
رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام
لم يكن ليل بلدة المغير، شمال شرقي رام الله، عادياً، فبعد ساعات من التوتر والاعتداءات، تحوّل محيط المنازل والأحياء إلى ساحة مواجهة، إثر هجوم نفذه مستوطنون على منزلين في البلدة، قبل أن يتقدموا إلى وسطها، بالتزامن مع انتشار قوات الاحتلال وإغلاق مداخلها، وانتهت الليلة بارتقاء شهيدين وإصابة آخرين، فيما بقيت البلدة تحت وطأة حصار عسكري ومخاوف من تجدد الاعتداءات.
وبحسب إفادات محلية، بدأ الهجوم عندما اقتحم مستوطنون منزلين للمواطنين سليمان وشحادة كعابنة، وحاولوا الاستيلاء على أغنام، قبل أن يتوغلوا باتجاه وسط البلدة، وصولاً إلى المنطقة القريبة من المسجد الكبير، فيما حاول الأهالي منعهم من سرقة المواشي، لتتطور الأحداث سريعاً إلى مواجهات.
في تلك الأثناء، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات إلى المغير، وانتشرت في عدد من أحيائها، بينما اعتلى جنود مواقع مرتفعة داخل البلدة، وأُغلقت مداخلها، ومنع الأهالي من الوصول إلى المناطق التي شهدت الاعتداء، في وقت واجهت فيه طواقم الإسعاف صعوبات في الوصول إلى المصابين.
ومع تصاعد المواجهات، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الغاز، ما أدى إلى إصابة عدد من الفلسطينيين، ومن بين المصابين الشاب عمر محمد ناجي النعسان (19 عاماً) والفتى خليل راسم أبو عليا (16 عاماً)، اللذان أصيبا بجروح خطيرة، قبل أن يرتقيا شهيدين متأثرين بإصاباتهما.
ضغط متواصل
يقول رئيس مجلس قروي المغير أمين أبو عليا أن البلدة كانت تعيش أصلاً تحت ضغط متواصل خلال الأيام الماضية، مع إغلاق مداخلها وتشديد القيود على حركة سكانها، بالتزامن مع تحركات المستوطنين في محيطها.
ويقول “أبو عليا”، في تصريحات صحفية، إن الاعتداءات لم تعد تقتصر على الأراضي الزراعية والمناطق المحاذية للبلدة، بل وصلت إلى المنازل والأحياء السكنية، مضيفاً أن ما جرى ليل الأربعاء يمثل تصعيداً لافتاً، بعدما وصل المستوطنون إلى قلب المغير، بالتزامن مع الانتشار العسكري الصهيوني.
وبحسب إفادته، اعتلى جنود مواقع مرتفعة خلال المواجهات، فيما حاول الأهالي التصدي للمستوطنين ومنعهم من الاستيلاء على المواشي. لكن إطلاق الرصاص الحي أدى إلى وقوع إصابات خطيرة، انتهت باستشهاد النعسان وأبو عليا.
ولا يخفي سكان المغير خشيتهم من أن تكون ليلة أمس بداية لمرحلة أشد خطورة، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق البلدة وتحركات المستوطنين في محيطها، فالاعتداءات، كما يقول الأهالي، أصبحت جزء من واقع يومي يتوزع بين مهاجمة المنازل وسرقة المواشي والاعتداء على الأراضي الزراعية.
حصار يسبق الاعتداءات
بالنسبة إلى أهالي المغير، لا تبدأ القصة مع وصول المستوطنين إلى المنازل، بل قبل ذلك بأيام، مع الإغلاقات العسكرية التي تحد من حركة السكان وتقيّد وصولهم إلى أراضيهم.
ويقول “أبو عليا”، إن هذا الوضع يخلق بيئة شديدة الصعوبة بالنسبة إلى سكان البلدة، إذ تتحرك مجموعات المستوطنين في محيطها بينما يجد الأهالي أنفسهم أمام قيود عسكرية تحول دون سهولة التنقل أو الوصول إلى المناطق المستهدفة.
ويخشى سكان المغير من أن تؤدي هذه السياسة إلى إضعاف قدرتهم على حماية أراضيهم وممتلكاتهم، خصوصاً في المناطق الزراعية والرعوية، التي تشكل مصدراً أساسياً لدخل عدد من العائلات.
ويؤكد “أبو عليا” أن الأهالي، رغم الخسائر البشرية والاعتداءات المتكررة، لا يعتزمون مغادرة البلدة، مشدداً على تمسكهم بأراضيهم ورفضهم تحويل الاعتداءات إلى وسيلة لدفع السكان إلى الرحيل.
قرية على خط الاستيطان
ولا تبدو المغير بعيدة عن المشهد الأوسع للصراع على الأرض في الضفة الغربية، فالبلدة تقع في موقع استراتيجي شمال شرقي رام الله، وتمتد أراضيها باتجاه السفوح الشرقية وصولاً إلى مناطق الأغوار، ما جعلها خلال العقود الماضية في مرمى التوسع الاستيطاني ومحاولات السيطرة على الأراضي.
ويضع مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة الغربية محمد مطر، ما جرى الليلة الماضية في إطار استهداف متواصل للقرية، مشيراً إلى أن سكان المغير يواجهون منذ سنوات اعتداءات متكررة من المستوطنين.
ويقول “مطر”، في تصريحات صحفية، إن موقع البلدة واتساع أراضيها جعلاها هدفاً دائماً لمحاولات السيطرة، لافتاً إلى أن صمود سكانها شكّل عاملاً أساسياً في إبقائهم في أراضيهم.
ماذا بعد؟
مع حلول صباح الخميس، بقيت المغير تعيش على وقع ليلة لم تنتهِ بانتهاء المواجهات، شهيدان ارتقيا، ومصابون نُقلوا إلى المستشفيات، وبلدة دخلت نهارها تحت وطأة الإغلاق والتوتر.
وتحمل جنازتا النعسان وأبو عليا اليوم أثراً يتجاوز عائلتيهما، إذ يأتي تشييعهما في قرية اعتادت خلال السنوات الماضية على مواجهة الاعتداءات، لكنها تواجه الآن واقعاً أكثر قسوة مع انتقال الهجمات من الأطراف والأراضي الزراعية إلى قلب الأحياء السكنية.
وفي المغير، لا يتحدث السكان عن ليلة عابرة، بل عن حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات، وبين الخوف من تكرار الهجمات والإصرار على البقاء، تبدو البلدة أمام اختبار جديد لصمودها، في وقت تتسع فيه دائرة التوتر في الضفة الغربية.
فما جرى ليل الأربعاء لم يترك وراءه شهيدين فقط، بل ترك قرية كاملة أمام تداعيات حصار واعتداءات يُخشى أن تستمر، فيما يزداد قلق سكانها من أن تتحول الهجمات على المنازل والمواشي والأراضي إلى واقع أكثر رسوخاً في حياتهم اليومية.

