
المركز الفلسطيني للإعلام
في غزة، حيث امتدت العتمة إلى تفاصيل الحياة اليومية، لم يكن فقدان البصر بالنسبة لوئام زينو مجرد مرض عابر، بل معاناة امتدت لعامين ونصف، حرمتها من رؤية ابنتها والقيام بأبسط تفاصيل حياتها؛ لكن تبرعًا بقرنية الشهيدة إيمان أبو شلوف فتح أمامها نافذة جديدة نحو الضوء، وحوّل لحظة الفقد إلى بداية لحياة تستعيد فيها نعمة الإبصار والأمل.
عامان ونصف من العتمة والانتظار
بدأت معاناة وئام بعد نزوحها، عندما ظهرت أعراض الحساسية والاحمرار في إحدى عينيها، قبل أن تتطور حالتها تدريجيًا وتتكون طبقة بيضاء على العين انتهت بفقدانها البصر.
وبينما كانت تحتاج إلى زراعة قرنية، زادت ظروف الحرب والنزوح من صعوبة حصولها على العلاج والمتابعة الطبية اللازمة، لتعيش أكثر من عامين وهي تواجه الألم والحرمان من الرؤية، في وقت كانت فيه الخيام والحرارة والظروف المعيشية القاسية تزيد من معاناتها.
وتقول وئام إن أكثر ما كان يؤلمها هو عدم قدرتها على رؤية ابنتها، التي كانت تحتاج إلى من يرعاها ويعتني بها، مضيفة أن استعادة جزء من بصرها بعد العملية جعلتها تشعر وكأنها بدأت حياة جديدة.
وتروي: “دايمًا قاعدة في حضني، دايمًا معايا”، مشيرة إلى أنها كانت تقوم بكل تفاصيل رعاية ابنتها رغم فقدانها النظر، قبل أن تتمكن بعد العملية من رؤيتها مجددًا ولو بشكل جزئي، وتحمد الله على هذه النعمة.

من وجع الفقد إلى هدية الحياة
لم تكن القرنية التي أعادت لوئام جزءًا من بصرها مجرد نسيج طبي، بل حملت قصة إنسانية بدأت من قرار عائلة الشهيدة إيمان أبو شلوف بالتبرع بقرنية ابنتها، لتمنح مريضة أخرى فرصة لاستعادة الضوء الذي فقدته.
وتحول قرار العائلة إلى باب أمل أمام وئام، التي عاشت سنوات في انتظار فرصة للعلاج، لتجد نفسها أمام بداية جديدة بعد نجاح عملية الزراعة.
وتوجه وئام رسالة إلى أهالي الشهداء، داعية من يستطيع منهم التبرع بالقرنيات إلى الإقدام على هذه الخطوة، بعدما اختبرت بنفسها أثرها في إعادة البصر والحياة لمن فقدهما.

لحظة استعادة البصر.. حين ترى الأم ابنتها من جديد
أما بالنسبة للطبيب أسامة أبو الوفا، استشاري ورئيس قسم العيون في مجمع ناصر الطبي، فلم تكن حالة وئام مجرد نجاح طبي، بل تجربة إنسانية عميقة ارتبطت بأم فقدت قدرتها على رؤية طفلتها.
ويوضح أبو الوفا أن المريضة كانت تعاني فقدانًا كبيرًا في النظر، وكانت ظروفها النفسية صعبة للغاية لأنها لم تكن قادرة على رؤية ابنتها، مشيرًا إلى أن نجاح زراعة القرنية أعاد إليها بصرها، وكانت لحظة مؤثرة عندما تمكنت من رؤية طفلتها مرة أخرى.
ويؤكد أن هذه الحالة تتجاوز الجانب الطبي، لأنها أعادت للمريضة جزءًا من حياتها الطبيعية، وأعادت إليها الأمل والبصر في آن واحد، مقدمًا الشكر لعائلة الشهيدة إيمان أبو شلوف على تبرعها.

عمليات ناجحة تعيد الضوء إلى عيون المرضى
وفي إطار البرنامج الوطني لزراعة القرنيات، يواصل الفريق الطبي في غزة إجراء عمليات زراعة ناجحة لمرضى حُرموا من الإبصار، في محاولة لتوطين هذا النوع من الخدمات التخصصية داخل المستشفيات والتخفيف من معاناة المرضى.
ونجح الفريق الطبي برئاسة مدير مستشفى العيون واستشاري أول طب وجراحة العيون وزراعة القرنية، الدكتور حسام داود، في إجراء عملية زراعة قرنية لمريضة تبلغ من العمر 64 عامًا، بهدف إعادة بصرها والتخفيف من معاناتها.
وكانت المريضة قد خضعت سابقًا لعملية إزالة المياه البيضاء وزراعة قرنية، إلا أن ظروف الحرب حالت دون استكمال المتابعة الطبية وإزالة الغرز الجراحية، ما أدى إلى فشل الزراعة وإصابتها باعتلال القرنية الفقاعي، الذي تسبب بآلام وحرقة شديدة وفقدان للإبصار لسنوات.
كما تمكن الفريق الطبي في مجمع ناصر الطبي من إجراء عملية زراعة قرنية للمريض أحمد محمد المصري، باستخدام قرنية المتوفى بشار أبو عون، ضمن استمرار البرنامج الوطني لزراعة القرنيات.

منظومة متكاملة تبدأ بالتبرع وتنتهي بعودة الأمل
وتقوم عمليات زراعة القرنيات على منظومة عمل متكاملة تشارك فيها وزارة الصحة وبنك العيون ووحدة نقل وزراعة الأعضاء والفرق الطبية المختصة، إلى جانب جمعية قيرطان التي تساهم في نشر ثقافة التبرع بالقرنيات.
وتشمل هذه المنظومة حصر الحالات وتجهيزها، وإجراء الفحوصات الطبية والمخبرية الدقيقة، والتنسيق اللوجستي لنقل القرنيات وتجهيزها للزراعة، وصولًا إلى إجراء العمليات ومتابعة المرضى.
ويشير أبو الوفا إلى أن وتيرة العمليات تسير بصورة منتظمة من حيث تحديد الحالات واختيارها، والاستفادة من المستلزمات الجراحية المتاحة، بما يسمح باستمرار البرنامج الوطني رغم الظروف الصعبة.

تبرع الشهيدة إيمان.. قرنية تتحول إلى شعاع حياة
من قلب الفقد، جاءت قصة الشهيدة إيمان أبو شلوف لتؤكد أن العطاء يمكن أن يستمر حتى بعد الرحيل، بعدما اختارت عائلتها التبرع بقرنيتها ضمن حملة “ومن أحياها” في البرنامج الوطني لزراعة القرنيات.
ومع هذا القرار، تحولت قرنية الشهيدة إلى فرصة لمريضين عاشا سنوات في عتمة المرض، وتمكن الفريق الطبي من إجراء عمليتي زراعة ناجحتين أعادتا إليهما الأمل بإمكانية رؤية الحياة من جديد.
وهكذا لم يتوقف أثر إيمان عند عائلتها ومن عرفوها، بل امتد إلى عيون مرضى كانوا ينتظرون فرصة لاستعادة النور، ليصبح التبرع بالقرنيات رسالة إنسانية تتجاوز لحظة الرحيل، وتمنح آخرين فرصة للعودة إلى تفاصيل الحياة التي حرموا منها.
حاجة مستمرة إلى المستلزمات الطبية
ورغم النجاحات التي يحققها البرنامج، يجدد الأطباء وبنك العيون الدعوة إلى المؤسسات الدولية والإنسانية لتعزيز وتوفير الأدوات والمستلزمات الطبية المساعدة والمساندة، بما يضمن قدرة الفرق التخصصية على مواصلة إجراء عمليات زراعة القرنيات.
ففي غزة، لا تتوقف قيمة العملية عند نجاحها طبيًا؛ إذ تعني بالنسبة لمريض فقد بصره سنوات أن يستعيد وجه طفل، أو ملامح أم، أو طريقًا كان يظنه قد اختفى إلى الأبد.
وبينما تواصل الحرب فرض عتمتها على تفاصيل الحياة، تظل قرنيات المتبرعين نافذة مختلفة على الضوء؛ ضوء يبدأ من قرار إنساني، ويمر عبر أيدي الأطباء، وينتهي في عين مريض يستعيد قدرته على رؤية العالم من جديد.
وفي قصة وئام زينو، كان ذلك الضوء يحمل وجه ابنتها، بعدما عاشت طويلًا وهي تتمنى أن تراها.

