
المركز الفلسطيني للإعلام
دخل مخيم قلنديا شمال مدينة القدس المحتلة مرحلة جديدة من التصعيد، مع تنفيذ قوات الاحتلال الإسرائيلي هجوما عسكريا داخل المخيم اتخذ طابعًا واسعًا، ترافق مع اقتحامات ومداهمات للمنازل وإغلاق طرق داخلية بالسواتر الترابية، في مشهد أعاد إلى الأذهان الاعتداءات الواسعة التي شهدتها مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس شمال الضفة الغربية.
ويأتي هذه العدوان في ظل تصريحات إسرائيلية رسمية تحدثت عن نقل هذا النموذج إلى مخيمات أخرى، ما أثار مخاوف فلسطينية من أن يكون مخيم قلنديا أمام محاولة لإعادة إنتاج سيناريو التهجير القسري، وإعادة تشكيل المخيمات الفلسطينية تحت غطاء “الضرورات الأمنية”.
ولا تبدو العملية العسكرية في قلنديا منفصلة عن سياق أوسع يتعلق بموقع المخيم الحساس شمال القدس، والمخططات الإسرائيلية المتواصلة لإعادة تشكيل المنطقة جغرافيًا وديمغرافيًا، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية على المدينة ومحيطها.
اقتحام عسكري يغير ملامح الحياة داخل المخيم
وشهد مخيم قلنديا خلال يومي أمس واليوم عمليات اقتحام ومداهمة نفذتها قوات الاحتلال، تخللها انتشار عسكري واسع داخل أحياء المخيم، وإجراءات ميدانية عطلت حياة السكان.
ونشرت محافظة القدس، التي تتخذ من بلدة الرام قرب القدس مقرًا لها، لقطات مصورة من داخل المخيم أظهرت أزقة وقد أغلقت بالسواتر الترابية، ما أدى إلى عرقلة حركة المواطنين، إضافة إلى أضرار لحقت بأثاث وممتلكات أحد المنازل التي تعرضت للمداهمة خلال العملية.
ويقول سكان المخيم إن هذه الإجراءات لا تقتصر على تنفيذ اعتقالات أو ملاحقات أمنية، بل تترك آثارًا مباشرة على حياة آلاف الفلسطينيين، من خلال تقييد الحركة، وتعطيل الوصول إلى المنازل، وخلق حالة من التوتر والخوف داخل المخيم.
وفي محاولة لتبرير التصعيد العسكري، قال وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في منشور باللغة العربية على صفحته الرسمية في موقع “فيسبوك”: “لن نسمح للمخيم بأن يتحول إلى بؤرة للإرهاب أو إلى ملاذ للإرهابيين والمجرمين، كما أننا لا نسمح بذلك في مخيمات أخرى”.
وتأتي تصريحات كاتس في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال الضفة الغربية منذ عام 1967، وسط تصاعد العمليات العسكرية في عدد من المدن والمخيمات الفلسطينية.
ويرى فلسطينيون أن هذه التصريحات تمثل غطاءً سياسيًا لتوسيع العمليات العسكرية داخل المخيمات، خاصة مع حديث الوزير الإسرائيلي عن تنفيذ عمليات جديدة وفق “نموذج طولكرم ونور شمس وجنين”.
نقل نموذج جنين وطولكرم ونور شمس إلى القدس
وكان كاتس قد أعلن في الثامن والعشرين من يوليو/تموز الماضي إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بالسيطرة على مخيم فلسطيني آخر، دون تحديد اسمه، مؤكدًا أن العملية يجب أن تنفذ وفق “نموذج طولكرم ونور شمس وجنين”.
ويقوم هذا النموذج، وفق ما شهده الفلسطينيون في مخيمات شمال الضفة الغربية، على اقتحامات عسكرية واسعة، وإخلاء السكان، وهدم المنازل، وتجريف أجزاء من المخيمات، ومنع السكان من العودة، ثم إعادة تشكيل المكان بما يخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
وتثير هذه التصريحات مخاوف من محاولة نقل هذا النهج إلى مدينة القدس، حيث يشكل مخيم قلنديا أحد أبرز المواقع المرشحة، نظرًا لموقعه الاستراتيجي وقربه من طرق رئيسية ومستوطنات إسرائيلية.
قلنديا.. مخيم في قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية
ويقع مخيم قلنديا على المدخل الشمالي لمدينة القدس المحتلة، بمحاذاة طرق رئيسية يستخدمها المستوطنون للتنقل بين القدس والمستوطنات المقامة في شمال الضفة الغربية.
ويمنح هذا الموقع المخيم أهمية خاصة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، إذ تعتبر إسرائيل المنطقة ذات حساسية عالية بسبب قربها من القدس، وارتباطها بشبكة الطرق التي تخدم المستوطنين.
ولا تقتصر أهمية قلنديا على موقعه الجغرافي، بل أيضًا على كونه أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، إذ يقدر عدد سكانه بأكثر من 16 ألف نسمة، ما يجعله من أبرز التجمعات الفلسطينية في محيط القدس.
عدوان ضمن مشروع أوسع في شمال القدس
وتؤكد المعطيات الفلسطينية أن التصعيد في مخيم قلنديا لا يمكن فصله عن مخططات إسرائيلية متواصلة تستهدف إعادة تشكيل شمال القدس وفرض واقع جغرافي وديمغرافي جديد.
فمنذ سنوات، تعمل إسرائيل على تنفيذ مشاريع استيطانية وبنى تحتية تهدف إلى تعزيز السيطرة على المنطقة، من بينها مخطط مستوطنة عطروت، ومشروع شارع (45) الاستعماري، ومخططات السيطرة على أراضي قلنديا.
كما دفع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2023 بمخططات لإقامة مستوطنة تضم نحو 9 آلاف وحدة سكنية على أرض مطار قلنديا السابق في القدس، المحاذي للمخيم.
ومنذ ذلك الحين، يخشى سكان المخيم من أن تكون الاقتحامات المتكررة وعمليات الهدم الأخيرة للمنازل مرتبطة باستراتيجية تهدف إلى إخلاء المنطقة تمهيدًا لتنفيذ المشروع الاستيطاني، رغم عدم وجود إعلان رسمي إسرائيلي يربط بين الأمرين.
بين الأمن والاستيطان.. مخاوف من تغيير واقع المخيم
ويرى مراقبون أن تزامن الهجمات العسكرية للاحتلال مع تصاعد المشاريع الاستيطانية في محيط قلنديا يعكس ترابطًا بين السيطرة الأمنية وإعادة تشكيل الواقع على الأرض.
فالإجراءات العسكرية، من إغلاق الطرق والمداهمات والهدم، لا تؤثر فقط على الجانب الأمني، بل يمكن أن تؤدي إلى تغيير ظروف الحياة داخل المخيم، ودفع السكان إلى الرحيل تحت ضغط الواقع المفروض.
ويخشى الفلسطينيون من أن تتحول العمليات العسكرية إلى وسيلة لفرض أمر واقع جديد في شمال القدس، يعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، ويعزز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
تحذيرات حقوقية من تكرار سيناريو التهجير
وتتصاعد المخاوف الحقوقية والإنسانية من تحول “نموذج طولكرم ونور شمس وجنين” إلى سياسة إسرائيلية ثابتة تستهدف مزيدًا من المخيمات الفلسطينية.
وتصف هذا التوجه بأنه “رسالة بالغة الخطورة”، مشيرة إلى أن المخيمات الثلاثة المذكورة شهدت خلال عملية “الجدار الحديدي” مطلع عام 2025 واحدة من أعنف حملات التهجير القسري في الضفة الغربية منذ عام 1967.
وتحذر المنظمات الحقوقية من أن تكرار هذا السيناريو يعني توسيع عمليات الإخلاء القسري، وهدم المنازل، ومنع اللاجئين من العودة، بما يهدد بتحويل المخيمات الفلسطينية إلى ساحات لإعادة هندسة الواقع السكاني والجغرافي.
لا يبدو عدوان الاحتلال في مخيم قلنديا مجرد حملة أمنية محدودة، بل تأتي في سياق تصعيد أوسع يستهدف أحد أكثر المواقع حساسية في محيط القدس.
وبينما تبرر إسرائيل عملياتها باعتبارات أمنية، يرى الفلسطينيون أن ما يجري يتقاطع مع مخططات استيطانية وسياسات تهدف إلى فرض واقع جديد في شمال القدس.
ويبقى مخيم قلنديا أمام اختبار صعب، في ظل مخاوف من أن يتحول إلى الحلقة التالية في سلسلة عمليات تستهدف المخيمات الفلسطينية، وتعيد إنتاج نموذج شمال الضفة الغربية داخل مدينة القدس.

(@Sa7atPl) 