
المركز الفلسطيني للإعلام
كشف تحقيق استقصائي جديد لبرنامج “ما خفي أعظم”، الذي يقدمه الإعلامي تامر المسحال، تفاصيل غير مسبوقة من سيرة القائد العام السابق لكتائب القسام، محمد الضيف، منذ بدايات انخراطه في العمل المقاوم واعتقاله لدى الاحتلال، وصولاً إلى قيادته للجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ودوره في التخطيط لمعركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واستند التحقيق إلى شهادات مصورة نادرة للضيف، ومشاهد حصرية لاجتماعات قيادة القسام داخل الأنفاق، إلى جانب وثائق وتسجيلات تكشف محطات مفصلية من مسيرته العسكرية والتنظيمية، وتلقي الضوء على جانب من آليات اتخاذ القرار والتخطيط للعملية التي شكلت منعطفاً في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
من إعلان خطف فاكسمان إلى صوت طوفان الأقصى
استهل التحقيق رحلته من شريط مصور يعود إلى عام 1994، يظهر فيه مقاتل ملثم يعلن مسؤولية كتائب القسام عن خطف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان، في مشهد يفتح نافذة على شخصية ظل اسمها حاضراً لعقود، فيما بقي وجهها بعيداً عن عدسات الكاميرات.
وتنتقل المشاهد من ذلك التسجيل القديم إلى صوت الضيف في تسجيل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع مشاهد اختراق الحدود، في مفارقة تلخص مسيرة رجل غاب عن الصورة، لكنه ظهر بصوته معلناً انطلاق عملية غيرت المشهد الأمني والعسكري الإسرائيلي.
غير أن التحقيق لا يحصر الحكاية في ذلك اليوم، بل يعود إلى مشاهد حصرية لاجتماعات قيادة القسام داخل الأنفاق، يظهر فيها الضيف إلى جانب عدد من قادة الأركان، وهم يتبادلون التحية ويناقشون ملفات العمل العسكري حول طاولة اجتماعات، قبل أن يؤدوا الصلاة جماعة.
ومن بين القادة الذين ظهروا في تلك المشاهد مروان عيسى ومحمد السنوار وعز الدين الحداد ورائد سعد وأحمد الغندور ورافع سلامة.

وأوضح معد التحقيق تامر المسحال أن جميع القادة الذين ظهروا في هذه اللقطات استشهدوا، مشيراً إلى أن التسجيلات توثق فصولاً من تاريخ قيادة القسام.
وفي مشهد آخر، ظهر الضيف وهو يسير على قدميه داخل أحد الأنفاق، مرتدياً قبعة ويتحدث مع مرافقيه، في لقطات تفتح باب التساؤلات بشأن حقيقة وضعه الصحي، في ظل روايات إسرائيلية تحدثت عن إصابته البالغة وعجزه عن الحركة، ولا سيما عقب محاولة اغتياله عام 2006.
وتناولت الحلقة صورة الضيف التي أحاطت بها السرية والغموض، إذ ربطت الباحثة الإيطالية باولا كاريدي، مؤلفة كتاب “حماس من المقاومة إلى الحكم”، بين نجاته من سبع محاولات اغتيال وبين تشكل صورته الاستثنائية، فيما أقر مسؤول سابق في جهاز الشاباك الإسرائيلي، آشر بن أرتزي، بإخفاق الجهاز في الوصول إليه رغم محاولات تعقبه.
محمد الضيف.. من المسرح الجامعي إلى العمل العسكري
وفي شهادة مصورة نادرة، عرّف الضيف نفسه باسم محمد دياب إبراهيم، موضحاً أنه ولد عام 1965، وأن أصول عائلته تعود إلى قرية كوكبة التي هُجّر منها والده، قبل أن ينشأ في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.
ودرس الضيف علم الأحياء في الجامعة الإسلامية، وشارك خلال سنوات دراسته في فرقة مسرحية، قبل أن يتجه مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 إلى العمل التنظيمي داخل حركة حماس، ثم ينخرط في مجموعات “المجاهدون الفلسطينيون”.
وبعد نحو عامين، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تحدث في شهادته عن تعرضه للضرب والخنق وأساليب الضغط خلال التحقيق، مؤكداً رفضه الاعتراف بأي نشاط أمني أو عسكري.
وشكلت فترة الاعتقال محطة مهمة في مسيرته؛ إذ التقى داخل السجن القياديين صلاح شحادة وزكريا الشوربجي، وطلب منهما ترتيب انخراطه في عمل مباشر عقب الإفراج عنه. وكشف أن النقاشات بينهما تناولت تأسيس عمل عسكري وتنفيذ عمليات خطف جنود إسرائيليين.
كما تحدث عن بدايات تعلمه تفكيك الأسلحة وتركيبها من خلال رسومات في كراسة داخل المعتقل، قبل أن يبدأ التدريب العملي بعد الإفراج عنه.
وبحسب التحقيق، استولت المجموعة التي عمل معها عام 1992 على بندقية من طراز «إم 16» تعود لجندي إسرائيلي، وشاركت لاحقاً في عملية “جاني تال”.
ومع تضاؤل فرص العمل في قطاع غزة نتيجة شح السلاح، اتجه الضيف إلى الضفة الغربية، حيث ساعده محيي الدين الشريف في الوصول إلى بيت لحم، ومنها نسج علاقات وامتدت تحركاته إلى الخليل والقدس. وعرض التحقيق صورة له برفقة أمجد أبو خلف داخل مغارة، إلى جانب روايته عن التحركات الليلية بين الجبال لاستكشاف الطرق والتدريب.
وفي نهاية عام 1993، تولى الضيف قيادة مجموعات القسام خلفاً للقائد عماد عقل، والتقى خلال تلك المرحلة المهندس يحيى عياش، الذي وصفه بالهادئ وقليل الكلام.
وتوقف التحقيق عند عملية خطف الجندي نحشون فاكسمان، مستعرضاً شهادة جهاد يغمور، أحد المشاركين فيها، بشأن اقتياد الجندي إلى منزل في بلدة بير نبالا، ونقل مواد مصورة ووثائق إلى غزة بهدف تضليل الاستخبارات الإسرائيلية. وانتهت العملية باقتحام المنزل ومقتل فاكسمان وقائد القوة الإسرائيلية، واستشهاد المنفذين، وفق ما عرضه التحقيق.
تطوير قدرات القسام ومرحلة ما بعد اغتيال يحيى عياش
ومع انتقال يحيى عياش إلى قطاع غزة عام 1995، برعاية الضيف، بدأت مرحلة جديدة من التعاون بينهما، بمشاركة عدنان الغول، وأسفرت عن تطوير صاعق محلي الصنع.
وعقب اغتيال عياش في يناير/كانون الثاني 1996، أطلقت كتائب القسام سلسلة عمليات أطلقت عليها اسم الثأر المقدس، فيما واصل الضيف بناء القدرات العسكرية والتنظيمية.
وبعد الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين عام 1997، عرض عليه الضيف تصورات لتوسيع عمليات التسليح والتجنيد، مع التأكيد على أولوية العمل العسكري في استراتيجية الحركة.

وشكل اغتيال صلاح شحادة عام 2002 محطة مفصلية أخرى، إذ تولى الضيف قيادة كتائب القسام، وبدأ العمل على تطوير منظومتها العسكرية، بما شمل الصواريخ والأنفاق والقذائف المضادة للدروع.
وفي عام 2006، اتخذ قراراً بعدم مشاركة قيادات الصف الأول في القسام في الحكومة، حفاظاً على طبيعة العمل العسكري واستقلاليته. وتزامنت تلك المرحلة مع أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وإدارة ملفه وصولاً إلى صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011.
من صواريخ تل أبيب إلى قوات النخبة والأنفاق
وتتبع التحقيق محطات تطوير القوة العسكرية للقسام خلال السنوات اللاحقة، بدءاً من إطلاق الصواريخ باتجاه تل أبيب عام 2012، مروراً بتشكيل قوات النخبة عام 2013، وصولاً إلى توظيف شبكة الأنفاق في إدارة المواجهة خلال حرب عام 2014.
كما عرض مشهداً يجمع الضيف بإسماعيل هنية ويحيى السنوار داخل ورشة لتصنيع الصواريخ، في دلالة على طبيعة التواصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية للحركة.
وتضمن التحقيق تسجيلاً لمكالمة هاتفية بين الضيف والسنوار عقب معركة سيف القدس عام 2021، أظهر جانباً من التنسيق بينهما وموقع الضيف في دائرة القرار العسكري.
وثائق تكشف مراحل التخطيط لعملية طوفان الأقصى
وفي أبرز ما كشفه التحقيق، عرض وثائق تتعلق بمراحل الإعداد لمعركة طوفان الأقصى، من بينها محضر اجتماع للمجلس المصغر لقيادة القسام بتاريخ 11 فبراير/شباط 2023، تضمن قراراً ببدء التحضير لما سمي “مشروع فهد”، وهو الاسم الذي أطلق على عملية طوفان الأقصى، مع الإشارة إلى إمكانية إلغاء المشروع إذا تراجع الاحتلال عن اعتداءاته.
كما كشف التحقيق عن وثيقة مؤرخة في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحمل توقيع الضيف على أمر العمليات، وذلك عقب اجتماع لهيئة الأركان استمر ست ساعات، حُددت خلاله الساعة السادسة والنصف من صباح السابع من أكتوبر موعداً لبدء العملية.
ونقل التحقيق عن القائد في القسام عز الدين الحداد قوله إن الضربة استهدفت إرباك قيادة فرقة غزة الإسرائيلية وتعطيل منظومة الاتصال والسيطرة، بما يحد من قدرتها على إدارة المواجهة في لحظاتها الأولى.
وعرضت الحلقة مشاهد للضيف داخل غرفة العمليات، وهو يتفقد مجسمات للدبابات الإسرائيلية ويناقش تفاصيل الخطة مع قادة الألوية، قبل أن تنتقل إلى تسجيل آخر يظهره خلال الحرب ممسكاً بسماعة هاتف سلكي داخل أحد الأنفاق.
ووصف المسحال هذا التسجيل بأنه الوحيد الذي يوثق إدارة الضيف المباشرة للعمليات خلال الحرب.
إخفاق استخباراتي إسرائيلي ونهاية سيرة رجل الظل
وفي تقييمه لمسيرة الضيف ودوره في عملية السابع من أكتوبر، أقر مسؤول الشاباك السابق آشر بن أرتزي بأن الضيف كان أحد الركائز الأساسية في اتخاذ قرار العملية، مرجعاً جانباً من الإخفاق الإسرائيلي إلى الغرور الاستخباراتي والاعتقاد بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أكثر ذكاءً من خصمها.
واختتم التحقيق مسار السيرة بالإشارة إلى إعلان كتائب القسام استشهاد الضيف، بعد أشهر من التكتم بشأن مصيره، مستعيداً بصوته محطات مسيرة امتدت من سنوات الانتفاضة الأولى والعمل التنظيمي، إلى قيادة المنظومة العسكرية للقسام، وتطوير الصواريخ والأنفاق، وصولاً إلى التخطيط لعملية السابع من أكتوبر.
وبذلك، قدمت الحلقة رواية تستند إلى شهادات ووثائق ومشاهد نادرة، لا تكتفي بتتبع سيرة أحد أبرز قادة القسام، بل تكشف جوانب من تاريخ تشكل البنية العسكرية للحركة، وآليات قيادتها، والتحولات التي سبقت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

