
المركز الفلسطيني للإعلام
تتصاعد مخاوف الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 من اتساع الاستهداف الإسرائيلي لأرضهم ووجودهم، في ظل تنامي خطاب اليمين المتطرف الداعي إلى تهويد الجليل والنقب، وتوسيع التجمعات الاستيطانية، ومحاولات نقل أدوات السيطرة على الأرض التي يستخدمها الاحتلال في الضفة الغربية إلى المناطق التي يقطنها الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة.
وتبرز بلدة مجد الكروم في الجليل نموذجًا لهذا التحدي، بعدما شهدت خلال سبتمبر/أيلول الماضي محاولة إقامة بؤرة استيطانية في منطقة الروس على أراضيها، في خطوة أثارت احتجاجات شعبية واسعة نجحت في إجبار المستوطنين على إخلاء الموقع، لكنها لم تبدد مخاوف السكان من تكرار المحاولة في مناطق أخرى.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل حملة يقودها وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، يتعهد خلالها بتهويد الجليل، وإقامة 40 تجمعًا يهوديًا جديدًا، وإضافة مليون يهودي إلى مناطق الجليل والنقب، التي تضم تجمعات فلسطينية واسعة.
ويخشى الفلسطينيون أن تشكل عودة اليمين المتطرف إلى الحكم مرحلة جديدة من الاستهداف السياسي والأمني والديمغرافي، وأن تتحول محاولات الاستيطان المتفرقة إلى سياسة منظمة لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي في المناطق الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
الروس.. محاولة استيطانية لاختبار ردود الفعل
في 13 سبتمبر/أيلول الماضي، بدأ فلسطينيون من مجد الكروم والبلدات المحيطة بها الصعود إلى قمة تل الروس، المغطاة بأشجار الصنوبر، باستخدام الخيول ومركبات الدفع الرباعي وسيرًا على الأقدام، احتجاجًا على إقامة بؤرة استيطانية في المنطقة.
وكان مستوطنون من الضفة الغربية المحتلة قد شرعوا قبل ذلك بأسبوعين في إقامة البؤرة على أراضي البلدة، في واحدة من المحاولات المبكرة من هذا النوع على الجانب الآخر من الخط الأخضر.
وزعم المستوطنون أنهم موجودون في الموقع لرعي الماشية بموجب تصريح صادر عن الصندوق القومي اليهودي، لكن السكان لم يشاهدوا أي ماشية في المكان.
وقال حسين منّاع، المحامي وعضو اللجنة الشعبية في مجد الكروم، إن المخيم الاستيطاني بدأ بعدد محدود من الأشخاص، قبل أن يتوسع خلال أسبوع ليضم ما بين 25 و30 مستوطنًا، مع إقامة مطبخ ومرحاض وخط مياه وكهرباء.
ورغم إغلاق الشرطة الطريق المؤدي إلى الموقع، توافد الفلسطينيون بأعداد كبيرة إلى المنطقة، في تحرك شعبي استمر نحو أسبوع، وشهد مشاركة مئات الأشخاص يوميًا من مجد الكروم والبلدات المحيطة.
وقطع أنس صغير، الطالب في كلية الحقوق والناشط الشبابي البالغ من العمر 21 عامًا، رحلة صعود استغرقت نحو ساعة للوصول إلى قمة التل.
وقال صغير إنه يتذكر صعوبة التنفس أثناء الصعود، مشيرًا إلى مشهد امرأة مسنة في الثمانينيات من عمرها كانت تسير مع زوجها نحو الموقع، في رحلة استغرقت قرابة 50 دقيقة، لمجرد تسجيل حضورهما في الاحتجاج.
وبحلول 16 سبتمبر/أيلول، أمر الصندوق القومي اليهودي بإزالة خيام المستوطنين، وأُخلي الموقع بعد أيام من الاحتجاجات السلمية.
وبذلك تمكنت البلدة من إحباط محاولة إقامة البؤرة الاستيطانية، ولو بصورة مؤقتة.
لكن السكان لا ينظرون إلى ما جرى باعتباره نهاية المحاولة، بل يرون فيه اختبارًا لردود فعل المجتمع الفلسطيني، ومدى قدرته على مواجهة محاولات إقامة بؤر استيطانية في مناطق أخرى من الجليل والنقب.
وقال حسين خلايلة، المستشار الاقتصادي البالغ من العمر 50 عامًا، إن تجربة الروس تشبه تجربة رائدة لاختبار رد الفعل، مضيفًا: “تجربة: هيا، لنختبر رد الفعل”.
مشروع تهويد الجليل.. من خطاب التطوير إلى الاستيطان
في 27 أغسطس/آب الماضي، نشر سموتريتش خطة تتضمن إضافة مليون يهودي وإقامة 40 تجمعًا يهوديًا جديدًا في الجليل والنقب، وهما منطقتان تضمان تجمعات فلسطينية واسعة.
وتعكس الخطة، وفق مخاوف السكان، انتقال الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن تطوير الجليل إلى إعلان أهداف تتعلق بتوسيع الوجود اليهودي في مناطق ذات كثافة سكانية فلسطينية.
وفي سياق حملته الانتخابية، نشر حزب سموتريتش مقطع فيديو مولدًا بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيه فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة وهو يحذر قريبًا له في الجليل، من أن اليهود قادمون لفعل ما فعلوه بالفلسطينيين في الضفة.
وقال أنس صغير إنه وأصدقاءه ضحكوا في البداية من عبثية الفيديو، قبل أن يشاهدوا محاولة إقامة البؤرة الاستيطانية في الروس، ويشعروا بأن ما ظهر في المقطع يتجسد على أرض الواقع.
وقال خلايلة إن سموتريتش جاء إلى الجليل وأعلن بوضوح أنه يريد تهويده، مضيفًا أن الخطاب السياسي الإسرائيلي كان يتحدث في السابق عن تطوير الجليل، بينما أصبحت اللغة المستخدمة حاليًا أكثر وضوحًا في التعبير عن أهدافها.
ولا تقتصر المخاوف الفلسطينية على إقامة تجمعات استيطانية جديدة، بل تشمل ما يمكن أن يترتب عليها من تغييرات في السيطرة على الأراضي، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي، وتضييق المساحات المتاحة للتوسع العمراني الفلسطيني.
ويرى سكان مجد الكروم أن إقامة البؤر الاستيطانية قد تكون وسيلة لخلق واقع جديد يصعب تغييره لاحقًا، عبر فرض وجود استيطاني في الأراضي المتنازع عليها، ثم التعامل معه بوصفه أمرًا واقعًا.
نقل أدوات الاستيطان من الضفة إلى الجليل والنقب
وتكتسب محاولة إقامة البؤرة في الروس أهمية خاصة لأنها جاءت على الجانب الآخر من الخط الأخضر، في منطقة يعيش فيها الفلسطينيون ضمن واقع قانوني وسياسي مختلف عن الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
ويتمتع المواطنون الفلسطينيون داخل إسرائيل بحقوق مدنية وسياسية، لكنهم يواجهون، وفق شهادات السكان، مخاوف متزايدة من سياسات التمييز والاستهداف، ومن محاولات السيطرة على الأراضي التي يملكونها أو يستخدمونها.
ويعتقد سكان مجد الكروم أن بعض الجهات تسعى إلى نقل نموذج البؤر الاستيطانية الذي يستخدمه الاحتلال في الضفة الغربية إلى الجليل والنقب، عبر إقامة تجمعات صغيرة في البداية، ثم توسيعها تدريجيًا.
وقال منّاع إن المستوطنين أرادوا جر السكان إلى مواجهة، مضيفًا أنهم يسعون إلى فرض حالة من الفوضى لأن الفوضى تخدم أهدافهم.
وفي هذا السياق، لا ينظر السكان إلى محاولة الروس باعتبارها قضية محلية منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع يستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق التي يتركز فيها السكان العرب.
وقال خالد كيوان، المغني البالغ من العمر 27 عامًا، إن مجد الكروم اختيرت لأنها بلدة يصعب كسرها، محذرًا من أن نجاح الاستيطان فيها قد يفتح الباب أمام تكرار المحاولة في أنحاء الجليل.
الأرض والملكية.. نزاع يكشف تعقيدات السيطرة
وتبلغ مساحة قطعة الأرض التي أقيمت عليها البؤرة الاستيطانية نحو 8.4 دونمات.
وبحسب خلايلة، فإن نصف الأرض مملوك ملكية خاصة لابن عمه، في حين يخضع النصف الآخر لإدارة سلطة أراضي إسرائيل، التي رفضت منذ زمن طويل تقسيم الأرض لتحديد الجزء الذي يعود إلى المالك الخاص.
واستند المستوطنون إلى تصريح للرعي صادر عن الصندوق القومي اليهودي، لكن السكان رفضوا استخدام هذا التصريح لتبرير إقامة بؤرة استيطانية على الأرض.
وتكشف القضية، وفق ما يورده السكان، عن تعقيدات السيطرة على الأراضي في الجليل، حيث تتداخل الملكية الخاصة مع إدارة سلطات الأراضي الإسرائيلية، بما يثير مخاوف الفلسطينيين من استغلال هذه التعقيدات لفرض مشاريع استيطانية.
وقال منّاع إن مجد الكروم اختيرت لأنها بلدة صعبة الكسر، مستحضرًا تاريخها في مقاومة محاولات الاستهداف منذ النكبة عام 1948، حين طُرد كثير من سكانها من منازلهم.
وفي محاولة لاحتواء الاعتراضات، أعلن الصندوق القومي اليهودي لاحقًا أن مبادرة الرعي ستنتقل إلى قطعة أرض أخرى تبعد نحو 500 متر عن الموقع الأول، وهي أرض يعتبرها السكان أيضًا ملكًا لهم.
لكن البلدة رفضت نقل البؤرة، وأكد منّاع أنها لن تقبل إقامة أي خيمة في الموقع الجديد.
ولم يصدر الصندوق القومي اليهودي أو الشرطة الإسرائيلية أو وزارة المالية الإسرائيلية ردًا على استفسارات الجزيرة بشأن القضية.
زيارة سموتريتش.. محاولة لاستعادة صورة سياسية
وفي خضم الاحتجاجات، زار سموتريتش مجد الكروم ضمن حملته الانتخابية، برفقة قوة من الشرطة ومدفع مياه.
وجاءت الزيارة بعد تفكيك البؤرة الاستيطانية، وفي وقت كان فيه السكان يحتفلون بنجاح تحركهم الشعبي.
وبحسب مصادر محلية، فإن الزيارة لم تكن مجرد جولة انتخابية، بل جاءت في سياق محاولة لإظهار أن سموتريتش قادر على العودة إلى المنطقة رغم الاحتجاجات التي أجبرت المستوطنين على مغادرتها.
وقال رئيس المجلس المحلي في مجد الكروم سليم صليبي إن الأحداث التي شهدتها البلدة خلال الشهر الأخير بدأت باعتداءات المستوطنين ومحاولة إقامة بؤرة استيطانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى نقل ما يحدث في الضفة الغربية إلى الجليل والنقب.
وأضاف أن الاحتجاجات الشعبية التي شارك فيها المئات على مدار أسبوع كامل أدت إلى تفكيك البؤرة وإخلاء المستوطنين، لكنه أكد أن ذلك لا يعني توقف المحاولات.
من جانبه، قال عضو اللجنة الشعبية رامي حيدر إن زيارة سموتريتش جاءت في سياق محاولة لاستفزاز الفلسطينيين وكسب أصوات انتخابية، من خلال تصوير أهالي مجد الكروم والعرب عمومًا باعتبارهم أعداء.
وأضاف أن الزيارة هدفت أيضًا إلى الظهور بمظهر المنتصر بعد الهزيمة التي مُني بها إثر إزالة البؤرة الاستيطانية.
وفي 18 سبتمبر/أيلول، أعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال أحد سكان مجد الكروم، البالغ من العمر 32 عامًا، بدعوى اتصاله بعميل لبناني.
واستغل سموتريتش الاعتقال للتصريح بأن سكان الجليل يعيشون في “أجواء 6 أكتوبر”، في إشارة إلى هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويرى السكان أن مثل هذه التصريحات تعزز المخاوف من توظيف الأحداث الأمنية لتبرير مزيد من التضييق على الفلسطينيين، وتهيئة الأجواء لمشاريع تهويدية تستهدف مناطق وجودهم.
الاحتجاج الشعبي.. وحدة المجتمع في مواجهة الاستيطان
ولم تكن مواجهة البؤرة الاستيطانية في الروس مقتصرة على أبناء مجد الكروم، بل امتدت إلى البلدات الفلسطينية المحيطة.
وقال منّاع إن مشاركين قدموا من دير الأسد والبعنة وسخنين وعرابة، إضافة إلى فلسطينيين من النقب، كما شارك بعض السكان اليهود اليساريين من التجمعات القريبة.
ووصف خلايلة حالة التضامن بأنها كانت مذهلة، فيما قالت حنان، وهي فلسطينية مسيحية من قرية قريبة، إنها لم تشهد من قبل المجتمع العربي موحدًا بهذا الشكل، ويخوض مواجهة حقيقية دفاعًا عن أرضه.
وقاد الشباب الفلسطينيون التحركات، من خلال الدعوات التي نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي، وحثوا فيها السكان على الصعود إلى التل وإحضار القهوة.
وقال أنس صغير إنهم كانوا يصعدون إلى المكان لشرب القهوة، باعتباره أرضهم.
وتكشف هذه التحركات عن دور الاحتجاج الشعبي في مواجهة محاولات فرض واقع استيطاني، خصوصًا في ظل مخاوف السكان من أن يؤدي التعامل مع البؤر الاستيطانية عبر المسارات القانونية وحدها إلى إطالة أمد النزاع، دون ضمان وقف المحاولات.
وقال منّاع إن النضال الشعبي إلى جانب المسار القانوني هو ما أثمر، في إشارة إلى إزالة البؤرة بعد أسبوع من الاحتجاجات.
الانتخابات الإسرائيلية.. رهان على إبعاد اليمين المتطرف
وتأتي هذه التطورات في وقت يتجه فيه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، وسط مخاوف فلسطينية من عودة اليمين المتطرف إلى السلطة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أيا من الكتلتين الصهيونيتين الرئيسيتين لا تستطيع الوصول إلى 61 مقعدًا دون دعم الأحزاب العربية، الأمر الذي يمنح مشاركة الفلسطينيين أهمية في المعادلة السياسية.
وتراوحت نسبة مشاركة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في الانتخابات الأخيرة بين 45 و65 بالمئة، لكن المنظمين يتوقعون أن تصل المشاركة في الانتخابات الحالية إلى 70 أو 75 بالمئة، وهي نسبة لم تسجل منذ عام 1999.
وتوقع منّاع أن تتجاوز نسبة المشاركة في مجد الكروم 80 بالمئة، بعد محاولة إقامة البؤرة الاستيطانية وما رافقها من تحركات سياسية وميدانية.
وقال خلايلة، الذي قاطع الانتخابات لفترة طويلة ولم يصوت في حياته سوى مرة واحدة، إنه بات يدعو إلى المشاركة لإبعاد العنصريين الموجودين في السلطة، ولو بصورة مؤقتة.
لكنه لا يرى فرقًا كبيرًا بين حكومة بنيامين نتنياهو والبديل المتوقع، باستثناء احتمال غياب سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن الحكومة المقبلة.
وفي المقابل، يرفض أنس صغير التعويل على الانتخابات أو الكنيست، ويرى أن مواجهة محاولات الاستيطان والتهويد تكون عبر النزول إلى الشوارع والتحرك الشعبي.
وقال إن ما حدث في مجد الكروم لا يمكن حله عبر الكنيست والقوانين وحدها، مضيفًا أن الفلسطينيين لا يجدون أنفسهم مرغوبين في هذه البلاد.
الجريمة والخوف.. أزمات داخلية تزيد هشاشة المجتمع
وتعكس مخاوف الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي حالة أوسع من القلق، تفاقمت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين ابتعد كثيرون عن التظاهر والنشاط السياسي، وانشغلوا بالخوف وتأمين لقمة العيش.
وقال خلايلة إن الجريمة في البلدة زادت من صعوبة الوضع، مشيرًا إلى أنه يجلس ليلا ويسمع أصوات إطلاق النار، بينما لا يتحرك أحد في الشوارع، حتى بات الأمر طبيعيًا في حياة السكان.
وأضاف أن أطفاله شهدوا مقتل ثلاثة رجال، في مشهد يعكس حجم العنف الذي بات يحيط بالحياة اليومية في البلدة.
ويتمتع الفلسطينيون داخل إسرائيل بحقوق مدنية وسياسية لا يتمتع بها الفلسطينيون في الضفة الغربية الخاضعة للاحتلال العسكري، لكنهم يجدون أنفسهم، وفق خلايلة، عالقين بين نظام يعارضونه وواقع يضطرون إلى العيش فيه.
وقال إن الفلسطينيين في الداخل لديهم الكثير ليخسروه، لأنهم مستقرون على أرضهم وبقوا فيها، وهو ما جعل كثيرين يلتزمون الصمت خلال السنوات الأخيرة.
ومن جهته، قال أنس صغير إن الفلسطينيين تركوا غزة والضفة الغربية ولبنان وحدها في مراحل سابقة، مضيفًا أنه كان يشعر بعد ذلك بأن دورهم في الاستهداف قادم.
من مجد الكروم إلى الجليل كله
ويعتقد سكان البلدة أن ما جرى في الروس لا يتعلق بمجد الكروم وحدها، بل يمثل محاولة أوسع لاستهداف الفلسطينيين في الجليل والنقب.
وقال منّاع إن خطاب سموتريتش واستفزازات المستوطنين أثارت أشخاصًا كانوا غير مبالين بالانتخابات أو لا يرغبون في المشاركة فيها، وأصبحوا يدركون ما قد ينتظرهم إذا عادت الحكومة الحالية إلى السلطة.
وفي المقابل، يرى أنس صغير أن التغيير الحقيقي لا يتحقق من خلال الانتخابات وحدها، بل عبر التحرك الشعبي، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات في الروس شهدت مشاركة أشخاص لم يكن يتوقع حضورهم، رغم أنهم غير منخرطين في العمل السياسي.
وبعد إزالة خيام المستوطنين، بقيت في المكان بقايا متناثرة وكتابات بالعبرية تعلن أن “شعب إسرائيل حي”، لكن سكان مجد الكروم واصلوا الصعود إلى التل يوميًا.
وأصبحت العائلات تقيم حفلات الشواء في المكان، فيما يرسم تلاميذ المدارس ويعزف آخرون الموسيقى، في مشهد يؤكد تمسك السكان بالأرض ورفضهم تحويلها إلى بؤرة استيطانية.
كما أنتج خالد كيوان ومجموعة من الموسيقيين من البلدة أغنية “ابن بلادي”، التي استلهمت من المواجهة في الروس، لكنها لم تقتصر على مجد الكروم، بل امتدت إلى كامل الوطن الفلسطيني.
وقال كيوان إن حيفا وعكا وسخنين وعرابة كلها مدن وبلدات يعتبرها جزءًا من وطنه، مؤكدًا أن محاولات التهويد لا تستهدف مجد الكروم وحدها، بل الجليل كله.
وتبقى تجربة الروس، وفق مخاوف الفلسطينيين، مؤشرًا على مرحلة قد تتسع فيها محاولات السيطرة على الأراضي والتهويد في الجليل والنقب، وسط خطاب سياسي إسرائيلي يضع الوجود الفلسطيني في هذه المناطق في مواجهة مباشرة مع مشاريع التوسع الاستيطاني.
وفي ظل هذه المخاوف، تبدو مجد الكروم وكأنها تخوض مواجهة تتجاوز حدود البلدة، دفاعًا عن الأرض والوجود الفلسطيني، في وقت يرى فيه سكانها أن ما جرى في الروس قد يكون مقدمة لمحاولات أخرى تستهدف مناطق فلسطينية مختلفة.

