من «لافندر» إلى «نازا».. كيف تحوّل المدنيون وأطفال غزة إلى أرقام في بنك أهداف الاحتلال؟

قصف سيارة

المركز الفلسطيني للإعلام

تكشف تحقيقات صحفية وشهادات جديدة من داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي عن منظومة استهداف واسعة في قطاع غزة، لم تقتصر على جمع المعلومات عن الفلسطينيين وتحديد الأشخاص والمواقع المرشحة للقصف، بل امتدت، وفق شهادات جنود وضباط استخبارات، إلى تقدير أعداد المدنيين الذين يمكن أن يُقتلوا قبل تنفيذ الغارات.

ويعيد الفيلم الوثائقي «نازا»، الذي استند إلى شهادات 24 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا في الجيش والاستخبارات، فتح ملف آليات الاستهداف في غزة، بعد أكثر من عامين على كشف تحقيقات صحفية عن استخدام منظومات مثل «لافندر» و«إنجيل» و«أين أبي؟» في جمع البيانات وتحديد الأشخاص والمباني ومواقع وجود المستهدفين.

وتشير هذه التحقيقات، التي نشرتها وسائل إعلام دولية، إلى أن الفلسطينيين لم يكونوا مجرد أهداف تحددها المعلومات الاستخبارية، وإنما تحولت بياناتهم الشخصية ومواقع منازلهم وأفراد عائلاتهم إلى عناصر داخل منظومة حسابية تسبق عملية القصف.

«نازا».. حساب المدنيين قبل الضربة

بحسب تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، فإن «نازا» اختصار عسكري إسرائيلي يستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم خلال هجوم على هدف عسكري.

وتكمن خطورة هذا المصطلح، وفق الشهادات التي نقلها التحقيق، في أن أعداد الضحايا المدنيين لم تكن بالضرورة نتيجة غير معروفة مسبقًا للغارة، بل كانت تُقدّر قبل تنفيذها وتدخل ضمن عملية اتخاذ القرار.

وتحدث مشاركون في الفيلم عن حالات كان فيها الشخص المستهدف داخل منزل مع أفراد أسرته، بما في ذلك أطفال، ومع ذلك كانت الغارة تُنفذ ليلًا، في وقت تكون فيه العائلة موجودة داخل المنزل.

وفي إحدى الشهادات التي نقلتها «الغارديان»، ورد أن الموافقة على استهداف شخص واحد وصلت في حالة معينة إلى إمكانية مقتل 500 مدني، وهي رواية نقلتها الصحيفة عن مصدر مجهّل ولا يمكن التعامل معها باعتبارها أمرًا عسكريًا منشورًا أو سياسة معلنة، لكنها تثير أسئلة حادة حول المعايير التي تحكم تقدير الخسائر البشرية في غزة.

وبذلك ينتقل السؤال من مجرد معرفة ما إذا كان المدنيون قد يسقطون ضحايا للقصف، إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يعني أن يكون عدد المدنيين المتوقع مقتلهم معلومًا قبل إطلاق الصاروخ؟

الهاتف المحمول يتحول إلى أداة استهداف

وتشير شهادات نقلتها وكالة «رويترز» إلى أن منظومات جمع المعلومات اعتمدت على معالجة كميات هائلة من بيانات الهواتف المحمولة للمساعدة في تحديد أماكن الأشخاص المستهدفين.

وبحسب إحدى الشهادات، فإن معلومة بسيطة تظهر على هاتف طفل، مثل عبارة تشير إلى وجود الأب في المنزل، يمكن أن تساعد في تحديد مكان الشخص المطلوب واستهداف المنزل الذي يوجد فيه.

وهنا تبرز المفارقة الأشد قسوة؛ فالهاتف الذي يستخدمه طفل للتواصل مع والده أو أسرته يمكن أن يتحول، داخل منظومة الاستهداف، إلى مصدر معلومة تساعد في تحديد مكان الضربة، بينما تصبح الأسرة الموجودة في المنزل جزءًا من تقدير الخسائر المتوقعة.

وتقول «رويترز» إن الشهادات الواردة في «نازا» تحدثت كذلك عن استخدام واسع لبيانات الهواتف في تحديد مواقع الأشخاص والمنازل، إلى جانب شهادات بشأن قتل فلسطينيين في مناطق أعلن الجيش أنها مناطق عسكرية مغلقة أو ممنوعة، بما في ذلك مناطق قريبة من مراكز توزيع المساعدات.

«لافندر».. آلاف الأسماء في وقت قياسي

لم يبدأ الجدل حول منظومات الاستهداف الإسرائيلية مع «نازا».

ففي أبريل/نيسان 2024، كشفت مجلة «+972» وموقع «Local Call» تحقيقًا استند إلى شهادات ستة ضباط في الاستخبارات الإسرائيلية، تحدثوا عن استخدام نظام يحمل اسم «لافندر» لمعالجة كميات ضخمة من البيانات وتحديد فلسطينيين يشتبه بانتمائهم إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وبحسب التحقيق، وضع النظام في إحدى المراحل نحو 37 ألف فلسطيني ضمن قائمة الأشخاص الذين يمكن استهدافهم.

وأفاد ضباط تحدثوا إلى التحقيق بأن «لافندر» كان قادرًا على إنتاج آلاف الأسماء بسرعة كبيرة، وأن بعض المشغلين كانوا يقضون نحو 20 ثانية فقط في مراجعة الهدف قبل السماح بتنفيذ الضربة، مع الإشارة إلى أن النظام كان يخطئ في بعض الحالات.

ووفق الشهادات نفسها، لم يكن «لافندر» يعمل منفردًا، إذ تحدث التحقيق عن منظومة أخرى عُرفت باسم «أين أبي؟»، مهمتها تحديد وجود الشخص المطلوب داخل منزله، بما يسمح بتنفيذ الضربة في المكان الذي يوجد فيه.

أما نظام «إنجيل»، فارتبط، وفق التحقيقات، بالمساعدة في تحديد المباني والمنشآت التي يمكن استهدافها، بينما ركز «لافندر» على تحديد الأشخاص المشتبه بهم.

وبذلك ظهرت أمام الرأي العام صورة لمنظومة متعددة المراحل: بيانات ضخمة، ثم تحديد للأشخاص، ثم تحديد لمواقع وجودهم، ثم اختيار للمباني، وصولًا إلى تنفيذ الضربة.

عندما تصبح العائلة جزءًا من المعادلة

تكشف شهادات «نازا» جانبًا أكثر حساسية من هذه المنظومة، يتمثل في معرفة القائمين على الاستهداف بوجود المدنيين داخل المكان المستهدف.

فبحسب الشهادات التي نقلتها «الغارديان»، كان العاملون في الاستخبارات يعرفون في بعض الحالات أن المنزل المستهدف يضم عائلة وأطفالًا، ومع ذلك تستمر إجراءات الاستهداف.

وهذا ما يجعل ملف «نازا» مختلفًا عن النقاش التقليدي حول أخطاء الاستهداف أو الأضرار الجانبية؛ إذ إن القضية المطروحة لا تتعلق فقط بسقوط مدنيين لم يكن وجودهم معروفًا، وإنما، وفق هذه الشهادات، بإمكانية معرفة وجودهم مسبقًا وتقدير عددهم قبل تنفيذ الهجوم.

ومن هنا يبرز السؤال حول الحد الفاصل بين «الضرر الجانبي» وبين اتخاذ قرار عسكري مع معرفة مسبقة بأن أطفالًا وعائلات موجودون في المكان.

جيش الاحتلال ينفي.. لكن الأسئلة لا تتوقف

في المقابل، رفض جيش الاحتلال الإسرائيلي الروايات التي وردت في التحقيقات، وقال في رده على تحقيق «لافندر» إن الجيش لا يستخدم نظامًا يحدد بصورة مستقلة من هو «الإرهابي»، وإن أدوات إدارة المعلومات تستخدم لمساعدة محللي الاستخبارات في جمع المعلومات وتحليلها.

وأكد الجيش أن المحللين مطالبون بإجراء فحوص مستقلة قبل اعتماد أي هدف، ونفى وجود سياسة تسمح بقتل أعداد محددة من المدنيين بصورة تلقائية مع كل هدف.

وفي رده على فيلم «نازا»، شكك الجيش أيضًا في الشهادات المجهّلة، معتبرًا أن بعض الادعاءات تتعلق بقرارات استراتيجية تتجاوز مستوى معرفة الجنود الذين تحدثوا عنها.

كما يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه يلتزم بقواعد التناسب والاحتياطات المتعلقة بحماية المدنيين، وأن تقييم الضرر المتوقع يجري قبل تنفيذ الضربات، وأن الهجوم لا يُنفذ عندما يرى الجيش أن الضرر المتوقع على المدنيين مفرط مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.

غير أن هذه الردود لم تُنهِ الجدل، خصوصًا أن التحقيقات المختلفة لا تتحدث بالضرورة عن نظام واحد يتخذ قرار القتل بصورة مستقلة، وإنما عن سلسلة من الأدوات والإجراءات التي تساعد في إنتاج الأهداف، وتحديد مواقعها، وتقدير الأضرار المدنية المحتملة.

من «إنتاج الهدف» إلى «إنتاج الضحايا»

بين «لافندر» و«إنجيل» و«أين أبي؟» و«نازا»، تتشكل، وفق التحقيقات والشهادات، سلسلة مترابطة تبدأ بجمع البيانات عن الفلسطينيين وتنتهي بتحديد الهدف والخسائر البشرية المحتملة.

وهنا تكمن القضية الأهم: التكنولوجيا لا تظهر في هذه الروايات باعتبارها مجرد أداة تقنية محايدة، وإنما كجزء من عملية عسكرية واسعة لتسريع إنتاج الأهداف.

فإذا كان «لافندر» يحدد الأشخاص، و«إنجيل» يساعد في تحديد المباني، و«أين أبي؟» يحدد وجود الشخص داخل منزله، فإن «نازا» يضيف عنصرًا آخر إلى المعادلة، وهو تقدير عدد المدنيين الذين قد يُقتلون نتيجة الضربة.

وبهذه الصورة، يصبح الطفل الذي يظهر في البيانات الرقمية أو الهاتفية جزءًا من منظومة الاستهداف، ثم قد يتحول وجوده داخل المنزل إلى رقم في تقدير الخسائر المتوقعة.

أكثر من خطأ فردي

تكمن أهمية هذه التحقيقات في أنها لا تستند إلى حادثة واحدة أو شهادة منفردة، وإنما تأتي في سياق سلسلة من التحقيقات التي ظهرت على مدى أكثر من عامين، وتناولت جوانب مختلفة من منظومة الاستهداف الإسرائيلية في غزة.

ورغم نفي جيش الاحتلال للاتهامات، فإن تكرار الشهادات يطرح تساؤلات تتجاوز فكرة الخطأ الفردي لجندي أو خلل تقني في نظام استخباري.

فالقضية المطروحة تتعلق بالمنظومة نفسها: من يجمع البيانات؟ ومن يحدد الشخص باعتباره هدفًا؟ ومن يحدد مكان وجوده؟ ومن يعرف أن عائلته موجودة معه؟ ومن يقدّر عدد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا؟ ومن يملك في النهاية سلطة السماح بتنفيذ الضربة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر في ظل حجم الدمار والخسائر البشرية التي خلفتها الحرب على قطاع غزة، وفي ظل الاتهامات الدولية الموجهة إلى إسرائيل بشأن ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

حين يتحول الإنسان إلى رقم

تكشف قصة «لافندر» ثم «نازا» عن تحول خطير في طبيعة الحرب الحديثة: الفلسطيني الذي كان يُعرف باسمه وعائلته ومكان إقامته، يمكن أن يتحول داخل منظومة البيانات إلى رقم، ثم إلى «هدف»، ثم إلى رقم آخر في تقدير الخسائر البشرية.

والأخطر، وفق الشهادات التي تحتاج بطبيعة الحال إلى التحقيق والتحقق المستقل، أن المدنيين والأطفال لم يكونوا دائمًا مجهولين بالنسبة لمنظومة الاستهداف، بل كانت معلومات عن وجودهم داخل المنازل جزءًا من البيانات المتاحة قبل تنفيذ بعض الضربات.

وبينما يصر جيش الاحتلال على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات مجرد أدوات مساعدة لا تتخذ قرارات القتل بصورة مستقلة، فإن الشهادات التي كشفت عنها تحقيقات «+972» و«الغارديان» و«رويترز» تضع المسؤولية في مكان أوسع من السؤال عن الآلة نفسها: من يضع القواعد التي تعمل وفقها الآلة، ومن يقرر أن نتيجة الحساب تستحق التنفيذ؟

وفي النهاية، لا تكمن خطورة «نازا» في الاسم وحده، بل في الفكرة التي يحملها: أن عدد المدنيين المتوقع قتلهم يمكن أن يدخل في الحساب قبل سقوط القنبلة.

وهنا يصبح ملف «لافندر» و«نازا» جزءًا من سؤال أكبر عن طبيعة الحرب على غزة، وعن الحدود التي يمكن أن تصل إليها منظومات الاستهداف عندما تتحول حياة البشر إلى بيانات، والبيانات إلى أهداف، والضحايا إلى أرقام محسوبة مسبقًا.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest