كيف تُصنع الرواية تحت القصف؟ دراسة لإياد القرا تقترح نموذجاً لبناء السردية الفلسطينية

إياد القرا

خاص – المركز الفلسطيني للإعلام

في حرب إبادة جماعية محت فيها إسرائيل البيوت والأحياء ومسحت عائلات من السجل المدني، لا يقتصر الصراع على الأرض، بل يمتد إلى المعنى: من يملك حق رواية ما جرى، وبأي لغة، وفي أي سياق؟ ففي مواجهة خطاب إسرائيلي يبرر القتل وينفي الوقائع، تتحول الرواية الفلسطينية إلى ساحة دفاع عن الحقيقة والذاكرة والوجود، ويبرز سؤال قلّما طرح بصيغته المهنية: من يصنع هذه الرواية فعلاً، وكيف؟

هذا السؤال هو محور دراسة نشرت في العدد 28 من مجلة “دراسات الإنسان والمجتمع” (يوليو 2026) للباحث والمحلل السياسي إياد إبراهيم القرا، رئيس قسم الإعلام في كلية فلسطين التقنية بغزة، بعنوان “بناء السردية الفلسطينية خلال معركة طوفان الأقصى“، وتتناول الظاهرة من منظور الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

واقع إعلامي غير متكافئ

تنطلق الدراسة من تشخيص مفاده أن السردية الفلسطينية تؤدي وظيفة أبعد من نقل الخبر أو توثيقه، فهي تندرج ضمن صراع على الهوية والذاكرة والشرعية في مواجهة خطاب استعماري استيطاني عمل طويلاً على تشويه التاريخ وتجريد الفعل الفلسطيني من سياقه القانوني والإنساني.

ويرى القرا أن التحول الرقمي أعاد تشكيل معادلة الإنتاج الإعلامي، فحوّل الصحفي من ناقل للأخبار إلى شريك في بناء المعنى وفاعل مركزي في تشكيل الذاكرة الجمعية، خصوصاً في أوقات الحروب، مبينا أن معركة “طوفان الأقصى” جاءت منذ السابع من أكتوبر 2023 لتضع هذا الدور تحت أقسى اختبار، في سياق إعلامي تتفاوت فيه القوى المعرفية والمهنية تفاوتاً كبيراً.

ويضيف أن ظروف العمل نفسها تباينت بين الميدانين. فصحفي غزة يعمل تحت القصف الإسرائيلي والحصار والتهجير وفقدان الزملاء وانقطاع الاتصال، بينما يعمل صحفي الضفة تحت احتلال يومي واقتحامات واعتقالات وحواجز وقيود سياسية ومؤسسية.

وتخلص الدراسة من ذلك إلى أن فهم السردية لا يكتمل بتحليل المضمون المنشور وحده، بل يقتضي النظر إلى صانعه، أي القائم بالاتصال الذي يعمل مرشِّحاً أولياً للأخبار ومؤطِّراً للقضايا ومنتجاً للدلالة.

السردية سلسلة قرارات لا حدثاً تلقائياً

تقوم الدراسة على فرضية أن السردية لا تنبثق تلقائياً من الوقائع، بل تتشكل عبر سلسلة قرارات تحريرية متتالية. يبدأ الأمر باختيار الوقائع وترتيب أولوياتها، ويمر بتسمية الفاعلين والأحداث واختيار المصطلحات والأطر التفسيرية والمراجع الوطنية أو القانونية أو الإنسانية، وينتهي باختيار أدوات البرهنة والوسائط الرقمية الملائمة للنشر.

وتعتمد في تفسير ذلك على نظريتين: “حراسة البوابة” التي ترى أن تدفق الأخبار يمر بنقاط اختيار متعددة تحدد ما يدخل المجال الإعلامي وما يستبعد، و”الأطر الإعلامية” التي تفسر كيف تبرَز جوانب من الواقع وتهمَّش أخرى.

وتلفت الدراسة إلى أن البوابة لم تعد محصورة في غرفة أخبار واحدة، فالمنصات الرقمية والخوارزميات وسياسات الإشراف على المحتوى والقيود الأمنية صارت بوابات إضافية تؤثر في وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهور وتداولها، وهو ما يجعل بناء السردية عملية أعقد مما تصوره الأدبيات التقليدية.

نموذج من ثلاثة مستويات

ما تقترحه الدراسة نموذجاً تحليلياً يرى السردية بناءً مركّباً يعمل على ثلاثة مستويات متداخلة، يتمثل الأول في سردية النظام، وهي الرواية الكبرى التي تضع الحدث داخل سياق الاحتلال والحقوق والهوية وتؤسس للإطار المرجعي العام.

ويتمثل الثاني في سردية القضية، التي تحدد معنى ملفات بعينها كالحرب على غزة والقدس والأسرى والاستيطان والتهجير، وتفصل في أولوياتها داخل الرواية الكبرى.

أما الثالث فهو السردية المهنية اليومية، وتظهر في القرارات التحريرية الدقيقة من العنوان والمصطلح واختيار المصدر ونوع الصورة وحجم السياق وطريقة تقديم الفاعل والمسؤولية، وهي الأرضية الفعلية التي يقوم عليها المستويان الآخران.

وتكمن قيمة هذا التقسيم، بحسب الباحث، في أنه يتيح قياس السردية ميدانياً دون اختزالها في موقف سياسي عام. فقد يتفق الصحفي مع المرتكزات الكبرى للسردية الفلسطينية، لكنه يختلف مع زملائه مهنياً في درجة استخدام بعض الأطر أو في أولويات القضايا أو في أسلوب مخاطبة الجمهور الدولي.

ما تتوقعه الدراسة: إنسان وسياق وتوثيق

تتوقع الدراسة أن تتقارب سردية الصحفيين في غزة والضفة بحكم وحدة القضية الوطنية والمرجعيات المهنية المشتركة، وأن تقوم على التوثيق والدقة والسياق التاريخي، وأن تتكامل فيها الأبعاد الوطنية والإنسانية والقانونية.

وقد أجرى الباحث محاكاة تحليلية لاختبار اتساق النموذج النظري مع أداة الدراسة، أشارت إلى مستوى مرتفع من الإدراك المهني للسردية، بمتوسط عام بلغ 4.41 من 5 ووزن نسبي 88.2%. وفي ترتيب المرتكزات، تصدرت معاناة المدنيين والبعد الإنساني بوزن 94.6%، تلاها سياق الاحتلال الممتد بـ94.0%، ثم الحق في الأرض وتقرير المصير بـ93.4%.

ويقرأ الباحث القرا هذا الترتيب بوصفه دليلاً على سردية لا تعمل بمنطق أحادي، فهي ليست إنسانية مجردة من السياسة والتاريخ، ولا سياسية منفصلة عن التجربة الإنسانية، وإنما تجمع بوعي بين تفسير سبب الأزمة وتقديم نتائجها الإنسانية وربطها بالحقوق والهوية.

وتبرز أهمية هذا الدمج في مخاطبة الجمهور الدولي، إذ يصبح تقديم الضحية داخل سياقها التاريخي والقانوني أقدر على مقاومة الاختزال الذي يفصل الحدث عن مسبباته. وفي المقارنة بين الميدانين، تتوقع الدراسة أن يكون الاختلاف بين غزة والضفة اختلافاً في الخبرة المهنية لا في المرجعية، أي خبرتين مهنيتين مختلفتين داخل سردية واحدة، تدفع الأولى نحو الشهادة المباشرة والتوثيق الفوري، وتعيد الثانية ترتيب أجندة القضايا دون المساس بالمرتكز الوطني.

من الوصف إلى الفعل

تنتقل الدراسة من التشخيص إلى مقترحات عملية تدور حول فكرة واحدة: تحويل السردية من جهد فردي متفرق إلى بنية مؤسسية متماسكة، فهي تدعو إلى سياسات تحريرية وطنية موحدة تحفظ تماسك الرواية وتترك مساحة للتنوع المهني، وإلى أرشيف رقمي وطني موثّق يضم المواد الصحفية والصور والفيديوهات والشهادات بما يحمي الرواية من التشكيك وإعادة كتابة الأحداث من خارج الخبرة الميدانية الفلسطينية.

وتقترح كذلك دليلاً تحريرياً للمصطلحات الأساسية وبنك معلومات رقمياً ووحدات تحقق مشتركة مع المؤسسات الحقوقية ومراكز الأبحاث، إلى جانب تدريب الصحفيين على الموازنة بين سرعة النشر ومتطلبات الدقة، وتوسيع المحتوى متعدد اللغات والوسائط، وإنشاء مرصد إعلامي يرصد السرديات في النزاعات ويصدر تقارير دورية عن أنماط التأطير ومصادر التحيز.

وتفتح الدراسة الباب أمام أبحاث لاحقة في أثر خوارزميات المنصات على وصول المحتوى الفلسطيني، وفي مفهوم الصمود المهني والدعم النفسي للصحفيين في مناطق النزاع. كما تقدم إسهاماً يستحق الالتفات: نقل النقاش حول الرواية الفلسطينية من سؤال “ماذا قيل؟” إلى سؤال “كيف يبنى ما يقال؟”، ومن موقع المتلقي إلى موقع صانع المعنى.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest