ما الذي تغيّر في الأقصى؟ باحث يرصد فرض الطقوس التوراتية تمهيدًا لتقسيمه مكانيًا

ما الذي تغيّر في الأقصى؟ باحث يرصد فرض الطقوس التوراتية تمهيدًا لتقسيمه مكانيًا

طرح الباحث المتخصص في شؤون القدس، زياد ابحيص، تساؤلاً حول ما طرأ على المسجد الأقصى خلال موسم العدوان الأخير عليه، مشيراً إلى أن موسم الأعياد اليهودية، الذي امتد ثلاثة أسابيع إجمالاً، شهد ذروة الاعتداءات على المسجد هذا العام، ولا سيما خلال أيام عيد العرش الخمسة الأسبوع الماضي.

وبيّن ابحيص، في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، أن التركيز خلال مواسم الاعتداء على الأقصى غالباً ما ينصب على الأرقام والإحصاءات، إلا أن الأهم، وفق تحليله، هو التوقف عند ما يعيشه المسجد من فرض لهوية يهودية دينية إلى جانب هويته الإسلامية.

وأوضح أن الجزء الأول من تحليله يركز على توظيف الطقوس التوراتية داخل الأقصى، على أن يتناول الجزء الثاني جوانب أخرى من التغيرات التي يشهدها المسجد.

ولفت الباحث إلى أن المقتحمين، بالشراكة مع شرطة الاحتلال، فرضوا خلال موسم الأعياد ما يقارب جميع الطقوس المرتبطة بالمناسبات اليهودية، مشيراً إلى تسعة أشكال رئيسية لذلك.

وقال إن أول هذه الطقوس تمثل في نفخ البوق، الذي جرى 30 مرة داخل المسجد الأقصى يوم الأحد 13 أيلول/سبتمبر، ثاني أيام رأس السنة العبرية.

وأوضح أن التوراة تنظر إلى نفخ البوق باعتباره إعلاناً عن الانتقال بين زمنين، ولذلك تُفتتح به السنة، فيما توظفه الصهيونية، بحسب تحليله، باعتباره شكلاً من «إعلان السيادة»، عبر الانتقال بالأرض التي يُنفخ فوقها من الزمن العربي والإسلامي إلى الزمن الصهيوني.

وأضاف أن نفخ البوق جرى كذلك عند احتلال سيناء عام 1956، وفي المسجد الأقصى وساحة البراق عام 1967، كما تكرر خلال سنوات الحرب على غزة، وفي الضفة الغربية وجنوب لبنان وهضبة الجولان في سوريا، وفق ما أورده.

وأشار ابحيص إلى أداء طقوس الاستغفار «السيليحوت»، وهي مزيج من مقاطع التوراة والقصائد التي نظمها حاخامات وعابدون يهود عبر التاريخ، ويتمحور موضوعها حول طلب المغفرة من الرب.

وذكر أن اليهود الشرقيين يؤدون هذه الطقوس طوال شهر أيلول العبري، فيما يبدأ اليهود الغربيون أداءها من يوم السبت السابق لرأس السنة العبرية، وتقام عادة في وقت متأخر من الليل، ويمكن إعادتها نهاراً، وهو ما قال إن المستوطنين حرصوا عليه طوال شهر تقريباً من الاقتحامات.

كما تطرق إلى إدخال «القربان النباتي» إلى المسجد الأقصى خلال الأيام الخمسة لعيد العرش، موضحاً أنه يعبر عن كون العيد مناسبة للحصاد وفق التوراة، التي تنص على تقديم أربعة أصناف نباتية كقرابين، وهي الأترج، وسعف النخيل، وأغصان الآس والصفصاف التي تجدل معاً وتعرف اختصاراً بـ«السعفة».

وتحدث الباحث عن أداء طقوس «الهاليل»، أي تمجيد الرب في حلقات غنائية داخل الأقصى، من خلال قراءة المزمور 118 المعنون بـ«شكر الرب في الهيكل».

وتناول كذلك ظاهرة الانبطاح الجماعي على الوجه، المعروفة بـ«السجود الملحمي»، موضحاً أنها، وفق التعاليم التوراتية، محددة بيوم الغفران ولحظة معينة داخل الهيكل، إلا أن منظمات الهيكل تحرص على التوسع في أدائها.

وأضاف أن طقوس «بركات الكهنة» شهدت حضوراً أيضاً، وهي طقوس وساطة روحية ينقل فيها الكاهن بركة الرب إلى اليهود، فيما أن طبقة الكهنة التي تتولى خدمة الهيكل وفق الأسطورة التوراتية مندثرة حالياً، ولذلك تؤدى الطقوس بصورة رمزية في عدد من الأعياد التوراتية.

وأشار ابحيص إلى استمرار أداء الطقوس اليومية، المتمثلة في صلاة الصباح وصلاة ما بعد الظهر، والتي تؤدى في افتتاح فترات الاقتحام، وتبدأ كل منها بما يعرف بـ«الشماع»، قبل ترديد مجموعة من القراءات التوراتية.

وتوقف عند إدخال كتب الصلوات إلى المسجد، موضحاً أن تعدد الطقوس التوراتية ومقاطع القراءة من التوراة والقصائد المرتبطة بكل مناسبة يجعل أداءها بحاجة إلى نصوص مكتوبة، ولذلك جرى جمع الصلوات المتكررة في كتاب يعرف باسم «السيدور».

وقال إن إدخال هذا الكتاب كان مطلباً دائماً لمنظمات الهيكل، مشيراً إلى أن شرطة الاحتلال بدأت في 6 آب/أغسطس 2026 توزيعه بصورة تجريبية على 15 حاخاماً وقائد صلاة، واستمر ذلك طوال موسم الأعياد الأخير.

ورأى أن هذه الخطوة جاءت مع بداية شهر أيلول العبري لتمكين المقتحمين من أداء طقوس «السيليحوت»، نظراً إلى كثرة نصوصها وعدم حفظها، معتبراً أن ذلك يعكس، وفق تحليله، «التناغم الكامل» بين شرطة الاحتلال والمقتحمين في أجندة تهويد الأقصى.

ولفت إلى أن توزيع 15 كتاباً يعني عملياً، وفق آلية الصلاة اليهودية التي تعتمد على الترديد خلف قارئ أو منشد، تمكين أعداد كبيرة من أداء الصلوات التوراتية داخل المسجد، في وقت تروّج فيه الشرطة أن العدد ضئيل وتجريبي.

وأضاف أن شرطة الاحتلال ترعى منذ كانون الثاني/يناير 2026 توزيع أوراق مصورة تتضمن أبرز الصلوات الخاصة بكل عيد، بما يتيح للمقتحمين قراءة المقاطع الأساسية منها.

ولم تقتصر التغييرات، وفق الباحث، على الكتب والصلوات، إذ بدأت شرطة الاحتلال خلال الأسابيع الأخيرة سياسة جديدة تقوم على التغاضي عن إدخال شال الصلاة «الطاليت» أو «الطيلسان»، ما دام ليس باللون الأبيض المحدد للصلاة وفق الرأي الحاخامي.

وأوضح أن ذلك شجع المستوطنين على إدخاله بألوان متعددة، معتبراً أن شرطة الاحتلال بذلك أكملت مساراً تدريجياً نحو تمكين إدخال لباس الصلاة الكامل المطلوب توراتياً.

ويشمل ذلك، بحسب ابحيص، زوائد الخيوط المتدلية من الملابس «تسيت تسيت»، والقبعة «كيباه» أو «اليَرمُلكة»، ولفائف الصلاة السوداء «التيفيلين»، ليصبح الحاخامات والمستوطنون المقتحمون قادرين على ارتداء ما وصفه باللباس التوراتي الكامل للصلاة داخل المسجد.

وخلاصة قراءته، يرى ابحيص أن الاحتلال طبّق بالفعل سياسة تحويل المسجد الأقصى إلى «مقدس مشترك بالقوة»، من خلال فرض الطقوس اليهودية إلى جانب الصلوات الإسلامية، مشيراً إلى أن هاجس شرطة الاحتلال يتمثل حالياً في كيفية تعميق هذه الهوية اليهودية للمسجد بصورة تدريجية تتجنب ردود الفعل قدر الإمكان.

وربط الباحث تسارع هذا المسار بما وصفه بـ«نافذة مفتوحة» للتهويد أتاحتها الحرب على غزة.

وشدد ابحيص على ضرورة الانتباه إلى تركيز منظمات الهيكل على الطقوس التي تكرس التعامل مع المسجد الأقصى وكأنه الهيكل المزعوم، موضحاً أنها تنتقي الطقوس التي تقول الأسطورة التوراتية إنها مختصة بالهيكل باعتباره «مكان سكن روح الرب».

وأشار في هذا السياق إلى الحرص على جلب القرابين النباتية إلى المسجد، والتوسع في طقس الانبطاح خارج وقته، باعتباره طقساً مختصاً بالهيكل وفق الأسطورة التوراتية، إلى جانب اختيار مقاطع من طقوس «الهاليل» تتضمن تمجيد الرب في الهيكل.

وفي ختام الجزء الأول من تحليله، حذر الباحث من أن المضي في فرض هذه الطقوس من شأنه تجديد السعي نحو التقسيم المكاني للمسجد الأقصى.

وأوضح أن ما تبقى من مسار الأدوات التوراتية يتمثل في إدخال لفائف التوراة الخشبية، وهي تحتاج إلى طاولات توضع عليها وخزائن لحفظها وأدوات لتتبع السطور أثناء القراءة، فضلاً عن القربان الحيواني الذي يتطلب مذبحاً وآنية وأبواقاً خاصة به.

وخلص ابحيص إلى أن مسار إدخال الأدوات التوراتية وصل إلى مرحلة استكمال إدخال الأدوات التي لا تحتاج إلى حيز مكاني، معتبراً أن ذلك يعني بلوغ نقطة الاتصال مع مسار التقسيم المكاني، ولا سيما في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، التي قال إنها مستهدفة بـ«تفريغ حقيقي دائم» تفرضه شرطة الاحتلال.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest