
المركز الفلسطيني للإعلام
تكشف صور الأقمار الصناعية الحديثة حجم التحول والدمار الكارثي الذي أصاب المشهد العمراني في قطاع غزة بعد نحو ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، بعدما تحولت أحياء ومناطق واسعة كانت مكتظة بالسكان إلى مساحات من الركام، فيما بات كثير من الفلسطينيين يبحثون عبر الخرائط الرقمية عن منازلهم وشوارعهم التي غيّرت الحرب معالمها بصورة جذرية.
ورصد تقرير أعدته قناة الجزيرة، استناداً إلى التحديثات الجديدة لصور الأقمار الصناعية عبر منصة غوغل، جانباً من هذا الدمار الواسع، بعدما أتاحت الخرائط معاينة أجزاء واسعة من القطاع الممتدة من مدينة غزة وصولاً إلى خانيونس ورفح جنوباً، بينما لا يزال شمال القطاع محجوباً عن العرض.
وأظهرت الصور الفارق الهائل بين ملامح المدن قبل الحرب وبعدها، وما طال الأحياء السكنية والطرق والمرافق من دمار واسع.
وتتطابق هذه المشاهد مع أحدث تقييمات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، الذي أظهر أن نحو 82% من مباني قطاع غزة تعرضت لأضرار حتى 16 حزيران/يونيو 2026، بما مجموعه 201,290 مبنى، بينها 134,422 مبنى مدمراً، و13,848 تعرضت لأضرار جسيمة، و28,096 لأضرار متوسطة، فيما صنف 24,924 مبنى على أنها يحتمل تعرضها للضرر. وسجلت نسبة المباني المدمرة ارتفاعاً بنحو 9% مقارنة بالتقييم السابق في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وأشارت صور الأقمار الصناعية إلى التحولات العميقة التي طالت مدينة رفح، ولا سيما منطقة تل السلطان، التي كانت قد استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين خلال الحرب، قبل أن تتحول أجزاء واسعة منها إلى ركام ومساحات رملية، فيما دفعت موجات النزوح المتكررة السكان باتجاه مناطق أخرى، بينها المواصي ودير البلح.
وفي المواصي، أظهرت الصور تغيراً كبيراً في طبيعة المنطقة التي كانت تتميز بطابعها الزراعي، بعدما امتلأت بالخيام ومساكن النازحين، في مشهد يعكس انتقال أعداد كبيرة من السكان بين مناطق القطاع بحثاً عن أماكن أكثر أمناً، وسط نقص حاد في المساكن والمرافق الأساسية.
أما خانيونس، فتبدو من أكثر المناطق التي طالتها حرب الإبادة، إذ أظهرت الخرائط آثار الدمار في أحياء سكنية وشوارع رئيسية، ما جعل التعرف إلى كثير من المواقع التي كانت مألوفة للسكان أمراً بالغ الصعوبة. وامتد المشهد إلى مناطق أخرى، بينها ميناء غزة، الذي فقد جانباً كبيراً من ملامحه السابقة وسط انتشار مواقع النزوح والدمار.
ولا يقتصر حجم الكارثة على المباني وحدها، إذ قدر التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة، الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ونشر في نيسان/أبريل 2026، عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة بأكثر من 371,888 وحدة، فيما تجاوزت الأضرار المباشرة في البنية التحتية 35.2 مليار دولار، وقدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات.
وبيّن التقييم الأممي أن أكثر من 60% من سكان القطاع فقدوا منازلهم، فيما بلغ عدد النازحين نحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم تعرضوا للنزوح أكثر من مرة، بينما كانت قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والتجارة والزراعة من بين الأكثر تضرراً. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف المستشفيات باتت غير عاملة، وأن معظم المدارس تعرضت للدمار أو الضرر.
وتشير أحدث تقارير الأمم المتحدة إلى أن آثار الدمار لا تزال حاضرة في حياة السكان اليومية، إذ يحتاج 94% من سكان غزة بصورة عاجلة إلى المأوى والمساعدات المنزلية الأساسية، بينما يعيش نحو 65% من الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة لا توفر حماية كافية من الظروف الجوية. كما حددت الأمم المتحدة 451 موقعاً للنازحين معرضاً بدرجة عالية لخطر الفيضانات، تؤوي نحو 464,402 شخصاً، مع اقتراب موسم الأمطار.
وفي قطاع المياه والصرف الصحي، تواجه البنية التحتية أضراراً واسعة، فيما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست غير عاملة، وأن نحو 70% من محطات ضخ الصرف الصحي متوقفة، بينما يعتمد نحو 77% من الأسر على نقل المياه بالصهاريج. وتقدر كمية الركام في القطاع بنحو 68.1 مليون طن، وهو ركام مختلط بمخلفات الصرف الصحي والنفايات الطبية والخطرة والأسبستوس ومخلفات الذخائر.
ومع استمرار صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة من القطاع، وتحول أجزاء كبيرة منه إلى مناطق غير صالحة للسكن، باتت صور الأقمار الصناعية أكثر من مجرد خرائط رقمية بالنسبة إلى سكان غزة؛ فهي توثق أثراً عمرانياً واجتماعياً لحرب غيّرت ملامح المدن والبلدات، وأجبرت ملايين الفلسطينيين على فقدان منازلهم أو النزوح المتكرر، بينما تقف أمامهم مهمة إعادة بناء ما دمرته الحرب في ظل احتياجات هائلة تتجاوز قدرة الاستجابة الحالية.
وتؤكد هذه المعطيات أن إعادة إعمار غزة لن تقتصر على تشييد مبانٍ جديدة، بل ستتطلب استعادة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والمرافق الصحية، إلى جانب معالجة ملايين الأطنان من الركام وتأمين المأوى لملايين السكان، في عملية تقدر الأمم المتحدة وشركاؤها أن احتياجاتها ستبلغ عشرات المليارات من الدولارات وتمتد لسنوات طويلة.
وارتفع إجمالي الضحايا منذ اتفاق وقف إطلاق النار -الذي تم التوصل إليه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025- ليصل إلى 1431 شهيدا، و5026 مصابا، إضافة إلى 834 حالة انتشال.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بلغت الحصيلة الكلية للعدوان 74 ألفا و32 شهيدا، و175 ألفا و142 مصابا، إلى جانب تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع.

نشرت ناشطة أمريكية مقارنة بين صور الأقمار الصناعية لمدينة خان يونس على خرائط “غوغل” و”آبل”، قائلة إن الصور المحدثة على “غوغل” تظهر حجم الدمار في قطاع
وقالت وهي تعرض المنطقة نفسها على التطبيقين: “هذه صورة… 