من الاحتلال العسكري الشامل إلى تفكيك السلطة.. خطة الحسم الإسرائيلية لإعادة تشكيل الضفة

من الاحتلال العسكري الشامل إلى تفكيك السلطة.. خطة الحسم الإسرائيلية لإعادة تشكيل الضفة

المركز الفلسطيني للإعلام

تتجه الضفة الغربية المحتلة نحو مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، تتجاوز العمليات العسكرية المحدودة إلى التلويح بفرض سيطرة عسكرية أوسع، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتكريس الاستيطان والتهجير، في سياق مشروع سياسي يسعى إلى حسم الصراع وقطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويأتي هذا التوجه في أعقاب عملية إطلاق النار عند حاجز فرش الهوى غربي الخليل، التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، واستشهاد منفذَي العملية.

وأعقبتها إجراءات عسكرية مشددة شملت تطويق الخليل وحلحول، وسط تهديدات إسرائيلية بتوسيع العمليات واقتحام الأحياء التي خرج منها المنفذان وإخلاء سكانها وتفتيش المنازل وهدم ما تصفه سلطات الاحتلال بالبنى التحتية للمقاومة.

وتثير هذه التهديدات مخاوف من استغلال العملية لتوسيع نطاق إجراءات عسكرية وسياسية كانت مطروحة قبلها، بما يجعل التصعيد المحتمل جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية، وليس مجرد رد أمني مرتبط بحدث بعينه.

خطة الحسم.. من استهداف المقاومة إلى تفكيك السلطة

تتمثل الخلفية السياسية لهذا المسار فيما يُعرف بـ«خطة الحسم»، التي ارتبطت بطرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وتقوم على فرض السيطرة الإسرائيلية وإنهاء فرص قيام دولة فلسطينية، مع إخضاع الفلسطينيين لخيارات تنتقص من حقوقهم الوطنية، أو دفعهم إلى الرحيل، أو مواجهة مزيد من القمع.

وتتجلى ملامح هذا التوجه في دعوات سموتريتش إلى تنفيذ عملية عسكرية شاملة في الضفة الغربية لتفكيك السلطة الفلسطينية وجمع السلاح، بالتوازي مع مطالبات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإنهاء وجود السلطة، ورفضه قيام كيان فلسطيني مستقل.

وبذلك، يتجاوز الخطاب الإسرائيلي ملاحقة منفذي العمليات إلى استهداف البنية السياسية والإدارية الفلسطينية نفسها، في وقت تتصاعد فيه الإجراءات التي تقيد عمل السلطة وتحد من قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لها.

ولا يقتصر هذا المسار على تصريحات المسؤولين السياسيين؛ إذ خلص تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في أبريل/نيسان 2026 إلى أن سياسات الحكومة تتضمن تطبيق السيادة الإسرائيلية، وإغلاق مسارات التسوية السياسية، وإضعاف السلطة الفلسطينية إلى حد انهيارها، ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطق إقامتهم، ويربط التحليل هذه السياسات بمبادئ «خطة الحسم» وتداعياتها المحتملة على الاستقرار في الضفة الغربية.

ويرى مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام أن تلويح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعملية عسكرية غير مسبوقة منذ حرب عام 1967 يحمل أبعادًا عسكرية وانتخابية متداخلة؛ فمن جهة، يفتح الباب أمام توسيع العمليات في الضفة، ومن جهة أخرى، يتيح لنتنياهو توظيف التصعيد لتعزيز موقعه داخل معسكر اليمين، ولا سيما أن تصريحاته جاءت قبل الانتخابات الإسرائيلية بأربعة أيام.

الاحتلال الشامل.. استعادة نموذج السور الواقي

تستحضر التهديدات الإسرائيلية الراهنة تجربة عملية «السور الواقي» التي نفذها جيش الاحتلال عام 2002، حين اجتاح مدنًا ومخيمات فلسطينية وفرض سيطرة عسكرية واسعة على مناطق الضفة الغربية.

غير أن المقارنة بين التجربتين تثير تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الجديدة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية في مخيمات شمال الضفة، بدلًا من الاكتفاء باقتحامات مؤقتة.

ويشير كرام إلى أن الحديث عن عملية غير مسبوقة منذ عام 1967 يعيد إلى الواجهة سيناريو توسيع السيطرة العسكرية على المدن الفلسطينية، بينما يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن ما يجري في مخيمات شمال الضفة يتجاوز أنماط العمليات السابقة، من حيث استمرار التدمير والقتل والتهجير.

ويحذر مصطفى من أن أي عملية واسعة قد تمتد إلى مناطق «أ» التي تخضع إداريًا وأمنيًا للسلطة الفلسطينية بموجب الترتيبات القائمة، وهو ما قد يفضي إلى تقليص دورها ميدانيًا وفرض واقع تكون فيه السيطرة الإسرائيلية مباشرة على نطاق أوسع من الأراضي الفلسطينية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ضوء القرارات الإسرائيلية التي اتُّخذت خلال العام الجاري، إذ تناول تقرير صحفي سابق، إجراءات تستهدف تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية، وتوسيع تدخل السلطات الإسرائيلية في الأراضي والعقارات، بما يقوض صلاحيات السلطة الفلسطينية في مناطق كانت خاضعة لإدارتها.

وتشير هذه التطورات إلى أن إعادة تشكيل السيطرة على الضفة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تترافق مع تغييرات إدارية وقانونية تتيح توسيع النفوذ الإسرائيلي على الأرض، وتحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها.

الخليل وحلحول.. التهجير والهدم بوصفهما أدوات ضغط

تقدم التهديدات بإخلاء أحياء في الخليل وحلحول وهدم منازل فيها نموذجًا لما قد تؤول إليه العمليات العسكرية الموسعة. وأشار كرام إلى تهجير أكثر من 60 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة خلال العمليات الإسرائيلية، محذرًا من احتمال نقل هذا النموذج إلى مناطق أخرى عبر الإجلاء الواسع والهدم.

كما عرج إلى عمليات هدم في محيط حاجز فرش الهوى، لافتًا إلى أن الاستهداف شمل مباني في المنطقة التي وقعت فيها العملية، وليس منازل المنفذين وحدها.

ونقل عن مهند مصطفى قوله إن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن الإدارة المدنية، اتخذ قرار الهدم بصفته الوزارية، في تطور يعكس، وفق تقديره، اتساع نطاق القرارات العقابية المباشرة.

ولا تنحصر تداعيات هذه الإجراءات في الأضرار المادية، إذ يؤدي هدم المنازل وإخلاء الأحياء إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، وحرمان العائلات من مساكنها ومصادر رزقها، وزيادة الضغوط التي تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم.

وفي هذا السياق، حذر مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون من أن الحكومة الإسرائيلية توظف العملية لتبرير تحركات تستهدف الوجود الفلسطيني ومؤسساته، وتدفع نحو التهجير والضم، معتبرًا أن التهديدات الراهنة تأتي ضمن توجه أوسع لإعادة تشكيل واقع الضفة الغربية.

وتتسع دلالات هذه السياسة عند ربطها بالتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، إذ إن إخلاء السكان وتدمير منازلهم، بالتزامن مع تعزيز الوجود الاستيطاني، قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في توزيع السكان والسيطرة على الأرض، ويجعل عودة المهجرين إلى مناطقهم أكثر صعوبة.

الاستيطان وعنف المستوطنين.. إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية

يتوازى التهديد بتوسيع العمليات العسكرية مع استمرار المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يقدمه نتنياهو بوصفه جزءًا من المعادلة الأمنية.

ووفق وسائل إعلام فإن نتنياهو وصف المستوطنين بأنهم «خط دفاع متقدم»، معلنًا أن حكومته أقامت أكثر من 100 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة، مع التوجه إلى مواصلة البناء.

وفي المقابل، تتعرض التجمعات الفلسطينية لاعتداءات المستوطنين، والقيود على الحركة، والاستيلاء على الأراضي، وهي ممارسات تسهم في تقويض قدرة السكان على البقاء في مناطقهم وممارسة حياتهم اليومية بصورة طبيعية.

وتتضح الصورة أكثر في تقرير منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية الحقوقية، الصادر في 14 سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان «مشروع المحو»، الذي يستند إلى نحو ألفي شهادة فلسطينية جُمعت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب عقود من التوثيق الميداني.

ويعرض التقرير خمس آليات مترابطة لتفكيك الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية: العنف والترهيب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير الاجتماعي والسياسي، والتهجير والاستيلاء على الأراضي.

وبحسب بيانات «بتسيلم»، قُتل 1107 فلسطينيين في الضفة الغربية بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و31 أغسطس/آب 2026، بينهم 245 طفلًا. كما وثقت المنظمة تهجير 75 تجمعًا فلسطينيًا قسرًا، وسيطرة المزارع والبؤر الاستيطانية على نحو 1.07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية، فضلًا عن تهجير نحو 33 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة.

وتعزز هذه المعطيات أهمية النظر إلى الاعتداءات والهدم والتهجير بوصفها ظواهر متداخلة، بدلًا من التعامل معها كوقائع منفصلة. فحين تترافق السيطرة على الأرض مع تقييد الحركة والضغط الاقتصادي والعنف، تصبح قدرة المجتمعات الفلسطينية على الصمود والاستمرار أكثر هشاشة.

الخنق الاقتصادي وتقييد الحركة.. تفكيك مقومات الحياة

لا يقتصر الضغط الإسرائيلي على العمليات العسكرية والاستيطان، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من التنقل والعمل إلى الوصول إلى الأراضي والخدمات الأساسية. ويؤدي انتشار الحواجز والبوابات العسكرية وإغلاق الطرق إلى عزل التجمعات الفلسطينية ورفع كلفة التنقل، بما ينعكس على فرص العمل والتعليم والعلاج والتجارة.

ووثق تقرير «بتسيلم» وجود 925 عائقًا ماديًا أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية حتى نهاية عام 2025، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. كما أشار إلى ارتفاع معدل البطالة من 13.1% عام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل سحب تصاريح العمل وتشديد القيود الاقتصادية وحجب الإيرادات الفلسطينية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أوردته تقارير سابقة بشأن الاعتقالات والحواجز وتضييق سبل العيش واعتداءات المستوطنين، وهي عوامل قال إبراهيم المدهون إنها تسهم في تحويل مناطق فلسطينية إلى بيئة طاردة لسكانها. وتزداد خطورة هذه الضغوط حين تتزامن مع تراجع قدرة المؤسسات الفلسطينية على توفير الخدمات والحماية الاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك، لا ينحصر تأثير السياسات الإسرائيلية في إضعاف السلطة الفلسطينية بوصفها مؤسسة سياسية وإدارية، بل يمتد إلى المجتمع الذي تقوم عليه، من خلال تقليص فرص العمل، وإضعاف الروابط بين التجمعات، وتعطيل الوصول إلى الأرض، ورفع كلفة البقاء في المناطق المهددة بالاستيطان والتهجير.

نتنياهو والانتخابات.. توظيف التصعيد في المعركة السياسية

يحضر البعد الانتخابي بقوة في التهديدات الإسرائيلية الأخيرة. فبحسب مراسل الجزيرة إلياس كرام، يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه باعتباره الضامن للأمن، وربط التصويت لمعسكر اليمين بمواصلة المواجهة مع الفلسطينيين، في مقابل تصوير منافسيه على أنهم قد يفتحون الطريق أمام قيام دولة فلسطينية.

ويشير التقرير إلى أن نتنياهو لخّص خطابه الانتخابي بشعار «إما اليمين أو فلسطين»، في محاولة لتعبئة قاعدته واستقطاب المترددين عبر استثمار عملية الخليل في الترويج لسياساته المتشددة. كما رصد كرام تباينًا في التصريحات الإسرائيلية بشأن المعلومات الاستخبارية السابقة للعملية، وما إذا كان المنفذان يخططان لاستهداف مدنيين، وهو ما يثير تساؤلات بشأن المبررات التي تستخدمها الحكومة لتسويغ توسيع العمليات.

ويشير تداخل الحسابات الانتخابية مع التوجهات العسكرية والاستيطانية إلى أن تداعيات التصعيد قد تتجاوز الفترة المرتبطة بالعملية نفسها، خصوصًا إذا استُخدمت لتسريع إجراءات قائمة تستهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص المجال المتاح للمؤسسات الفلسطينية.

الضفة أمام سيناريو إعادة تشكيل شاملة

تكشف التطورات المتلاحقة في الضفة الغربية عن مسارات متداخلة، تجمع بين التهديد بعملية عسكرية واسعة، واستهداف السلطة الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وتقييد الحركة، وتصعيد الضغوط التي يتعرض لها السكان في مناطق مختلفة.

وتكتسب هذه المسارات دلالتها من تزامنها؛ فالسيطرة العسكرية المباشرة قد تحد من قدرة السلطة على ممارسة صلاحياتها، بينما يسهم التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي في تغيير الواقع الجغرافي، ويؤدي الهدم والتهجير والضغط الاقتصادي إلى إضعاف قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء والصمود.

ويعزز تقرير «بتسيلم» هذا النقاش من خلال توثيق الروابط بين العنف والقيود الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، فيما يخلص تحليل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن السياسات الحالية قد تدفع نحو انهيار السلطة وتغيير طبيعة السيطرة على الضفة.

وعليه، فإن السؤال المركزي لم يعد مقتصرًا على حجم العملية العسكرية التي قد يقرر نتنياهو تنفيذها، بل يتعلق بالواقع الذي يمكن أن تتركه وراءها: هل تتحول التهديدات إلى سيطرة عسكرية أوسع على المدن الفلسطينية، بالتوازي مع تقويض السلطة وتسريع الاستيطان والتهجير؟ أم أن الضغوط السياسية والدولية ستحد من قدرة الحكومة الإسرائيلية على المضي في هذا المسار؟

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest