
المركز الفلسطيني للإعلام
في سفوح الأغوار الشرقية وتلال جنوب الخليل ومحيط القدس، لا يبدو سؤال: هل يهدد الاستيطان التجمعات البدوية، سؤالاً نظرياً أو سياسياً مجرداً. فالعائلات التي تستيقظ على اقتحام المستوطنين الرعاة المسلحين لمراعيها، أو على إخطارات الاحتلال هدم مساكنها وخيامها، تعيش التهديد بوصفه واقعاً يومياً. الاستيطان هنا لا يقتصر على بناء مستوطنة فوق أرض فلسطينية، بل يتحول إلى منظومة متكاملة تستهدف اقتلاع الإنسان من المكان، ثم تقديم الأرض الخالية باعتبارها مجالاً مفتوحاً للسيطرة الاستعمارية.
التجمعات البدوية الفلسطينية، التي حافظت على نمط حياة مرتبط بالرعي والتنقل الموسمي والقرابة بالأرض، تقع في مقدمة المناطق المستهدفة. صغر عدد سكانها، وهشاشة منشآتها بفعل منع البناء والخدمات، وبعدها عن المراكز السكانية الكبرى، عوامل تجعلها أكثر عرضة للضغط. لكن هذه الهشاشة ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة سياسات إسرائيلية مقصودة تضيّق على الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة «ج» وتحوّل البقاء فيها إلى معركة يومية.
الاستيطان والتجمعات البدوية: حصار يتجاوز حدود المستعمرة
تتسع المستوطنات الإسرائيلية والبؤر الرعوية على حساب الأراضي الفلسطينية، وترافقها في الغالب شبكة طرق وحواجز ومناطق عسكرية مغلقة. بهذا لا تُصادر قطعة أرض فحسب، بل تتقطع المسارات التي يحتاجها الرعاة للوصول إلى المراعي ومصادر المياه والأسواق والمدارس والمراكز الصحية. وحين تُمنع العائلة من الوصول إلى محيطها الطبيعي، يصبح بقاؤها في التجمع مهدداً حتى لو بقيت خيمتها قائمة.
البؤر الرعوية تمثل أحد أكثر أدوات التمدد الاستيطاني خطورة. قد تبدأ بعدد محدود من المستوطنين والماشية في نقطة معزولة، ثم تفرض واقعاً جديداً عبر الاستيلاء على مساحات واسعة من المراعي. وجود المستوطنين المسلحين قرب التجمعات يخلق مناخاً من الترهيب المستمر: اعتداءات على الرعاة، طرد للماشية، سرقة أو قتل للحيوانات، تخريب لمصادر المياه، ومنع من المرور في طرق اعتادت العائلات استخدامها لعقود.
وتشكل البؤر الاستيطانية اليوم المحرك الأسرع للتوسع الاستيطاني، فقد أنشأ المستوطنون في عام 2024 وحده 59 بؤرة جديدة معظمها بؤر زراعية ورعوية، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بمعدل أقل من 7 بؤر سنويًا بين 1996 وبداية 2023، ومن بين 40 بؤرة أُنشئت منذ 2012 كانت 12 (30%) في الأغوار.
وامتد التوسع إلى المناطق “ب” لأول مرة منذ اتفاق أوسلو، حيث رصدت “السلام الآن” 26 بؤرة ومزرعة رعوية، منها 7 في أواخر 2024 و19 في الأشهر الأخيرة، مصحوبة بشقّ أكثر من 114 كيلومترًا من الطرق غير المرخصة وربط البؤر بالشبكات والمرافق الإسرائيلية.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن حماية جيش الاحتلال أو تقاعسه المتكرر عن محاسبة المعتدين. في كثير من الحالات، يتحول الجنود إلى طرف يساند الإخلاء العملي للأهالي، سواء عبر مرافقة المستوطنين أو فرض أوامر عسكرية تمنع الفلسطينيين من دخول مناطقهم. وهكذا تتكامل عنف المجموعات الاستيطانية مع سلطة الدولة، في توزيع واضح للأدوار بين من يضغط على الأرض ومن يوفر له الغطاء.
ماذا نعرف عن الأغوار؟
تُعدّ منطقة الأغوار وشمال البحر الميت الرافعة الجغرافية والزراعية الأهم في الضفة الغربية، إذ تشكّل نحو 30% من مساحتها (قرابة 160 ألف هكتار)، وهي في الوقت نفسه ساحة للمنافسة الاستيطانية الأكثر كثافة على الأرض والموارد. يعيش فيها نحو 65 ألف فلسطيني مقابل ما يقارب 11 ألف مستوطن، بينما تتجاوز أراضي المجلس الإقليمي للمستوطنات 92% من مساحة الأغوار والمنطقة الميتة. وقد صُنّف نحو 50% من أراضيها “أراضي دولة” و45% مناطق عسكرية مغلقة، أي أن ما يقارب 95% من مساحة الأغوار مقيدة أمام الفلسطينيين، الذين يُمنعون من استخدام 85% من الأرض. ويتجلّى التفاوت في الموارد في الماء قبل غيره: المستوطنون يحصلون على نحو 300 لتر للفرد يوميًا مقابل 20 لترًا في معظم تجمعات الرعاة، مع تخصيص قرابة 45 مليون متر مكعب سنويًا لعشرة آلاف مستوطن، أي ما يعادل 30% من إجمالي استهلاك ملايين الفلسطينيين في الضفة.
كيف يُدفع البدو إلى التهجير القسري؟
التهجير القسري لا يقع دائماً في لحظة واحدة أو في مشهد شاحنات تنقل السكان بعيداً. أحياناً يتشكل ببطء، عبر إنهاك الناس إلى الحد الذي يجعل الرحيل الخيار الوحيد المتاح أمامهم. تبدأ العملية بإخطارات هدم للغرف الصفيحية والخيام وحظائر الأغنام، ثم بمصادرة الألواح الشمسية وخزانات المياه، ثم بمنع إدخال مواد البناء أو إصلاح ما هدمته قوات الاحتلال.
حين تهدم قوات الاحتلال المدرسة الوحيدة في التجمع أو تمنع شق طريق إليه، تصبح حياة الأطفال جزءاً من سياسة الطرد. وحين يضطر المريض أو المرأة الحامل إلى قطع مسافات طويلة في طرق وعرة للوصول إلى العلاج، يصبح الحق في الصحة مشروطاً بالقدرة على تحمل الإقصاء. وحين تضطر الأسر إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار باهظة، بينما تمر قربها شبكات المياه التي تخدم المستعمرات، تظهر حقيقة التمييز الاستيطاني بأوضح صورها.
يضاف إلى ذلك إعلان الاحتلال مساحات فلسطينية واسعة «مناطق إطلاق نار» أو «محميات طبيعية» أو أراضي دولة. هذه التسميات الإدارية والعسكرية تستخدم عملياً لتقييد الفلسطينيين، فيما يتواصل التوسع الاستيطاني داخل المناطق ذاتها أو بمحاذاتها. النتيجة أن التجمع البدوي يجد نفسه محاصراً بين أمر هدم، ومنطقة عسكرية، ومستعمرة تمدد أسوارها، وبؤرة رعوية تستولي على المرعى.
الرعي ليس تفصيلاً اقتصادياً
بالنسبة إلى العائلات البدوية، الرعي ليس مهنة هامشية يمكن استبدالها بسهولة بوظيفة في مدينة بعيدة. إنه مصدر دخل وهوية اجتماعية ونظام حياة مرتبط بمعرفة الأرض والمواسم والمياه. إفقار الرعاة عبر منعهم من المرعى يعني ضرب الاقتصاد المحلي من جذوره، ودفع الأسر إلى بيع مواشيها أو تقليص قطعانها، ثم فقدان القدرة على الاستمرار.
لهذا فإن اعتداء الاحتلال والمستوطنين على قطيع الأغنام أو منع الرعاة من الوصول إلى التلال ليس حادثاً فردياً. إنه جزء من هندسة تهجير تستهدف تفكيك العلاقة بين الإنسان وأرضه. وعندما تُجبر العائلة على الرحيل إلى أطراف مدينة أو قرية مكتظة، تفقد ليس فقط مسكنها، بل نمط عيشها واستقلالها الاقتصادي وامتدادها الاجتماعي.
القدس والأغوار وجنوب الخليل: جغرافيا الاستهداف
تختلف أدوات الضغط من منطقة إلى أخرى، لكن الغاية واحدة: تقليص الوجود الفلسطيني في المواقع ذات الأهمية الجغرافية والاستيطانية. في محيط القدس، تُستهدف التجمعات البدوية الواقعة قرب الطرق والممرات التي تسعى سلطات الاحتلال إلى ربط المستعمرات الكبرى عبرها، بما يعزز عزل المدينة عن امتدادها الفلسطيني في الضفة الغربية.
أما الأغوار، فتكتسب أهمية مضاعفة بسبب الأراضي الزراعية الخصبة والسيطرة على الحدود الشرقية ومصادر المياه. لذلك تتعرض التجمعات فيها إلى قيود واسعة على البناء والرعي والتنقل، بالتوازي مع توسع المستعمرات الزراعية والبؤر الرعوية. وجود هذه التجمعات ليس عائقاً أمام مشروع استيطاني محلي فقط، بل أمام رؤية إسرائيلية تريد السيطرة على الأغوار دون سكانها الفلسطينيين.
وفي مسافر يطا وجنوب الخليل، تتقاطع أوامر المناطق العسكرية مع اعتداءات المستوطنين وإجراءات الهدم. تتعرض القرى والخرب لتضييق متواصل يختبر قدرة السكان على البقاء. غير أن تمسك الأهالي بأرضهم، وإعادة بناء ما يهدم، ومواصلة رعي الماشية، يحوّل البقاء نفسه إلى فعل مواجهة يومي ضد مخطط الإفراغ.
وتتسارع هذه الديناميكية في السياق الراهن عبر أدوات متعددة: في يوليو 2025 وثّقت الأمم المتحدة تهجير تجمعات فلسطينية قسرًا من وسط الأغوار بعد إنشاء بؤرة جديدة في قلب أحد التجمعات واستيلاء مستوطنين مسلحين على أراضٍ بمساندة الجيش؛ وفي مارس 2026 بدأت الجرافات الإسرائيلية أعمالًا لإنشاء سياج بطول 22 كم وعرض 50 مترًا يخترق أراضي بلدة عاطوف، مستندًا إلى تسع أوامر استيلاء على 1160 دونمًا؛ وفي 2024 وحده أُعلن عن أكثر من 24 ألف دونم “أراضي دولة”، أي ما يقارب نصف ما أُعلن عنه منذ أوسلو عام 1993.
هل يكفي التنديد الدولي؟
التصريحات الرافضة للاستيطان لا تحمي خيمة من الهدم ولا توقف مستوطناً مسلحاً عن طرد راعٍ من أرضه. المشكلة ليست غياب المعرفة بما يجري، فسياسات الهدم والمصادرة والعنف الاستيطاني موثقة على نطاق واسع، بل في غياب إجراءات تفرض كلفة حقيقية على الاحتلال ومنظومته الاستيطانية.
القانون الدولي يعتبر نقل سكان القوة المحتلة إلى الأرض المحتلة انتهاكاً واضحاً، كما يحظر التهجير القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال. لكن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق السياسي ما زالت تمنح إسرائيل مساحة واسعة للاستمرار. وكل تأخير في الحماية والمساءلة يسمح بتحويل الوقائع المؤقتة إلى خرائط دائمة.
مع ذلك، لا ينبغي اختزال مستقبل التجمعات البدوية في قرارات الخارج. صمود الأهالي، وتوثيق الانتهاكات، وحضور الصحافة الفلسطينية، ودعم المبادرات المحلية التي تحمي التعليم والمياه والرعي، عناصر ذات أثر مباشر. المعركة على الرواية مهمة أيضاً، لأن الاحتلال يحاول تصوير وجود هذه التجمعات كأنه طارئ أو غير قانوني، بينما هي جماعات فلسطينية متجذرة في المكان قبل المستعمرات والطرق العسكرية والأسوار.
ما الذي يعنيه الدفاع عن التجمعات البدوية؟
الدفاع عن التجمعات البدوية ليس عملاً إنسانياً منفصلاً عن القضية الوطنية، بل دفاع عن وحدة الأرض الفلسطينية وإمكان قيام حياة فلسطينية عليها. فإذا أُفرغت التلال والمراعي والأغوار من سكانها، تتسع المستعمرات ويتحول التواصل الجغرافي بين المدن والقرى إلى خرائط مقطعة تخدم مشروع الضم.
والمطلوب هو التعامل مع هذه التجمعات باعتبارها خط مواجهة متقدم: حماية حقها في المياه والتعليم والتنقل والرعي والبناء، وإبراز شهادات أهلها بأسمائهم وتجاربهم، وفضح البؤر الرعوية بوصفها أدوات استيلاء منظمة لا مبادرات فردية. كما أن توثيق كل اعتداء، مهما بدا محدوداً، يحفظ الحقيقة من محاولات طمسها ويمنع تحويل التهجير البطيء إلى خبر عابر.
حين تبقى خيمة في مكانها، وتخرج قطعان الماشية إلى مرعاها، ويعود الأطفال إلى صفوفهم رغم الهدم والحصار، فإن ذلك يثبت أن الأرض ليست مساحة فارغة في خرائط الاحتلال. إنها وطن له أهله، وحمايتها تبدأ من الإصغاء إلى من يدفعون ثمن البقاء عليها كل يوم.

