
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
تفتح شهادة ضابط احتياط سابق في سلاح الجو الصهيوني، نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية، نافذة من داخل المؤسسة العسكرية على ما يقول إنه ممارسات وقواعد ميدانية جعلت حياة المدنيين في قطاع غزة عرضة للقتل، في ظل غياب الخوف من المحاسبة.
وتكتسب الشهادة أهميتها من هوية صاحبها، فهو ضابط شارك في عمليات عسكرية، ويقول إن سنوات خدمته وما شاهده خلالها تركت لديه ما وصفه بـ”إصابة أخلاقية” واضطراباً نفسياً، دفعاه إلى إنهاء خدمته العسكرية نهائياً في يوليو 2026.
وبحسب “هآرتس”، شارك الضابط قبل 7 أكتوبر 2023 في عمليات أسفرت عن مقتل 54 شخصاً، قبل أن يواصل خدمته العسكرية خلال الحرب على غزة.
وتقول شهادته إن ما شاهده لاحقاً دفعه إلى إعادة النظر في طبيعة العمليات التي شارك فيها والقواعد التي حكمت استخدام القوة.
المسعفون ليسوا خارج دائرة النار
ومن أبرز الوقائع التي تحدث عنها الضابط حادثة استهداف طواقم الإسعاف في منطقة تل السلطان بمدينة رفح، في مارس 2025.
وبحسب شهادته التي أوردتها “هآرتس”، تعرضت مركبات إسعاف واضحة المعالم لإطلاق نار، كما جرت ملاحقة أفراد من الطواقم الطبية أثناء محاولتهم الاحتماء خلف مركبات الإسعاف.
ولم تتوقف الواقعة، وفق روايته، عند إطلاق النار، إذ كشف عن دفن قوات الاحتلال جثث الشهداء في موقع الحادث، ودهس مركبات الإسعاف بالجرافات وتغطيتها بالتراب.
حدود متحركة للقتل
وتحدث الضابط عما يعرف بـ”الخط الأصفر”، مشيراً إلى أن نطاق المنطقة التي اعتبرتها قوات الاحتلال منطقة إطلاق نار تحرك في بعض المواقع مئات الأمتار إلى داخل القطاع، من دون إبلاغ السكان بذلك.
وبحسب شهادته، أدى تغيير الحدود الميدانية بصورة مفاجئة إلى وجود مدنيين داخل مناطق أصبحت، من دون علمهم، مصنفة ضمن نطاق إطلاق النار.
وتكشف هذه الرواية، وفق ما أورده الضابط، عن خطورة استخدام حدود عسكرية متغيرة في منطقة مكتظة بالمدنيين والنازحين، حيث لا يمتلك السكان بالضرورة القدرة على معرفة التحولات الميدانية أو تجنبها.
لا خوف من المحاسبة
لكن الجانب الأكثر إثارة في شهادة الضابط يتعلق بالنتيجة التي يقول إنه توصل إليها بعد سنوات من الخدمة ومشاهدة العمليات العسكرية.
فبحسب روايته، أدرك أن بإمكان عنصر عسكري قتل شخص من دون أن يخشى بالضرورة التعرض للعقوبة، في ظل قواعد ميدانية ومناخ عملياتي يقول إنهما سمحا بمستوى واسع من استخدام القوة.
ولا يقدم الضابط ما رواه باعتباره حادثة منفردة، بل يربطه بما يصفه بثقافة عملياتية أوسع، جعلت احتمال محاسبة الجنود على قتل المدنيين محدوداً.
وتضع هذه الجزئية جوهر الحرب في غزة أمام سؤال يتجاوز أعداد الشهداء والدمار: كيف يمكن حماية المدنيين إذا كان من يقرر إطلاق النار لا يعتقد أنه سيُحاسب على نتائجه؟
شهادة مختلفة
وتختلف هذه الرواية في وزنها السياسي والأخلاقي عن شهادات الجهات الحقوقية أو الفلسطينية، لأنها تأتي من داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية نفسها، فالضابط لا يقدم رواية منقولة عن مصادر مجهولة، وإنما يتحدث عن عمليات شارك فيها وعن ممارسات يقول إنه عايشها خلال سنوات خدمته.
كما أن إشارته إلى إصابته بما وصفه بـ”الإصابة الأخلاقية” تعكس أثراً شخصياً مباشراً لما شاهده، بعدما وجد نفسه أمام فجوة بين الصورة التي تقدم بها المؤسسة العسكرية عملياتها وبين الممارسات التي يقول إنه شهدها على الأرض.
ومجددا تسقط هذه الشهادة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها جانباً من رواية طالما كررها قادة الاحتلال والسياسيون الصهاينة عن أكذوبة “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، فحين يتحدث ضابط شارك في العمليات عن قتل مدنيين، واستهداف مسعفين، وطمس آثار الحوادث، واتساع قواعد إطلاق النار في ظل غياب المحاسبة، يصبح الحديث عن “الأخلاق” انفصالاً عن الوقائع التي تكشفها شهادات العسكريين أنفسهم، وأكذوبة لا يمكن لعاقل على وجه الكوكب تصديقها.

