مخيم اليرموك.. عودة إلى بيوت متضررة وانتظار طويل للترميم

مخيم اليرموك.. عودة إلى بيوت متضررة وانتظار طويل للترميم

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد العودة إلى مخيم اليرموك بالنسبة لكثير من اللاجئين الفلسطينيين تعني ببساطة استعادة المنزل بعد سنوات طويلة من النزوح، إذ يجد العائدون أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً؛ بيوت متضررة تفتقر إلى الأبواب والنوافذ والخدمات الأساسية، وإيجارات مرتفعة خارج المخيم، وانتظار قد يمتد لأشهر قبل الحصول على المساعدة اللازمة لترميم المنازل وتأهيلها للسكن.

وبينما يحاول سكان اليرموك استعادة حياتهم في المكان الذي كان يوماً من أبرز التجمعات الفلسطينية في سوريا، تتحول العودة لدى بعض العائلات إلى معادلة قاسية: منزل تملكه الأسرة لكنه غير صالح للسكن، أو إيجار يستنزف دخلها، أو الإقامة داخل بيت متضرر إلى حين وصول دور الترميم.

وكان مخيم اليرموك، الذي عُرف لسنوات بلقب “عاصمة الشتات الفلسطيني”، يضم قبل عام 2011 أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني، قبل أن تؤدي سنوات الحرب إلى موجات نزوح واسعة ودمار طال أجزاء كبيرة من المخيم وبنيته العمرانية.

وتشير تقديرات إلى أن نحو 72% من مباني المخيم تعرضت لأضرار متفاوتة، فيما تعرض نحو 12% من المنازل للدمار الكامل، بينما تحتاج قرابة 21% منها إلى أعمال ترميم، وهو ما يجعل ملف إعادة تأهيل المساكن أحد أبرز التحديات أمام عودة السكان واستقرارهم.

العودة إلى منزل غير صالح للسكن

لكن المشكلة بالنسبة للعائدين لا تنتهي عند الوصول إلى المنزل.

فبعض الأسر تعود إلى مساكنها رغم عدم اكتمال أعمال التأهيل، بعدما تصبح كلفة الإيجار خارج المخيم عبئاً يفوق قدرتها على الاحتمال، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة داخل منزل يفترض أن يكون ملاذاً آمناً.

ويشير سكان إلى أن بعض المنازل تحتاج إلى إعادة بناء أجزاء من الجدران، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وترميم البلاط والسيراميك، وتركيب الأبواب والنوافذ، إلى جانب توفير خزانات مياه ومجالٍ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وفي حالات أخرى، تبدو الأضرار أقل من الناحية الإنشائية، لكنها تظل كافية لجعل المنزل غير صالح للحياة الطبيعية، خصوصاً عندما تكون النوافذ والأبواب مفقودة أو تكون شبكات المياه والكهرباء بحاجة إلى إصلاح.

وبحسب شهادات سكان، فإن بعض العائلات التي عادت إلى منازلها تنتظر دورها في الترميم لفترات تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر، فيما تختلف المدة بحسب حالة المنزل ونتائج الكشف والتقييم.

البيت المتضرر شرطاً للترميم

وتبرز هنا واحدة من أكثر المفارقات قسوة في واقع اليرموك؛ إذ تقول أسر إن عليها الإقامة في المنزل المتضرر حتى تستفيد من أعمال الترميم.

وبذلك يصبح المنزل الذي تحتاج الأسرة إلى ترميمه حتى تتمكن من السكن فيه، هو نفسه المكان الذي يفترض أن تعيش داخله خلال فترة الانتظار.

ويقول سكان إنهم اضطروا إلى اتخاذ هذا الخيار بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإيجار خارج المخيم، رغم أن منازلهم تفتقر إلى مقومات السكن الأساسية.

ويصف أحد السكان وضعه بالقول إن “للضرورة أحكام”، موضحاً أن الأسرة اضطرت إلى الإقامة في المنزل رغم عدم اكتمال تأهيله.

وفي ظل غياب الأبواب والنوافذ، تتعرض بعض المنازل لدخول الحشرات والقوارض والحيوانات الشاردة، فضلاً عن المخاوف من السرقة، ما يجعل فترة الانتظار عبئاً إضافياً على الأسر، ولا سيما تلك التي لديها أطفال.

وتقول أسر إنها راجعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أكثر من مرة لمتابعة ملف الترميم، لكنها تلقت رداً يفيد بأن إجراءات الترميم والجدولة ليست بيد الموظفين القائمين على المتابعة.

بين منزل تملكه وإيجار لا تستطيع تحمله

وتزداد صعوبة المشهد مع ارتفاع الإيجارات في دمشق ومحيطها.

فالعائلة التي لا تستطيع السكن في منزلها المتضرر تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مسكن بديل، لكن كلفة الإيجار المرتفعة تجعل هذا الخيار غير متاح لكثير من الأسر محدودة الدخل.

وتشير إفادات من سكان إلى وصول إيجارات بعض المنازل في اليرموك إلى أكثر من مليون ونصف ليرة سورية، رغم أن بعضها لا يزال يعاني من أضرار أو لم يخضع سوى لترميمات محدودة، فيما تختلف الأسعار في المناطق المحيطة، ومنها الحجر الأسود، بحسب موقع المنزل وحالته.

وهكذا، يجد اللاجئ نفسه أمام خيارات محدودة: دفع إيجار مرتفع خارج المخيم، أو البقاء بعيداً عن منزله إلى حين القدرة على ترميمه، أو العودة إلى منزل متضرر وتحمل ظروف السكن الصعبة.

ويقول أحد السكان: “الناس مجبورة، ما في خيارات؛ يا تدفع إيجاراً خرافياً في دمشق، يا تسكن في منطقة مدمّرة وتدبّر حالك”.

عائلة عالقة بين منزلين

وتكشف شهادة أحد سكان المخيم، إياد عبدالله، جانباً آخر من هذه الأزمة، إذ عادت عائلته لتجد منزلين تملكهما داخل اليرموك، أحدهما مدمر بالكامل، والآخر متضرر ومتصدع بما يثير مخاوف تتعلق بالسلامة.

ومع عدم قدرة الأسرة على السكن في المنزلين، اضطر إياد وشقيقه إلى البحث عن مصدر دخل، والعمل في أحد المطاعم للمساهمة في تأمين إيجار منزل في مدينة جرمانا.

وتختصر هذه الحالة وضع عائلات أخرى عادت إلى محيط اليرموك أو حاولت العودة إليه، لكنها وجدت نفسها أمام فجوة كبيرة بين امتلاك المسكن والقدرة الفعلية على العيش فيه.

فالمنزل موجود، لكن أبوابه ونوافذه قد تكون مفقودة، وشبكاته بحاجة إلى إصلاح، وأجزاء منه تحتاج إلى إعادة تأهيل، فيما لا تملك الأسرة المال الكافي لتنفيذ تلك الأعمال على نفقتها الخاصة.

الترميم لا يختصر الأزمة

ولا تتعلق أزمة اليرموك بالترميم وحده، فإعادة تأهيل المنازل، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان عودة مستقرة للسكان.

فالعودة تحتاج أيضاً إلى استعادة الخدمات الأساسية، ومعالجة الأبنية الخطرة، وتأهيل شبكات المياه والكهرباء، وتحسين الطرق والمواصلات، وتوفير فرص العمل، وضمان قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها اليومية.

كما أن برامج المساعدة والترميم تحتاج إلى مراعاة خصوصية الأسر التي عاشت سنوات طويلة من النزوح، والتي قد لا تستطيع الإقامة في المنزل المتضرر قبل تأهيله.

ومن هنا، يطالب سكان بإعادة النظر في الآليات المتبعة، بما يضمن ألا تتحول شروط الاستفادة من المساعدة إلى عائق أمام العودة، خصوصاً بالنسبة للعائلات التي لا تملك بديلاً للسكن.

وقد أثارت مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية “مرصد” هذه القضية، معربة عن تضامنها مع مطالب أهالي المخيم، واعتبرت أن اشتراط الإقامة في المنازل المتضررة يعيق العودة الآمنة والكريمة، وقد يشكل شكلاً من “الإكراه غير المباشر”، ولا ينسجم مع المبادئ والمعايير الإنسانية.

اليرموك.. عودة تحتاج إلى حياة

بعد سنوات من النزوح والدمار، لم يعد السؤال في مخيم اليرموك هو ما إذا كان اللاجئون يريدون العودة، فالعديد منهم عاد بالفعل أو يحاول العودة.

السؤال الأصعب هو: هل يستطيع هؤلاء البقاء؟

فامتلاك مفتاح المنزل لا يعني أن المنزل صالح للسكن، والعودة إلى المخيم لا تعني بالضرورة انتهاء النزوح، إذا كانت الأسرة مضطرة إلى العيش في بيت بلا أبواب أو نوافذ، أو الانتظار أشهراً قبل بدء الترميم، أو دفع إيجار يفوق قدرتها خارج المخيم.

ولهذا، فإن إعادة إعمار اليرموك لا يمكن أن تختزل في إزالة الركام أو ترميم الجدران، بل تحتاج إلى مشروع متكامل يعيد للمخيم مقومات الحياة، ويمنح العائلات القدرة على العودة والاستقرار بكرامة وأمان.

فالعودة الحقيقية ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما استعادة للحياة نفسها؛ منزل آمن، ومياه وكهرباء، وخدمات أساسية، ومصدر دخل، وبيئة تسمح للعائلة بأن تبقى.

وفي اليرموك، لا يزال كثير من اللاجئين ينتظرون أن تصبح العودة إلى البيت عودةً إلى الحياة، لا مجرد عودة إلى عنوان قديم خلف أبواب مفقودة وجدران متضررة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest