعتبارها أحد أشكال النشاط الاستيطاني القائم على الوصول إلى مناطق مرتفعة داخل الضفة الغربية وإقامة نقاط صغيرة فيها، غالبًا من خلال الخيام والمساكن المتنقلة، قبل تطويرها لاحقًا.
ومع الوقت، ظهر نموذج نسائي للمشروع حمل اسم “فتيات التلال”، وركز بدرجة أكبر على تقديم الحياة في البؤر باعتبارها نمط حياة يوميًا.
تظهر المشاركات في مقاطع مصورة وهن يزرعن الأرض، يربين الحيوانات، يجهزن الطعام، ينظفن مساكنهن ويشاركن في أعمال البناء، بما يعطي انطباعًا بأن الأمر يتعلق بحياة ريفية بعيدة عن المدن.
لكن هذه الأنشطة تؤدي في النهاية وظيفة تتجاوز الجانب المعيشي، إذ تساعد على تثبيت وجود المستوطنين في مواقع جديدة، وتحويل النقاط المؤقتة إلى أماكن أكثر استقرارًا.
“ماعوز إستير”.. البداية الأبرز
تعد بؤرة “ماعوز إستير” شمال شرق رام الله واحدة من أبرز التجارب المرتبطة بظاهرة “فتيات التلال”.
بدأت البؤرة عام 2006 كنقطة صغيرة على تلال قريبة من مستوطنة “كوخاف هشاحر”. وعلى الرغم من عمليات هدم نفذتها سلطات الاحتلال في مراحل مختلفة، عاد المستوطنون إلى الموقع واستمر وجودهم فيه.
ومع مرور السنوات، توسعت البؤرة وتحولت من تجمع صغير إلى مكان يضم عائلات وأطفالًا، وأصبح الموقع يعرف أيضًا باسم “تلة الفتيات” في بعض التقارير.
وتحدثت تقارير سابقة عن مشاركة فتيات صغيرات في هذا النمط من الحياة، وبعضهن كن في سن المراهقة، حيث عشن داخل البؤرة بعيدًا عن عائلاتهن.
بالنسبة إلى بعض المشاركات، لم يكن الأمر مجرد تجربة للعيش في منطقة ريفية، بل جزءًا من تصور أيديولوجي يقوم على تعزيز الوجود اليهودي في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
من الخيمة إلى البؤرة
تقوم الفكرة الأساسية على خطوات متدرجة.
تبدأ بمجموعة صغيرة من المستوطنين في موقع مرتفع، ثم إقامة خيمة أو مسكن مؤقت، وبعدها تبدأ أعمال الزراعة والرعي وشق الطرق وتوفير المياه والكهرباء.
مع تحسن ظروف الحياة، يصبح المكان أكثر قدرة على استقطاب مستوطنين جدد وعائلات، فتتحول النقطة الصغيرة تدريجيًا إلى تجمع أكبر.
وهنا تكمن أهمية هذا النموذج؛ فالمشروع لا يحتاج في بدايته إلى عشرات المنازل. يكفي وجود مجموعة صغيرة في موقع استراتيجي، ثم بناء مقومات الحياة حولها، لتتحول النقطة مع الوقت إلى أمر واقع على الأرض.
وتكتسب الزراعة والرعي أهمية خاصة في هذه العملية، لأن النشاط في الأرض لا يقتصر على توفير الغذاء أو مصدر الدخل، بل يمكن أن يرافقه توسع في المساحات التي يستخدمها المستوطنون.
“أور أهوفيا”.. تكرار التجربة
في عام 2023، ظهرت تجربة أخرى مرتبطة بـ”فتيات التلال”، مع إنشاء بؤرة “أور أهوفيا” على تلال قريبة من مستوطنة “عوفرا” شمال شرق رام الله.
وتكرر التجربة تقريبًا المسار نفسه: مجموعة صغيرة، مساكن بدائية، أعمال زراعية، ثم محاولة تطوير المكان وتوفير مقومات الحياة فيه.
وشملت الأنشطة المرتبطة بالموقع تحسين الطرق وإنشاء بنية تحتية وزراعة الأشجار، إلى جانب محاولات توفير الكهرباء والمياه.
وبهذه الطريقة، لا تبقى البؤرة مجرد مجموعة من الخيام، بل تبدأ بالتحول إلى مكان قادر على استقبال سكان جدد والاستمرار لفترة أطول.
“الاستيطان الناعم”
أحد أبرز جوانب ظاهرة “فتيات التلال” هو الطريقة التي تُعرض بها على وسائل التواصل الاجتماعي.
فبدلًا من التركيز على مشاهد المواجهة أو الأسلحة، تظهر الفتيات في صور ومقاطع تتحدث عن الزراعة والحياة اليومية والعمل في الأرض.
هذا النمط دفع بعض التقارير الصحفية إلى وصف الظاهرة بأنها “استيطان ناعم”؛ أي تقديم النشاط الاستيطاني من خلال صورة اجتماعية ومعيشية أقل صدامًا، مع استمرار الهدف المتمثل في تثبيت الوجود الاستيطاني وتوسيع نطاقه.
وتمنح وسائل التواصل المجموعة فرصة لتقديم هذه الحياة للشابات باعتبارها تجربة جماعية قائمة على العيش في الطبيعة والعمل الزراعي، وهو ما يساعد على جذب مشاركات جديدات وإبقاء المشروع حاضرًا أمام جمهور أوسع.
من البؤر إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية
لم يقتصر نشاط المجموعة على مواقع البؤر الاستيطانية.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، انتشرت مقاطع مصورة ظهرت فيها مستوطنات يقدمن أنفسهن باسم “فتيات التلال” وهن يقطفن الزيتون من أراضٍ فلسطينية في منطقة جبل بانياس ببلدة نحالين غرب بيت لحم.
وأثارت المقاطع ردود فعل واسعة، بعدما ظهرت النساء وهن يأخذن محصول الزيتون من أشجار فلسطينية.
ويشير ذلك إلى انتقال حضور المجموعة من مجرد الإقامة في البؤر الاستيطانية إلى نشاط مباشر داخل الأراضي الزراعية الفلسطينية، بما يفتح جانبًا آخر من القضية المرتبطة بالسيطرة على الأرض واستغلالها.
مشروع يتوسع خطوة بعد أخرى
توضح تجربة “ماعوز إستير” ثم “أور أهوفيا” أن المسألة لا تتعلق بموقع واحد.
النموذج يقوم على تكرار الخطوات نفسها: اختيار تلة أو منطقة مرتفعة، إقامة مجموعة صغيرة، إنشاء مساكن، زراعة الأرض وتوفير الخدمات الأساسية، ثم استقدام عائلات جديدة.
وبمرور الوقت، يمكن أن تتحول النقطة الصغيرة إلى تجمع أكثر ثباتًا، وتصبح مرتبطة بالمستوطنات القائمة من خلال الطرق والخدمات والبنية التحتية.
لهذا، فإن قصة “فتيات التلال” لا تتوقف عند صورة فتيات يعشن في خيام فوق الجبال. فخلف هذه الصورة توجد آلية استيطانية تقوم على تثبيت الوجود البشري في مواقع جديدة، ثم تطويره تدريجيًا حتى يصبح واقعًا دائمًا.
منذ تجربة “ماعوز إستير” عام 2006، مرورًا بـ”أور أهوفيا” عام 2023، وصولًا إلى النشاط في الأراضي الزراعية الفلسطينية، يظهر مسار واضح: الخيمة ليست النهاية، بل نقطة البداية.

