
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يقتصر الدعم الأمريكي لإسرائيل على الاعتراف السياسي أو تقديم المساعدات المالية والعسكرية، بل تطور على مدى العقود إلى علاقة استراتيجية متعددة المستويات، تشمل تزويدها بأحدث الأسلحة، وتمويل تفوقها العسكري، وحمايتها دبلوماسيًا في المؤسسات الدولية، واستخدام حق النقض في مجلس الأمن لإحباط قرارات تتعلق بالاحتلال والعدوان الإسرائيليين.
منذ إعلان قيام دولة الاحتلال في 14 مايو/أيار 1948، شكلت الولايات المتحدة أحد أهم الأطراف الدولية المؤثرة في تثبيت إسرائيل وتعزيز قدراتها. وبينما بدأ الدعم الأمريكي باعتراف سياسي سريع وقروض اقتصادية محدودة، اتسع تدريجيًا ليصبح التزامًا ماليًا وعسكريًا طويل الأمد، تعزز بصورة كبيرة بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، واستمر عبر إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة.
من الاعتراف عام 1948 إلى التحول العسكري
في 14 مايو/أيار 1948، اعترف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها، ليكون الاعتراف الأمريكي أحد أبرز أشكال الإسناد السياسي المبكر، رغم وجود خلافات داخل الإدارة الأمريكية بشأن تداعيات القرار على المصالح الأمريكية والعلاقات العربية.
اقتصاديًا، بدأت المساعدات الأمريكية المباشرة عام 1949، عندما منح بنك التصدير والاستيراد الأمريكي إسرائيل قرضًا بقيمة 100 مليون دولار، وفقًا لتقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي المعنون «المساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل».
وخلال العقدين التاليين، ظلت المساعدات محدودة نسبيًا، واعتمدت إسرائيل بدرجة أكبر على فرنسا في الحصول على الأسلحة المتطورة. لكن التحول بدأ يظهر في ستينيات القرن الماضي، عندما وافقت واشنطن عام 1962 على بيع إسرائيل منظومة صواريخ «هوك» المضادة للطائرات، في أول صفقة أمريكية مهمة من هذا النوع.
وبعد حرب يونيو/حزيران 1967، اتخذ التعاون العسكري منحى أكثر وضوحًا، إذ وافقت إدارة الرئيس ليندون جونسون عام 1968 على بيع إسرائيل طائرات «فانتوم» المقاتلة، وهو ما اعتبرته خدمة أبحاث الكونغرس نقطة تأسيسية في سياسة أمريكية هدفت إلى المحافظة على ما تسميه واشنطن «التفوق العسكري النوعي» الإسرائيلي في المنطقة.
حرب 1973.. نقطة الانطلاق نحو الدعم المفتوح
مثّلت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 محطة مفصلية في العلاقة العسكرية بين الطرفين؛ إذ أطلقت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون جسرًا جويًا عسكريًا واسعًا لتعويض خسائر الجيش الإسرائيلي وإمداده بالأسلحة والذخائر والمعدات.
وتحولت المساعدات بعد الحرب إلى مستويات غير مسبوقة؛ فوفق جداول خدمة أبحاث الكونغرس، بلغت المساعدات الأمريكية لإسرائيل نحو 2.62 مليار دولار عام 1974، بينها 1.5 مليار دولار منحًا عسكرية، قبل أن تتواصل الزيادة خلال السنوات التالية.
وفي عام 1979، سجلت المساعدات نحو 4.89 مليارات دولار، وهو رقم ارتبط بحجم الدعم المالي والعسكري الاستثنائي في تلك المرحلة، وفق البيانات التاريخية ذاتها.
ولم يكن الدعم مقتصرًا على تسليم الأسلحة، بل شمل بناء مخزونات عسكرية أمريكية داخل إسرائيل، وتطوير التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، وتوسيع برامج إنتاج وتطوير منظومات الدفاع الصاروخي.
المساعدات المالية.. مليارات الدولارات على امتداد العقود
مع مرور الوقت، انتقلت المساعدات الأمريكية من القروض والمنح الاقتصادية إلى تمويل عسكري منتظم، وأصبحت إسرائيل أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
ويقدم تقرير خدمة أبحاث الكونغرس، المحدّث في 28 مايو/أيار 2025، صورة رقمية لحجم هذا الدعم؛ إذ قدّر إجمالي المساعدات الثنائية الأمريكية وتمويل الدفاع الصاروخي لإسرائيل بنحو 174.965 مليار دولار بالقيمة الاسمية، خلال الفترة الممتدة من 1946 حتى السنة المالية 2025.
ويتوزع هذا المبلغ إلى نحو 124.5 مليار دولار مساعدات عسكرية، و34.3 مليار دولار مساعدات اقتصادية، و16.1 مليار دولار لبرامج الدفاع الصاروخي. وعند احتساب التضخم، قدّرت بيانات وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن إجمالي المساعدات المتراكمة بين 1946 و2024 يعادل نحو 298 مليار دولار بأسعار 2024.
ومنذ عام 1999، نظمت واشنطن مساعداتها ضمن مذكرات تفاهم تمتد لعشر سنوات. وفي 14 سبتمبر/أيلول 2016، وقّعت الحكومتان مذكرة التفاهم الثالثة، التي تغطي السنوات المالية 2019-2028، وتتعهد بموجبها الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار، تشمل 33 مليار دولار تمويلًا عسكريًا و5 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي، مع خضوع المبالغ لاعتمادات الكونغرس.
وتتضمن المذكرة تقديم 3.3 مليارات دولار سنويًا لتمويل المشتريات العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب 500 مليون دولار سنويًا لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس.
ولا تقتصر المساعدات على هذه الالتزامات؛ إذ توفر واشنطن ضمانات قروض، وتسمح بتخزين معدات وذخائر أمريكية داخل إسرائيل، كما تمول برامج مشتركة لتطوير منظومات مثل «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس».
وفي تطور لافت في هذا المسار، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أن بلاده ستوقف تقديم نحو 4 مليارات دولار سنويًا لإسرائيل مع نهاية العام الجاري، مشيرًا إلى أنه توصل إلى اتفاق مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بهذا الشأن قبل أشهر.
وقال ترامب، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه المساعدات، وإن استمرار تقديمها أصبح مادة للانتقاد السياسي داخل الولايات المتحدة، خصوصًا من جانب بعض الديمقراطيين الذين يعارضون تمويل الدعم العسكري الإسرائيلي.
لكن الإعلان يثير تساؤلات بشأن آليات التنفيذ؛ إذ إن مذكرة التفاهم الحالية، البالغة 38 مليار دولار، تمتد حتى سبتمبر/أيلول 2028، وتنص على تقديم 3.8 مليارات دولار سنويًا، ما يجعل وقف التمويل قبل انتهاء مدتها بحاجة إلى معالجة الالتزامات القائمة ودور الكونغرس في اعتماد الأموال وصرفها.
ووفقًا لوكالة «رويترز»، لم يوضح ترامب طبيعة التمويل الذي سيشمله القرار أو الآلية القانونية لإنهائه، فيما لم يصدر رد فوري من البيت الأبيض أو مكتب نتنياهو على استفسارات الوكالة. وأكد الرئيس الأمريكي، في المقابل، أن إسرائيل ستظل قادرة على شراء الأسلحة الأمريكية، وأن واشنطن ستقدم لها المساعدة إذا احتاجت إليها.
ويعكس الإعلان تحولًا محتملًا في شكل المساعدات الأمريكية، لكنه لا يعني بالضرورة إنهاء التعاون العسكري أو وقف صفقات السلاح؛ فالتمييز قائم بين المنح والتمويل العسكري المباشر من جهة، وشراء الأسلحة والتعاون الدفاعي من جهة أخرى.
السلاح الأمريكي في حرب غزة
ظهر حجم الإسناد العسكري الأمريكي بصورة أكثر وضوحًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن تسريع إرسال الذخائر والأسلحة ومنظومات الاعتراض الصاروخي إلى إسرائيل.
ووفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في أغسطس/آب 2024، وصلت إلى إسرائيل، حتى ذلك الوقت، أكثر من 500 رحلة جوية و107 شحنات بحرية حملت ما يزيد على 50 ألف طن من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية.
وتضمنت الشحنات، بحسب التقرير، 14 ألف قنبلة من طراز MK-84 زنة ألفي رطل، و6500 قنبلة زنة 500 رطل، و3 آلاف صاروخ «هيلفاير»، وألف قنبلة خارقة للتحصينات، إضافة إلى 2600 قنبلة جوية صغيرة القطر.
وفي أبريل/نيسان 2024، أقر الكونغرس قانون المخصصات التكميلية، الذي تضمن 3.5 مليارات دولار تمويلًا عسكريًا لإسرائيل، و5.2 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي، بينها 4 مليارات دولار للمنظومات القائمة و1.2 مليار دولار لتطوير منظومة الليزر «الشعاع الحديدي»، وفق تقرير الكونغرس الصادر في مايو/أيار 2025.
وبذلك لم يقتصر الدعم خلال الحرب على المساعدات السنوية المعتادة، بل شمل تمويلًا إضافيًا وشحنات عسكرية متواصلة، إلى جانب استمرار التعاون في منظومات الاعتراض والدفاع الجوي.
الغطاء السياسي والدبلوماسي.. من الاعتراف إلى الشراكة الاستراتيجية
على المستوى السياسي، حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على علاقة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، وتجلّى ذلك في الزيارات الرسمية والاتفاقيات الأمنية والتنسيق العسكري، فضلًا عن دعمها في المحافل الدولية.
وخلال حرب يونيو/حزيران 1967، وقفت واشنطن إلى جانب إسرائيل دبلوماسيًا، ثم تطورت العلاقة بعد حرب 1973 إلى شراكة استراتيجية أكثر رسوخًا. وفي عام 1987، منح الكونغرس إسرائيل صفة «حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي»، بما عزز أطر التعاون العسكري والتكنولوجي.
كما تبنت الولايات المتحدة مواقف داعمة لإسرائيل في ملفات التسوية السياسية، والقدس، والاستيطان، والحدود، مع اختلاف مستوى الدعم وأدواته بين الإدارات المتعاقبة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، أعلن الرئيس دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووجّه بنقل السفارة الأمريكية إليها، ونُفذ القرار في مايو/أيار 2018، في خطوة أثارت رفضًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا واسعًا.
ولم يقتصر الإسناد السياسي على الاعترافات والقرارات الثنائية، بل امتد إلى توفير الحماية الدبلوماسية لإسرائيل داخل الأمم المتحدة، ولا سيما في مجلس الأمن، حيث استخدمت واشنطن حق النقض ضد مشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية.
الفيتو الأمريكي.. حماية إسرائيل في مجلس الأمن
يُعد استخدام حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن أحد أبرز أشكال الحماية السياسية والدبلوماسية التي وفرتها واشنطن لإسرائيل، خصوصًا في مواجهة مشاريع القرارات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والعدوان على الفلسطينيين.
وبدأ الاستخدام الأمريكي للفيتو لحماية إسرائيل من مشاريع القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية بصورة بارزة عام 1972، عندما أسقطت واشنطن مشروع قرار ينتقد الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
ومنذ ذلك الحين، تكرر استخدام الفيتو الأمريكي لإحباط قرارات تدين الاستيطان، أو تطالب بوقف الاعتداءات، أو تدعو إلى إجراءات دولية لحماية الفلسطينيين.
وبحسب قاعدة بيانات الأمم المتحدة الخاصة باستخدام حق النقض، بلغ مجموع مرات استخدام الولايات المتحدة للفيتو في مجلس الأمن 95 مرة حتى عام 2025، وهو مجموع يشمل مختلف الملفات الدولية، وليس القضية الفلسطينية وحدها.
ومن أبرز المحطات الحديثة، استخدام واشنطن الفيتو في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضد مشروع قرار يدعو إلى هدنة إنسانية في غزة، ثم في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه ضد مشروع قرار يطالب بوقف إنساني فوري لإطلاق النار.
وفي 20 فبراير/شباط 2024، أسقطت مشروع قرار يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، كما استخدمت الفيتو في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ضد مشروع قرار يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في القطاع.
وتواصل هذا النهج خلال عام 2025؛ إذ استخدمت الولايات المتحدة الفيتو في 4 يونيو/حزيران ضد مشروع قرار يدعو إلى وقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في غزة، ثم كررت ذلك في 18 سبتمبر/أيلول 2025 ضد مشروع قرار يتعلق بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية.
وتوثق قائمة مكتبة داغ همرشولد التابعة للأمم المتحدة هذه القرارات وتواريخ التصويت عليها، بما يظهر استمرار استخدام واشنطن موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن لحماية الموقف الإسرائيلي من قرارات دولية تتعلق بالحرب على غزة.
ولا يعني ذلك أن جميع حالات الفيتو الأمريكي كانت متطابقة في مضمونها أو مبرراتها؛ فقد قدمت الإدارات الأمريكية تفسيرات مختلفة لمواقفها، من بينها الاعتراض على صياغات القرارات أو اعتبارها غير متوازنة أو غير مرتبطة بمسار تفاوضي.
من الدعم التقليدي إلى الالتزام طويل الأمد
تكشف مراجعة المسار التاريخي أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يتخذ شكلًا واحدًا، بل تطور عبر مراحل متعاقبة؛ فمن الاعتراف السياسي عام 1948، إلى القرض الاقتصادي الأول عام 1949، ثم صفقات السلاح في ستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى الجسر الجوي العسكري خلال حرب 1973، وبعدها المساعدات السنوية الضخمة ومذكرات التفاهم الممتدة لعشر سنوات.
وتعزز هذا المسار بعد عام 1999، عندما أصبحت المساعدات العسكرية جزءًا من التزامات استراتيجية طويلة الأمد، وصولًا إلى اتفاق الـ38 مليار دولار للفترة 2019-2028، فضلًا عن المخصصات الاستثنائية التي أقرها الكونغرس بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أما إعلان ترامب وقف نحو 4 مليارات دولار سنويًا مع نهاية 2026، فيفتح فصلًا جديدًا في مسار هذه العلاقة، لكنه لا يمثل حتى الآن دليلًا على انتهاء منظومة الدعم الأمريكي؛ فالرئيس الأمريكي أبقى الباب مفتوحًا أمام بيع الأسلحة لإسرائيل ومساعدتها عند الحاجة، كما أن تنفيذ وقف التمويل يواجه التزامات قانونية ومالية قائمة.
وفي المحصلة، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل ظل على مدى عقود منظومة متداخلة من التمويل والتسليح والتعاون الاستراتيجي والحماية الدبلوماسية، تشكلت عبر إدارات أمريكية متعاقبة. وحتى مع الحديث عن تقليص المساعدات المباشرة، يبقى مستقبل العلاقة مرتبطًا بكيفية إعادة تنظيم أدوات هذا الدعم، لا بمجرد إعلان وقف بند مالي واحد.
وبذلك، فإن فهم الدور الأمريكي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يكتمل بالنظر إلى المواقف السياسية المعلنة وحدها، بل يتطلب قراءة متزامنة للأموال والأسلحة والاتفاقيات والقرارات الدولية، باعتبارها أدوات متكاملة في علاقة استراتيجية بدأت منذ نشأة إسرائيل واستمرت حتى الوقت الراهن.

